on
ميسرة بكور: الدراما والإعلانات الرمضانية.. فشل مزدوج وانعكاسات سلبية
ميسرة بكور: القدس العربي
أوقفوا هذا العبث والهراء أوقفوا التسطيح والتجريف الفكري وارحموا الشعب مما تسوقون من أساطير الأولين ومما يشتهي السلاطين، ولست اعرف هل تساهمون عن جهل بتسويق مشروع المتطرفين القائم على الشعور بالمظلومية والتشويه الإعلامي لهم ولِمَ يعتقدون أنه هجوم على دينهم ومعتقداتهم وحمل كل نقيصة على تنظيمات الإسلام السياسي، فيكون مردود هذه الأعمال سلبيا، بل هو فشل مزدوج فلا أنتم استطعتم بهذا العبث والتسطيح ضرب تنظيم الدولة بمقتل ولا أنتم نجحتم بمعالجة القضية وهناك من يشعر بالغضب والحنق الشديدين على هذا المستوى من الأعمال التي تستخف بعقول المشاهد، زدتم الطين بلة.
أيها الناس لا يشكك عاقل ولا يجادل حليم رشيد أن تنظيم الدولة تنظيم جاهلي ضال مضل فاسد مفسد شوه الإسلام والتاريخ والوطن والإنسان.
ولا يستطيع مدافع أن يدفع عن تنظيم الدولة حقائق الغلو والتطرف الفكري وانحراف المنهج وفساد العقيدة والاستفادة من بعض آيات القرآن الكريم والسنة الشريفة والاستشهاد بها في غير مواضعها للتدليل على مقاصده الفاسدة ولا ينكر أحد أو يستطيع إنكار حقيقة ما هو عليه تنظيم الدولة من إرهاب على كل صعيد فكري وعقلي وأخلاقي والشاهد جرائمه المقيتة السفيهة المدانة من جميع فئات المجتمع السوي القويم وما أنكره عليهم العلماء العاملون العدول.
وأنه لواجب بل فرض على الإعلام والفنانين والمثقفين وأصحاب الرأي وقادة المجتمع وعلماء الدين فضحه وتبيين للناس عواره وانحرافاته وخداعه.
ومن المهم أن يفهم الناس ويعلم الشباب المغرر به الهارب من احباطاته اليومية بسبب فشل التنمية والتعليم وقلة الوظائف وعدم المساواة وانعدام الحرية السياسية والفكرية. ومن حاضر مرير إلى ماض مجيد يبحث في طيات أوراقه عن ما يلملم به خيباته وانعدام الأمل في انعتاقه وتفجير قدراتها الذهنية والابداعية التقنية والثقافية.
ولكن الأهم ان يدرك الناس ويعلموا حقيقة ومسببات استنبات منظمات إرهابية تدعي كذبا انها المنقذة الفاتحة لصفحة جديدة التاريخ ومستقبل جميل واعد.
ملايين أنفقت على مسلسلات وإعلانات عمل صناعها على فضح كذبة تنظيم الدولة وأضاليله وتكفيره، ولسنا ننكر عليهم ذلك، ولربما ظن بعضهم أنهم بهذه الطريقة يساعدون وينقذون الشباب من الانجراف في تيار تنظيم الدولة وشقيقاته من منظمات ما جلبت الينا إلا الخراب، ويعتقدون انهم بهذه الطريقة إنما أرادوا اصلاحا ومساهمة في تجفيف الفكر الإرهابي ومنابعه عن طريق تسويق هذه المسلسلات والإعلانات، معتقدين انهم يوضحون للناس ما غاب عنهم من ممارسات هذا التنظيم الخرابي العبثي الضلالي.
كل هذا مهم ولكنني اعتقد ان مردود هذا الجهد المبذول من قبل أصحابه سيكون له فعل عكسي بسبب ما حواه من التسطيح والتجريف الفكري وربط كل شيء بالإرهاب ومنظماته الإرهابية، بشكل جعل تنظيم الدولة يظهر بمظهر الضحية المفترى عليه، وتجنب البحث بعمق الأسباب التي دفعت أولئك الأشخاص إلى قبول تنظيم الدولة الإرهابي وجرائمه المنكرة المدانة.
ولاحظ الجميع عزيمة بعض المسلسلات على تسليط الضوء على قضية «جهاد النكاح» بطريقة تجعل منه حقيقة معاشه والأمر ليس كذلك وهو ما لم تتمكن أي جهة حيادية موثوق بها اثباته ولا دليل صح في خبره، والجميع يعلم من وراء هذا المنتج ومن استنبته سياسيا وسوقه اعلاميا ولمن لا يذكر أو حاول ان يتعمد البلاهة والتذاكي على جمهور المشاهدين، نذكره أن قناة الميادين الممولة إيرانيا ويديرها شخص «إيراني الهوى «هو من استنبت هذا المصطلح بإيعاز من اسياده وارباب نعمته وأصحاب الفضل في ظهور قناته التي لا تخفي عداءها للدول العربية عامة وللثورة السورية خاصة، اسياده القابعين في طهران بهدف تشويه الثورة السورية وضربها بعفتها.
