Archived: د.محمد حسن كيوان :لأن مارك زوكربرغ يعرف سر بشّار الأسد

د. محمد حسن كيوان : كلنا شركاء

بعد الهجمة الشرسة التي قام بها طيران النظام السوري و حلفاؤه الروس على أحياء حلب التي تسيطر عليها المعارضة، قامت بعض الصفحات العربية الشبابية على موقع التواصل الاجتماعي بتنظيم حملات لتبديل صور البروفايل إلى الأحمر و ارتفعت أصوات تحتج على موقع فيس بوك و على مؤسسه مارك زوكربرغ  لأنه لم يتح خياراً اوتوماتيكياً لتغيير الصورة تضامنا مع حلب كما فعل إبان الهجمات الإرهابية في باريس في نوفمبر.  و قد انتشرت بين أوساط السوريين موجة انتقادات مماثلة موجهة إلى بعض المدن التي أضاءت ابنيتها تضامناً مع باريس في نوفمبر الماضي و نسيت موضوع حلب.

و نقص التضامن هذا لا يقتصر على المجتمعات الأوربية فقط، بل ينتشر الأمر إلى المجتمعات العربية التي تناست موضوع حلب. و الأسوأ من ذلك، أن بعض الصفحات العربية، و خاصة في المغرب العربي، استغلت الوضع للتسويق من جديد لموقف بشار الأسد و “جيشه النظامي الذي يمثل الدولة الشرعية و الذي يقوم بواجبه باستعادة حلب من أيدي المسلحين”.

و سبب هذا التعامل المشين مع مأساة بحجم المأساة السورية هو نفس السر الذي يجعل العالم يتغاضى عن بشار الأسد.
مارك زوكربرغ و الملايين غيره من العرب و غير العرب يعرفون هذا السر المعلن جيداً.  فجوهر الموضوع أن بشار الأسد هو مختص، و على أعلى المستويات، بقتل السوريين فقط و بدقة عالية منقطعة النظير.

لنكن واقعيين، اذا جلست في نهاية الاسبوع في مقهى في مدينة استرالية  كبيرة أو مدينة  إنكليزية مثلاً، فإن احتمال أن تستهدف بعمل ارهابي داعشي هو احتمال ضئيل و لكنه موجود و الدليل على ذلك هو عملية باريس نفسها الذي راح ضحيتها العشرات من زوار المقاهي في ذلك الويك إند الدامي  و هذا أمر كاف ليبعث مشاعر الخوف و التضامن المتبادل بين كل المجتمعات التي يحتمل أن يستهدفها داعش  و إن كان التضامن متفاوتاً بحسب غنى  المجتمع المستهدف و طبيعة الهجمات فالهجمات الإرهابية في بروكسل تحظى بتعاطف أكبر بكثير من مثيلاتها في كينيا مثلاً و خبر سقوط الطائرة المصرية يحظى بتغطية إعلامية أطول بكثير مما قد تحظى به هجمات في دمشق او جبلة أو العراق.

  أما في حالة بشار الأسد،  فإذا لم تكن سورياً، فيمكنك أن تحتسي فنجان قهوتك بكل هدوء سواء كنت في مقهى في  سيدني أو في الرباط أو حتى في تل أبيب و أنت متأكد كل التأكد أن هذا الرجل  عالي الاختصاص والحرفية لن يقوم بأقل عمل يؤذيك.

وللتأكد، ما عليك إلا أن تتفحص أعداد و انتماءات ضحايا الطرفين (بشّار و داعش) لتجد أن داعش قد قتلت آلاف مؤلفة من السوريين والعراقيين و لكنها قتلت أيضاً مواطنين من أميركا و بريطانيا و فرنسا و غيرها من الدول العربية و الاجنبية.  أما بشار فقد ركز كامل قواه على قتل السوريين حتى أودى بحياة مئات الآلاف منهم. صحيح أن أعماله قد أودت بحياة بعض المواطنين من الدول المجاورة أو حتى بعض الاوروبيين مثل الطبيب  البريطاني الشهير عباس خان، إلا أن هذه الآثار الجانبية الضئيلة يمكن تناسيها أمام درجة الدقة العالية التي يتمتع بها بشار.

هذا هو السر الذي يفسر نقص “التعاطف” الذي يبديه الناس مع الحالة السورية. فعندما يتضامن شخص مع آخر، غالباً ما يكون مرد ذلك إلى كون الشخص المتعاطف يتشابه مع الشخص الآخر أو عاش تجربة مشابهة. و على سبيل المثال، يمكن فهم الموقف التركي الحاد من الانقلاب في مصر و من ما وقع للرئيس مرسي و أنصاره، على أنه ناتج عن المعاناة التاريخية التي عاشتها الأحزاب الإسلامية في تركيا مع عسكرها الذين انقلبوا على الحكم عدة مرات و سجنوا رؤساء و أعدموا رئيس وزراء.

