Archived: المالكية (ديريك)… مدينة السلام والمحبة والتسامح

حسن برو: كلنا شركاء

مدينة المالكية أو كما يحب سكانها تسميتها (ديريك) تأسرك من بعيد فهي المدينة المطلة على نهر دجلة وتتداخل فيها الجغرافيا والانسان مع كلٍ من تركيا والعراق “التي يسميها الكرد “كردستان الشمالية وكردستان الجنوبية”.

يلهف القلب للوصول إلى تلك البقعة الجميلة وتفتح قلبك للجبال المطلة عليها من الحدود كطائر عاشق يحاول التحليق  فوق تلك الحدود الوهمية المرسومة، يوقف خيالك بعض المحارس (حرس الحدود) المطلة من الجانب التركي على نهر دجلة، لتطرح في نفسك المئات من الأسئلة لما يقف ذاك الغريب بمظهره وسلاحه بين ” الأخوة وأبناء العمومة وحتى العشاق من الطرفين “.

بينما تقسم جنوباً سواتر ترابية  بين قريتين أو عائلتين منقسمتين بين دولتين “العراق وسوريا”  والجانبين يتكلمون نفس اللغة ويتفاهمون بها، ولكن يبقى هناك مانع وحاجز أكبر من تلك السواتر تفصل الطرفين يشتاق الجميع للجميع ، تجمعهم ذكريات أليمة وأخرى مفرحة ….البعض يعمل في مجال التهريب ليعيش فقط ، وآخرون يقفون وسط الحدود كمزدوجي الجنسية، الكل يتفاهم على كلمات مشتركة للعيش يتفرقون في جغرافيا السياسية للمكان …أحدهم يفضل أن يكون كردي سوري وأخر كردي عراقي ، لتصل إلى عشائر الجنوب “عشيرة الشّمر العربية  ” ” شّمر العراق ” و ” شّمر سوريا ”  أبناء عمومة  يجمعهم التاريخ مع الأكراد وتجمعهم الجغرافية والمصاهرة  تعود تاريخها إلى ما قبل تأسيس دولتي سوريا والعراق والتقسيمات الأجنبية للمنطقة بحسب مصالح الدول  الكبرى وقتها.

حقول النفط والقمح

وأنت تسير في الطرقات الملتوية لضرورة المرور على الآبار بين حقول النفط والقمح، تتألم لهذا الإهمال الكبير والكبير جداً في الخدمات بيوت طينية تفتقد لأبسط شروط الحياة في منطقة يفترض بأنها الأغنى في سوريا وبأن لأصحاب الأرض الحق فيها.

لا يقبع في تلك البيوت الطينية سوى بعض كبار السن يحفرون ذاكرتهم ليسردوا لك حكايات وقصص عن أبنائهم الهائمين على وجوههم في بقاع الأرض، بعض هؤلاء لا يعرفون أسماء تلك الدول التي لجأ إليها الأبناء ولكنهم يعرفون بأن ما يفصلهم عنها هي مسافات كبيرة تتجاوز أعمارهم التي عاشوها على مدى عقود مؤلمة.

مدينة ديريك

(ديريك) والمعربة إلى ( المالكية )  أو كما يسميها أهاليها من الكرد والمسيحيين  بـ “ديريكا حمكو ” نسبة إلى  صاحب أول  منزل  بُنيُّ  فيه، التي تقع أقصى الشمالي الشرقي من الخارطة السياسية السورية التي رسمتها ( اتفاقية سايكس بيكو )  ….ديريك المدينة الوادعة التي تطل منها على جزيرة بوطان أو” جزيرة ابن عمر” باتجاه الحدود التركية ،وجبل جودي باتجاه اقليم كردستان ، تداعب وجهك  نسائم  نهر دجلة  تعطيك أريحية وأنت تحاول الحصول على ملامح لأشخاص في اتجاه الشمال …ولكن لن تجد سوى بعض الشاحنات متعبة الملامح تتحرك باتجاهي الشرق والغرب ويقطع تلك المنطقة منارات بعض الجوامع المبنية في جزيرة بوطان .

” ديريك ” التسمية  تجيب عن الأسئلة

ديريك أو ديرك بحسب تشديد الأحرف ومخارجها بين المسيحيين والكرد غالبية المسيحيين يسمونها “ديريك ” أما الكرد فيسمونها ” ديرك ” لا تاريخ محدد عن بناء المدينة بشكلها الحالي ولكنها تشتق من  كلمتين ” دير”  وهي دار العبادة أو الكنيسة بحسب تسمية أبناء المنطقة ، أما كلمة ” يك ” بالكردية تعني ” الواحد ” وعند جمع الكلمتين  تصبح ” ديريك أو ديرك ”  وتعني ” دير واحدة”  وربما تعود إلى تأسيس أول كنيسة  فيها   إلى ما يقارب  1600 ميلادية   وهي “كنيسة العذراء”

أو هي مشتقة من كلمة “دو-دريك  أو دي  -ريك ” وتعني الطريقين  نسبة إلى الطريقين المؤديين إليهاً شمالاً وجنوباً.

