Archived: علي الأمين السويد: رقص الثورة على أنغام النظام

علي الأمين السويد: كلنا شركاء

منذ اليوم الأول للثورة السورية، صدرت عدة  تصريحات تنم عن ثقة مطلقة بالانتصار من قبل النظام. و قد دلَّلَ على ذلك في أكثر من مناسبة بالقول أنه احتاج ثلاث سنوات من الصمود في وجه الاخوان المسلمين في القرن الماضي، ثم  انتصر في النهاية. وهو، ولمواجهة هذه المؤامرة الكونية “حسب تعبير النظام،” فإنه لا بأس بالانتظار عشر سنوات عجاف ليحقق النصر في النهاية، وكل ذلك على مبدأ “اللي في بيت أهله، على مهله.”

و من الواقع التقييمي لأحداث الثورة السورية بشكل عام، يتوجب علينا طرح السؤالين التاليين:

1-هل فعلاً يسير النظام وفق  خطة لمقاومة و ممانعة الثورة الشعبية تعتمد النفس الطويل؟

2-هل هناك اية بوادر تشير إلى نجاحه، أو سقوطه بعد دخولنا في السنة السادسة للثورة؟

استراتيجية النظام في الصمود

إن من علامات الانتصار جعل عدوك يقاتلك بالطريقة التي تفرضها أنت، وبذلك ما تلبث ضرباته أن تصبح السبب الذي يقويك. فكيف إن استخدمت، بالاضافة الى ذلك، تقنية توفير الطاقة لابعد الحدود، وجعلت خصمك يستنفذ كل مالديه، و بطرق انت فرضتها عليه؟ لكم أن تتخيلوا النتائج يا سادة.

فمن المؤكد أن قراءة النظام لواقع الثورة في سورية في بدايتها كانت صحيحة، فعلم بأنها كسبت العالم كله إلا حلفاءه، كروسيا، و إيران، و بعض أنظمة الدول العربية المهترئة. فكان  لزاماً على النظام شد الأحزمة، و تنفيذ التدريبات السابقة كلها، و الاستفادة من كل خبراته في فن البقاء، و الاستحواذ على الكرسي و قوائمه مغروسة في “ظهر” الشعب.

و لتفحص استراتيجية النظام في المقاومة و الممانعة للثورة الشعبية، نستذكر معاً استراتيجية صدام حسين العسكرية في مواجهة الغزو الأمريكي للعراق، حين قام بتحصين المدن الرئيسية بكامل قواته، و ترك المساحات الفارغة، و المدن، الصغيرة، و القرى بدون حماية تستحق الذكر.

و من المؤكد أن الجميع يذكر أيضاً، أن قوات التحالف لم تهاجم مدن أطراف العراق، بل توجهت مباشرة الى العاصمة حيث دخلتها و اسقطت نظام صدام حسين.  و لست في وارد تحليل تلك المعارك.

و لكن “نظرياً” كانت خطط صدام حسين في مواجهة الغزو الامريكي “ذكية”، إلا أن الفرق الهائل بين قوة جيوش التحالف بقيادة أمريكا، و بين الجيش العراقي يجعل من أي خطة مهما كانت ذكية، غاية في الغباء.

و في سورية، و لمواجهة زحف الثورة بقيادة الجيش الحر خلال  الاشهر الاولى، اتبع بشار الأسد ذات التكتيك الذي اتبعه صدام حسين في مواجهة قوات التحالف، مع فارق أن نسبة قوة قواته الهائلة الى قوة الجيش الحر كانت، و مازالت  ذات نسبة قوة جيش التحالف الى قوة جيش صدام.

فتمترس في المدن الرئيسية، و حصنَّها، و تفرغ لملاعبة تشكيلات الثورة عسكرياً في المناطق التي تعتبر قيمتها الاستراتيجية “صفراً”  بالنسبة له. و بإمكان أي مراقب أن يلاحظ عمليات القتال أصبحت على نموذج “الشد و الرخي” فما إن توصف منطقة ما على بعد مئات الكيلومترات من دمشق  بأنها صديق، حتى تعلن بعد قليل عدو، ساعة صديق، و ساعة عدو …  “صديق -ــ عدو ـ صديق ــ عدو ــ صديق ــ ….”

و الانكى من ذلك هو الجدوى الصفرية لهكذا عمليات ، إن لم نقل الخسارة في كل الحالات.

فمثلا منطقة “س” من ريف حلب حررها الثوار عدة مرات من النظام. في كل مرة يأخذها النظام يقتل من المعارضة عشرة أو أكثر، و عندما تحررها المعارضة  يُقتل منها عشرة أو أكثر. “زي المنشار طالع واكل، نازل واكل.”

فالمهم بالنسبة للنظام، حقيقة، هو هذا الصيد الوفير من القتل، فسقوط عشرون مقاوماً يعني آلاماً جديدة للشعب الثائر ضده. بينما ليست لديه مشكلة إطلاقاً أن يسقط من جانبه ضعف هذا العدد، لانهم أيضاً ألاماً جديدة للشعب السوري الاسير لديه، وهم في النهاية ليسوا أبناءه ولا يمثلون له سوى بيادق تحميه هو ، لذلك من المهم أن تدافع عنه حتى آخر قطرة دم، أو يقتلها هو بيده.