و في العالم العربي اليوم تجد أنه كلما ابتعدت عن سوريا أكثر، قل فهم المواطنين للأزمة السورية و أصبحت قراءتهم للأزمة السورية لا تعدو عن كونها محاولة لتركيب و رؤية الأزمة السورية بدلالة مشاكلهم في بلدانهم.
ففي المغرب تجد أن نظام الأسد يحظى بتأييد لا يستهان به في بعض الأوساط “المثقفة” المغربية. و بالطبع لا ينبع هذا التضامن من دوافع طائفية أو مذهبية بل ينتج من السياق السياسي الذي تعيشه البلاد و لا سيما عودة مسألة الصحراء الغربية إلى الواجهة فيسهل على المغاربة قراءة الأزمة السورية بدلالة الموقف السياسي في المغرب و الصحراء الغربية.  فيبدو استهداف النظام لمدينة حلب “حملة شرعية” يقوم بها الجيش النظامي لبسط سيطرته على كامل البلاد و استعادة “الوحدة الترابية” (و هذا المصطلح ذو شعبية كبيرة في المغرب) السورية و  يصبح “الجيش الحر” و فصائل المعارضة الأخرى أشبه بالبوليساريو التي كان الملك الحسن الثاني يصف عناصرها بـ”المهربين” و يصبح الدعم الإقليمي السعودي التركي للمعارضة أشبه بالدعم الذي قدمته الجزائر للبوليساريو على مدى أربعة عقود. أما الكلام عن معاناة اللاجئين السوريين في دول الجوار، فهو محض تضخيم إعلامي أشبه بالتغطية الإعلامية الأوروبية لمعاناة اللجوء في مخيمات “تندوف” في الجزائر و التي  يراها المغرب على أنها حملات إعلامية مغرضة موجهة ضده تستغل قضايا حقوق الانسان. هكذا، يعتنق بعض المثقفون المغاربة أكثر مذاهب الواقعية السياسية تطرفاً فتختزل النظرة إلى الأزمة السورية إلى قضية سيادة خارجية External sovereignty   تقوم بانتهاكها الدول الحليفة للمعارضة و يصبح كل ما يقوم به نظام بشار مبرراً لأنه نظام رسمي معترف به في الأمم المتحدة. 

و في الجزائر التي تعيش حالة حرجة بسبب الوضع الصحي الصعب الذي يعاني منه الرئيس بوتفليقة و بسبب غموض مستقبل البلاد بعده، ينزع الكثير من الجزائريون، الحريصون على حالة الهدوء الحذر التي تعيشها البلاد منذ انتهاء العشرية السوداء،  إلى مقاربة الأزمة السورية بمنطق “الفتنة” التي لعن الله من أيقظها. كما تعتبر بعض الدوائر الدينية في الجزائر، الثورة على بشار “خروجاً على الحاكم” فيبدو السوريون من هناك شعباً ساذجاً انساق وراء دعايات الفتنة المغرضة فأحرق بلاده بيديه.

أما في تونس، فإن التوتر الذي تعاني منه البلاد  بين أحزاب اسلامية و غير اسلامية، يجعل بعض من المثقفين التوانسة ينظرون إلى سوريا كبيئة اختبار لتداعيات العنف الذي قد يقوم به الإسلام السياسي . و للتحذير من مصير مماثل في تونس، غالباً ما تختزل الأزمة السورية إلى  صورة مبسطة فيها دولة “علمانية” تحارب “دواعش” متطرفين. لذلك، لا يتورع بعض هؤلاء المثقفين على لوم الشعب السوري “المتطرف” الذي اختار، وفقاً لما يقولون، “التحالف مع الدواعش” متناسين أن  بلادهم هي أكبر مورد عربي للدواعش إلى سوريا.

و تؤدي الحالات الثلاث المذكورة أعلاه إلى نفس النتيجة  و هي  إتهام الشعب السوري بدلاً من التضامن معه و التشكيك بقضاياه بدلاً من دعمها. وتكوّن رأي عام في تلك البلدان يناصر نظام بشّار الأسد بشكل مباشر أو غير مباشر. يعترف الكثيرون من أصحاب هذا الرأي أن نظام الأسد فاسد و ظالم و قاتل، و لكن هذا لا يمنعهم من تحميل الشعب السوري مسؤولية دمار البلد بسبب خياراته الخاطئة و تحالفه المزعوم مع داعش.

و بالمحصلة، يفترض أصحاب هذه النظرية أن الشعب السوري محشور في وضع صعب يتحتم فيه الاختيار بين “الشيطان و البحر الازرق العميق” كما يقول المثل الإنكليزي الشهير. و لكنهم يعتبرون أن الشعب أخطأ إذ اختار الغرق في بحر داعش  (لأن كل عمل معارض لا بد أن يصب بمصلحة داعش كما يرون)  بدلاً من الشيطان “المختص” الذي تعود عليه الجميع و تعودت على صور قصفه صفحات فيس بوك مارك زوكربرغ.





Tags: مميز