وهي مبنية بالأحجار السوداء ولكن لا يُعرف تاريخ بنائها إلا أن الجوار يقولون بأنها تعود لعام /1920/ وتعرف أيضا بـ (ديركا حمكو) كما ذكرنا سابقاً بان حمكو وهو من أمراء العشيرة الكردية ” هسنان ” وهو أول من بنى فيه داره ومنحت له من قبل أمراء بوطان، وعربت إلى المالكية بموجب المرسوم (346بتاريخ 24\3\1957) نسبة إلى الضابط السوري البعثي “عدنان المالكي”.

الخدمات في المالكية

يبدو بأن المالكية لم تعاني كباقي المناطق الأخرى من تفجيرات الانتحارية أو سقوط قذائف الهاون إلا إنها لم تكن بعيدة عنها ، فكان بعض الخروقات المحدودة تطالها بدون خسائر كبيرة حيث استهدفت بصاروخين في صيف 2014  بجانب مقبرة ديريك راح ضحيتها شخص مدني ، ولكن الادارة القائمة تحافظ على كافة المباني والأثاث لم تطالها التخريب ولا السرقة كما في مناطق الحروب، ترتفع أعلام كلاً من /حركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEMووحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة إضافةَ إلى اعلام ” السوتورو” الذي يتبع الاتحاد الديمقراطي السرياني المسيحي، البلدية هي بلدية الشعب وتقوم بخدمات النظافة وتأمين مياه الشرب لكل ساكنيها ،وتقوم المرأة في الدوائر بدورها إلى ما يقارب النصف من حراسة مداخل المدن إلى حالة التعليم والوظائف العامة التي وفرتها ” الادارة الذاتية الديمقراطية ” تبدو المنطقة مثل خلية النحل فالمنظومة ” التي تسيطر عليها حركة المجتمع الديمقراطي لا تعرف الكسل أو الملل من العمل ،” فبالاضافة إلى وجود مؤسسات الخدمية من / مياه والبلدية والكهرباء / توجد مؤسسات أخرى منها ” اتحاد ستار للمرأة ومؤسسة عوائل الشهداء إضافة إلى غرقة للتجارة والصناعة تأسست مؤخراً ” إضافة شرطة المرور وقوات الأسايش تحافظ على الأمن وتضبط المخالفات والتجاوزات .

السوتورو إلى جانب الأسايش ووحدات حماية الشعب

في مداخل مدينة المالكية  ومخارجها تجد علم الـ “سوتورو”  إلى جانب “وحدات حماية الشعب والأسايش ” مرفوعة تكون بعض الحواجز مشتركة  بين الطرفين وبعضها الأخر تديرها قوات السوتورو أو الأسايش ” النساء والرجال ”  يبدو بأن هناك تفاهم بين عناصر  الحواجز المتواجدة حول ديريك  ( فالسرياني يخاطبك بـ كلمة حورو وتعني ” الرفيق ”  كما يخاطبك الكردي بهفال ” تعني الرفيق ” أيضاً السوتور منتشرين إلى جاني قوات الأسايش وهم منتشرون في ديريك وتربسبية ومركز القامشلي  ويتقاضون رواتبهم وسلاحهم من الادارة الذاتية الديمقراطية  ” المعلنة  من قبل PYD و الاتحاد السرياني وأن وقّع على الوثيقة المشتركة لإقامة مشروع الإدارة الذاتية في منطقة الجزيرة تحت يسمى ( سلطة غرب كردستان ) والاتحاد الديمقراطي الفيدرالي  في بداية العام الحالي  الذي اطلقه مجموعة احزاب كردية  وعربية وشخصيات عشائرية .

الأحزاب السياسية

معظم الأحزاب الكردية إضافة إلى الحزب الاتحاد الديمقراطي السرياني والمنظمة الأثورية الديمقراطية وحزب الأثوري  تمتلك مكاتب لها وترفع شعاراتها و أعلامها الخاصة فوق مكاتبها ، ولكن تلقى نشاط هذه الأحزاب محدوداً  بالمقارنة مع حزب الاتحاد الديمقراطي وحركة المجتمع الديمقراطي المسيطرة على كل شيء سياسياً مذكرتنا الأولى بحزب البعث قائد الدولة والمجتمع والأخرى بالجبهة الوطنية التقدمية ….

هكذا توحي الخارطة السياسية الكردية وبخاصة إذا عرف بأن بعض الأحزاب ليس لها عضو واحد في كل مدينة ديريك وقراها الواسعة .

