Archived: مصعب الحمادي: ثوار أم مرتزقة حرب؟

مصعب الحمادي : كلنا شركاء

عانينا طويلاً من ظاهرة الارتزاق في المعارضة السياسية التي تجلّت بزمرة من العملاء وتافهي الأحلام ممن استثمروا بدماء السوريين وآلامهم من أجل تحصيل مكاسب أنانية بحتة. ونشهد اليوم انتقال ظاهرة الارتزاق إلى الثوار والعمل المسلح مفرغةً هذا العمل من كل مضمون نبيل، ومحوّلةً الثوار في نظر العالم من مقاتلين من أجل الحرية إلى مجرد مرتزقة حرب يقدمون خدماتهم القتالية لمن يشتريها.

ليس خافياً على أحد اليوم أن هناك الكثير من الأطراف المهتمة باستمرار حالة الاقتتال والاستنزاف في سوريا. فالاقتتال لأجل الاقتتال فقط مطلوبٌ اليوم في بلادنا لضمان استمرار الخراب فيها اجتماعياً، وأخلاقياً، وعمرانيا، وحضارياً.

إنه لأمر طبيعي أن تسعى الدول المختلفة لتحقيق مصالحها في سوريا، حتى وإن كانت هذه المصالح غير أخلاقية. فهناك من يرى مثلاً أن روسيا ترغب باستمرار الحرب لتجريب أسلحة ومعدات جديدة. كما أنه ليس سراً أن الولايات المتحدة الأمريكية هي البلد الأكثر حرصاً على استمرار الحرب السورية لما فيه خدمةً لحليفتها إسرائيل، وتحقيقاً لمشروعها المتمثل في خلق كيان كردي مصطنع معادي للجوار في شمال سوريا يكون مخرزاً في يدها تستخدمه متى شاءت لنكئ صراعات المنطقة وتناقضاتها.

وهكذا فأمام تزايد الطلب الدولي عموماً، والأمريكي تحديداً على مسببات الصراع والاقتتال في سوريا تكثر العروض إياها من مجموعات سورية مقاتلة رأت في تزايد الطلب هذا فرصة لتطرح خدماتها القتالية على الدول مستدرّةً الدرهم والدولار لأجل ذلك، حتى وإن أسقطت من حساباتها قتال نظام الأسد، وتناست آلام الشعب بالكامل، وتوجهت نحو غايات حددتها هذه الدولة أو تلك تحت عناوين مضحكة أحياناً ومثيرة للغثيان أحياناً أخرى.

فقد أُعلن قبل يومين مثلاً عن تأسيس “الجيش السوري الجديد” لقتال داعش، واتخذ هذا الجيش علماً جديداً له هو نفسه علم الجيش الحر وإنما بالمقلوب، حيث تم تبديل اللونين الأخضر والأسود ليصبح الأسود هو الجزء الأعلى من العلم بينما يكون الأخضر في الأسفل. وأعلن متحدث باسم هذا الجيش أن هدفه هو تحرير شرق سوريا دون غيرها من المناطق، مسقطاً على نحوٍ ضمني وحدة سوريا وفكرة الثورة التي اندلعت في وجه طاغية دمشق. وفاحت قويةً من فيديو إعلان التأسيس رائحة الدولار من خلال الأسلحة الأمريكية التي ظهرت في أيادي المقاتلين.

قبل هذا الإعلان بأيام قليلة كان قد أُعلن في شمال سوريا عن تأسيس “قوات سوريا الديمقراطية”! وهي حفنة من العصابات وقطاع الطرق الذين لا يمتّون لا لسوريا ولا للديمقراطية بشيء، ولا تتعدى علاقتهم بسوريا حقيقة أنهم يرتزقون على أشلاء السوريين، ويزدهرون بشرب دمائهم من خلال إنالة قوى دولية معينة مرادها في تدمير بلادنا وتحطيم ما بقي من معاني ثورتنا.

ظاهرة مرتزقة الحرب كانت قد بدأت مبكراً في سوريا قبل سنتين تقريباً من خلال تأسيس مجموعة أصدقاء سوريا لغرف سرّية للدعم العسكري عرفت باسم (الموك) والتي ساندت فصائل وطنية نزيهة في الجيش الحر، وساعدتها على الثبات في الميدان سواء في وجه النظام أم في وجه التنظيمات التكفيرية البغيضة. لكن هذا الثبات للفصائل الوطنية كان مجرد منتج ثانوي لغرف (الموك) وليس الهدف الرئيسي منها. فالهدف كما ظهر لاحقاً بشكلٍ جليّ كان رعاية ظاهرة أمراء الحرب من خلال إغراق القادة بالمال والأعطيات التي تدفعهم مع الوقت وأمام مغريات ثرواتهم الناشئة للاستقرار خارج البلاد بعيداً عن جبهات القتال، حيث يخلدون لدعة العيش هناك، ويكتفون بإدارة عناصرهم بالتحكم عن بعد عبر شريانٍ من الدولارات التي تتدفق على شكل رواتب تافهة تصب على شكل فتاتٍ في جيوب المقاتلين الذين أفقرتهم الحرب هم وعائلاتهم.  

كما رعت (الموك) ظاهرة العمالة الواضحة والمباشرة من ضباط ومقاتلين سيئي السيرة أصلاً وجدت بهم القوى العالمية مطيةً لتحقيق مراقبة دائمة ووثيقة لفصائل الثوار بحيث تبقى تحت السيطرة، ولا تنمو لتصبح أي شيء أكثر من ميليشيات متفرقة أبعد ما تكون عن الانتظام على شكل قوة وطنية موحدة. وهكذا سارع الكثير من المجرمين، والمهرّبين، وتجار المخدرات لتشكيل جماعات مسلحة والسعي للانضمام ل(الموك). وقد نجح الكثير منهم في ذلك وتم الترحيب بهم في بيت الزنا هذا الذي لم يقام أصلاً إلا لمثل هؤلاء. فهنا عالم الوشاية والمكائد والفتن، حيث تغري الدول سفهاء القوم بالشرفاء منهم ، وتبقي الثورة ألعوبةً في أياديها.

وهنا يحق للمراقب أن يتساءل: بعد كل هذه الدماء التي سالت هل ينظر الثوار في أمر قادتهم ويتأملون في حقيقتهم وهوياتهم؟ ألم يغدو واضحاً – ولو بالحدّ الأدنى – أن كل القوى الإقليمية والدولية، الصديقة منها والعدوة، عملت وما تزال تعمل بمساعدة بعض القادة لأن يبقى السوريون يذبحون بعضهم البعض تحت أي مسمّى كان؟ ألم يصبح مفهوماً لثوار سوريا أن المذبحة السورية تحقق النفع لكل دول العالم ما عدا دولةٍ اسمها سوريا؟ وأن الكثير من قادة التشكيلات والمجموعات يستحقون التثبت والتمحيص بل المحاكمة والإعدام؟

لابد للثوار من تمييز الغثّ من السمين والدفع نحو إغلاق (خمارات الفجور المسلح) و(بيوت الدعارة/القتال) التي أسسها هذا اللص أو ذاك القواد. ولا أعتقد أن ثوار سوريا قد أُعدموا كل حس وطني وأخلاقي حتى لا يقفوا مع أنفسهم بصدق، ومع قادتهم برجولة ليسألوا: هل نحن ثوار أم مرتزقة حروب؟





Tags: مميز