كثيرة هي المراكز البحثية التي درست وبحثت في أسباب الفكر الإرهابي وغالبيتها استنتجت أن الاستبداد وغياب العدالة والمساءلة السبب الرئيسي وراء هذه الموجة الإرهابية العاصفة التي ضربت العالم بأركانه.
وإذا استمر البعض بتجاهل هذه الحقيقة الواضحة فلا مجال للحديث عن تجفيف الفكر الإرهابي أو القضاء على ظاهرة التطرف الذي تلجأ اليه تلك التنظيمات بهدف تحقيق مصالح جوهرها مطالب سياسية واجتماعية وظاهرها ديني، بالمناسبة هذا قاسم مشترك بين تيارات ما اصطلح على تسميته «الإسلام السياسي» وتيارات الليبراليين او العلمنة، الفريقان يعملان كل بطريقته لفرض منهجه السياسي على المجتمع والنتيجة تحقيق أهداف سياسية او اقتصادية ولكل أسلوبه ومذهبه في بلوغ مآربه.
السيدات والسادة كتابا ومثقفين وإعلاميين وصناع الدراما، إلى متى سنستمر في هذا النهج نعرف الذنبَ ولا نعترفُ، الجرح ينزف امام أعيننا ولا ننظر اليه، بل نحاول أن نتعامل مع افرازاته، ربما تتسبب هذه المعالجة في غير موضع الآلام إلى مضاعفات ربما يصعب السيطرة عليها فيما بعد.
لست أهدف بهذه السطور تسجيل انتقاد أو بغرض الحديث والاعتراض العشوائي، إنما هدفت أن أنصح وأدلي برأي لعله يكون فيه خير وما بنيت رأي على اجتهاد شخصي أو استنبته من بنات افكاري بل هو واقع عايشته واستقرأه من خلال متابعاتي السياسية والاجتماعية والإنسانية عبر محطات ثورات الربيع العربي التي أرادها البعض أن تكون جحيما عربيا وأخذت مديتهم تعمل تقطيعاً في بنيته وتطعن بقسوة نبض تطلعات شبابه.
العلاج الناجع المستدام يبدأ في تحديد موضع المشكلة «الجرح» ومن ثم بدء العلاج بشكل استراتيجي طويل الأمد، وليس علاجا بطريقة التخدير الموضعي لموضع الجرح وتركه يتعفن نتيجة التراكمات وغياب أي أمل في انفراجه أو ضوء في آخر النفق.
في الوقت الذي تنفق الدول ملايين القطع النقدية على إنشاء مراكز مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، نجد أن هناك أناسا من أبناء جلدتنا يموتون جوعاً وعطشاً بين حدود دولتين عربيتين بينما هاتان الدولتان العربيتان تتراشقان بالتهم وكل طرف يكيل الاتهامات ويحمل المسؤولية للطرف الآخر المفترض أنه شقيقه العربي والأشقاء العرب الآخرون يستمرون بالموت على جانبي الحدود.
لا يشك أحد في دور القوة الناعمة «الإعلام» بمختلف مسمياته بما يمتلكه من قدرات وفضاء مفتوح ودخول البيوت من غير أبوابها في التأثير على الرأي العام بل ربما أصبحت الكثير من البرامج والمحطات تبني وتؤسس رأيا عاما، لكن كل هذه الجهود ستصطدم بحائط الواقع القريب المعاش، فليس من المعقول أن تُصنع اليوم دعايات ظاهرها محاربة التطرف وباطنها وحقيقتها تشويه الوقائع وتسويف ما هو معلوم بالضرورة للسادة المتابعين.
كيف لنا أن نحارب الإرهاب ونحن نسوف ونسوغ للمجرم والإرهابي الحقيقي.
نعم تنظيم الدولة إرهابي متطرف ونعم إنهم تجار مخدرات ونعم يتاجرون بالأعضاء البشرية والنفط. ولكن لم يتم طرح التساؤل التالي.
من الذي يشتري النفط من هذا التنظيم المارق المنفلت من عقال الأخلاق ومن هي الجهات التي تشتري منه الأعضاء البشرية وكيف يتم نقلها إليهم في الغرب الأوروبي، ومن اين يحصل تنظيم الدولة على المخدرات وحبوب الهلوسة، والسلاح، ومن هو المستفيد الحقيقي من تطرف هذا التنظيم ويستثمر فيها.
في حال تمت الإجابة على هذه التساؤلات من قبل المعنيين سنكون حينها في الطريق الصحيح لمكافحة وتجفيف الفكر المتطرف.