واجمالاً يتواجد كل الأحزاب الكردية فيها ” حزب PYD وحزب الديمقراطي الكردستاني سوريا وحزب الديمقراطي التقدمي وحزب البارتي وحزب الوحدة والوفاق واليساري بكل تلاوينه ”

معظم الأحزاب الموجودة في ديريك غير فعالة ولكن نستطيع القول بأن بعض الأحزاب الكبيرة متواجدة في ديريك ولكن ينحصر نشاطها في المناسبات فقط أما PYD فهي كخلية نحل تتحرك بكل قوة وفي كل الاتجاهات.

ولكن تواجد بعض الأحزاب الكردية تقوم على الاعتماد أو على علاقاتها مع الأحزاب الكردستانية كالحزب الديمقراطي الكردستاني سوريا ” الذي يتزعمه سعود الملا”، و يعتبر كجزء من الديمقراطي  الكردستاني  في العراق الذي يتزعمه الرئيس مسعود البرزاني لذلك يتمتع بشعبية كبيرة في الوسط الشعبي وحتى إن لم يكونوا انصاره منظمين في أطر الهيئات  الحزبية وهو حزب مؤتلف مع الأحزاب الكردية الأخرى ضمن المجلس الوطني الكردي .

الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يتزعمه ” عبد الحميد درويش ” يتواجد بقوة  في المدينة من حيث عدد الأعضاء  والذي تربطه علاقات قوية  مع حزب الرئيسي العراقي السابق جلال الطالباني يتواجد أعضائه بقوة في ديريك المدينة والقرى المحيطة  وبخاصة في منطقة الكوجرات ،وهم أكثر تنظيماً .

اما بقية التنظيمات والأحزاب الكردية فتواجدها يتراوح مابين متوسطة وصغيرة الحجم إلى حد انحسار بعضها في عدد محدود من الأشخاص.

“سيمالكا” من معبر انساني لتجاذبات السياسة

تاجر محلي يقول إن إغلاق المعبر تسبب في أزمة اقتصادية في المنطقة كون أغلب المواد كانت تأتي من اقليم كردستان وساهم انخفاض سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية إضافة لإغلاق المعبر في الازمة الاقتصادية “

وكان الاداري سيامند عثمان وهو تابع للإدارة الذاتية صرح عند اغلاق المعبر لوكالة هاوار أن أهالي روج آفا يُأمنون مستلزمات الحياة اليومية من خلال معبر سيمالكا، وأضافَ “هذا القرار مُجحف وغير عادل، الحزب الديمقراطي يستغل المعبر لتحقيق مكاسب سياسية، ولذلك يقررُ فتح وإغلاق المعبر متى يشاء، من خلال هذا المعبر يُأمن أهالي روج آفا مستلزمات الحياة الضرورية رغم حالات الاستغلال وفرض الضرائب على التجار من قبل سلطات الإقليم”.

كما أشارَ إلى أن سلطات الحزب الديمقراطي الكردستاني تحتجز منذ 8 أشهر آليات تم شرائها من أجل استعمالها في مساعي إعادة  إعمار كوباني .

وكان  قد عزا عثمان ” أسباب إغلاق المعبر إلى سياسة الحزب الديمقراطي الكردستاني المعادية لثورة روج آفا، خاصة إنه جاء بالتزامن مع انعقاد الاجتماع التأسيسي لنظام الإدارة في روج آفا وشمال سورية”.

بينما تحمل أحزاب المجلس والحزب الديمقراطي الكردستاني مسؤولية اغلاق المعبر للإدارة الذاتية الديمقراطية ” بأن الادارة تقوم باستغلال فتح المعبر لمأرب سياسية، بعيدة عن الحالة الانسانية وضروريات الحياة اليومية ” .

مؤكدين في الوقت نفسه بأن من قام بفتح المعبر هو رئيس اقليم كردستان السيد مسعود البرزاني وكانت بهدف مساعدة أبناء الشعب الكردي في سوريا ولم يفرق وقتها بين الأحزاب الكردية وبما فيها PYD

وكانت حكومة الاقليم قد فتحت المعبر بعد هذا الاغلاق دام قارة الثلاثة أشهر بشرط أن يكون لأغراض انسانية وغذائية وطالبت الادارة الذاتية بضرورة عدم فرض أي ضرائب على تلك البضائع بغرض مساعدة أبناء الشعب الكردي ” بحسب مسؤول ملف أكراد سوريا في حكومة اقليم كردستان عبد الحميد دربندي “.

الجسر الروماني

الجسر الروماني أو كما يسميها الكُرد (برا بافت ) وهي بالقرب  من قرية عين ديوار التي  تطل على مدينة “جزيرة بوطان وتبعد عن مركز مدينة ديريك 15 كم  ويعود بناء الجسر إلى عام 1164 م بناه الأمير جمال الدين أمير جزيرة بوطان (أبن عمر)  أواخر العهد العباسي عندما كانت مياه دجلة تغطي مساحات واسعة من الأراضي ولم يكن العبور ممكنا إلى الجزيرة إلإ عن طريق ذلك الجسر وكان مؤلفاً من ثلاث قناطر الأولى ارتفاعها 16م وعرضها 11م والثانية بعرض 22م والثالثة بعرض 66م  أما الآن فواحدة فقط  تقف شامخاً  تلوح لك من بعيد  وكانه عروس في وسط ذلك السهل المتصل بنهر دجلة ، تزينها أحجار  على شكل الأبراج الأثني عشر التي تدل على أشهر السنة .

وتعتبر عين ديوار منطقة سياحية يتقصدها غالبية أهل الجزيرة في فصل الربيع والصيف .

كنائس تعانق الجوامع والتسامح سمة للمدينة

ديريك من أكثر مدن المنطقة توجد فيها الكنائس ففيها ستُ كنائس وثماني جوامع أي يتقارب عدد الجوامع مع الكنائس يتداخل في بعض الأحياء الكردي المسلمين مع المسيحيين بكل طوائفهم، يقول حنا: إننا نعيش كأبناء مدينة واحدة لا فرق بيننا نزور بعضنا البعض في الأعياد والمناسبات تتقارب اللغة أحياناً لتأخذ لهجة محلية في منطقتنا لا هي عربية خالصة ولا كردية خالصة، أبناء المدينة يتكلمون بها بلكنة محلية لا يتقنها إلا أبناء ديريك.

في إحدى الجلسات العتاب ” عاتب الكردي المسلم صديقه بولص على ما اذكر لعدم قيامه برد الزيارة مع تعدد الوعود بها ” هكذا بدت لي ديريك بأنها لم تتأثر لحد الآن بالشحن الطائفي الذي بات يغطي مساحات كبيرة من سوريا.

ومن الكنائس (هناك 12 كنيسة في المنطقة 8 منها في المدينة و4 في الأرياف، وهذه الكنائس قديمة جدا وخاصة كنيسة السيدة العذراء والتي تعود إلى القرن الرابع ميلادي وتسمى كنسية الزيت نسبة إلى الزيت الذي كان يخرج من احد جدرانها والذي كان يتبارك به الناس. مع العلم أن هناك ما يقارب 21 كنسية موزعة في أرجاء المنطقة لم يبق سوى آثارها.كنيسة مارت شموني  بنيت 1932  وكنيسة مريم العذراء إيعود تاريخ  بنائها بحسب البعض  1600 ميلادية ضافة إلى كنائس أخرى ) .

حادثة فقط عكرة صفوة التسامح يوماً وهي مقتل الشاب جوان أحمد على يد مجموعة من الشباب المسيحيين نتيجة لمشاجرة جماعية وقعت بالقرب من الحي السرياني بالقرب من كنيستي السريان والأرمن بتاريخ 3/4/2007وعلى إثرها قامت احتجاجات من قبل الكرد ، وتدخلت حكومة النظام حينها، واعتقلت أكثر من 25 شخص من الطرفين  ونتيجة تدخل الأحزاب الكردية ورجال الدين المسيحيين والأكراد تم تطويق الحادثة ليعود الوئام إلى سابق عهده .

يقول البعض بأن الوئام في مدينة ديريك يعود بتاريخه إلى العهد الفرنسي الذي حاول اللعب بالورقة الطائفية والقومية وكان لثلاث أشخاص الفضل في عدم الوقوع في ذلك الفخ وهم (نايف مصطفى باشا “رئيس عشائر الكوجرات الكردية ” ودهام الهادي “شيخ مشايخ الشمر” ومثلث الرحمات المطران قرياقس ” والذين رفضوا العرض الفرنسي بتقسيم المنطقة على تلك الاساس ولا زالت علاقات الأجداد تنعكس على الأحفاد.

رحلة العودة لا يمكن إلا أن تحمل محبة الناس والكلمات التي يتكلم بها أهالي ديريك تأسرك واللهجة ” المميزة بها سواء أكانت كردية أو مسيحية ” هي سلسة على المسامع، كما مناظرها التي تخفي تاريخاً من الآلم والاهمال المتعمد على مرّ الحكومات التي حاولت استغلال البشر والحجرة وعصرهما  ليكون مطواعاً في أيدي الدكتاتوريات ولكن دون أقدوى لأن إرادة الشعوب أقوى وأسمى منها .

اقرأ:

حسن برو: مشاعر سورية في رأس السنة الميلادية





Tags: مميز