و هكذا شدّ النظام أحزمته، و تمترس في معاقله، وتفرغ لادارة الثورة و جعلها ترقص على أنغامه هو و بالطريقة التي تعجبه.

فإعلامياً، عمل على هندسة وإدخال مصطلحات تشويهية للثورة، و فزاعات مثل كون الثوار عملاء لأمريكا، و اسرائيل، و لحكام الخليج، و دعاة لجهاد النكاح، و أكلة للحوم البشر، و ثوار فنادق، ورافعي شعارات عنصرية، و طائفية مقيتة مثل “العلوي ع التابوت، و المسيحي ع بيروت.” و ناهيك عن الارهاب، ما زال في جعبته الكثير.

و تفرغ  سياسياً لإدخال داعش، و القاعدة الى المشهد السوري،  و أوجد لهما موطئ قدم في الرقة، و إدلب، و اوكل لهما مهمة القضاء على الجيش الحر، و صبغ المنطقة بالارهاب، و إرهاب اوروبا و العالم، وجرَّ أنصار الثورة الدوليين من بين أيدينا جراً إلى صفّه، وهذا الجذب و الاستقطاب  مازال يحدث الآن.

وبعجالة  نجد أن النظام، فعلياً، قد أعاد تشكيل نفسه، و هيكلها عدة مرات، و تخلص من مواضع الامراض، و من الافات المحتملة، و هو مازال مرتاحاً في المناطق التي يسيطر عليها فعليا، أو للدقة في المناطق التي تعتبر حساسة جدا  بالنسبة له.

بينما لا توجد علة مفرقة في العالم إلا ونمت و ترعرعرت في المناطق التي تخلى النظام عن الوجود فيها. و سأعدد بعض هذه العلل:

  1. انتشار داعش في مناطق مختلفة، هذه بجهود النظام.
  2. انتشار القاعدة في المناطق التي لا تنتشر فيها داعش و محاربتها لكل أعداء النظام. وهذه بجود النظام و تخطيطه.
  3. انتهاج الفصائل التي ترفع شعارات “اسلامية” نهجاً رمادياً متذبذباً بين الثورة و بين أهداف القاعدة.
  4. الحرب على الجيش الحر من قبل الروس، و النظام، و الايرانيين، و حزب الله من جهة، و من قبل الدول الداعمة التي تريد منه تخفيض سقف مطالبه لتمكين الاسد من خدمتهم في القضاء على الارهاب الذي أوجده هو.
  5. تهجير السوريين الى شتى اصقاع العالم
  6. هدم منازل السوريين
  7. محاولة تدمير شعور الحاضنة الشعبية بالثقة بأي هدف من اهداف الثورة.
  8. تسخيف أي اتفاق، أو حل وطني يمكن أن يشكل بديلاً للنظام
  9. افقاد اي قرار تتخذه قيادة المعارضة من محتواه باثبات عجزها عن تنفيذه بسبب وجود القاعدة التي لا تعترف بالمفاوضات، وعدم اعترافها هو نتيجة لتعليمات، و رغبات النظام، و أوامره الصارمة  لقادة التنظم الارهابي.

أما دولياً، فقد استطاع النظام الروسي فرض ارادته  بتفويض أمريكي وفق ترتيبات مازالت تتبلور هدفها النهائي ترك الشعب السوري في مواجهة النظام الروسي ــ الاسدي. و ها هي الدول التي كانت تفرض أجنداتها على كل من يحمل السلاح في سورية دون استثناء، قد حصلت على ما تريد، و بدأت، الواحدة تلو الأخرى،  تدير ظهرها للثورة السورية، و تأخذ معها خطوطها المزركشة.

خمس سنوات مرت، و نحن لا نخرج عن مضمار ” قتل، تهجير، اغاثة، منطقة صديقة اليوم، عدوة غداً، تدمير فصيل جيش حر جديد من قبل القاعدة، مفاوضات عبثية لا معنى لها، قتل، تهجير، اغاثة، ….”

خمس سنوات و نحن نرقص على أنغام النظام، و نقع في المطبات التي صنعها لنا بيديه، و بأيدي بعضنا عن سبق الاصرار ، أو عن الغباء. و إن استمر الرقص على هذه الوتيرة، فستنتهي الحفلة ساعة يشاء ذاك العازف المجرم المسمى النظام.

ما هو المطلوب منا ، كأبناء سورية الرافضين لوجود النظام الاسدي؟

المطلوب بكل بساطة الخروج من هذه المتاهة التي أوقعنا فيها النظام بذكائه و غبائنا، و الرد عليه ثوريا في كل القضايا دفعة واحدة من مثل:

  1. اتخاذ قرار شعبي برفض الارهاب الاسدي بكافة  أشكاله
  2. رفض الارهاب الداعشي و القاعدي و التخلص منه
  3. رفع شعارات وطنية جامعة توكد وحدة الارض و الشعب و المصير
  4. رفع شعار الحرية والدولة المدنية
  5. تركيز العمليات العسكرية ضد النظام في دمشق. فكل متر يأخذ منه في دمشق يجلبه الى الرضوخ كيلومتراً في مجال التفاوض. و لن ننسى أن شعار النظام هو ” لن نعطي الآخرين بالسياسة، الذي لم يأخذوه على الارض.”

أما الاستمرار في الرقص على ذات الموسيقى لا يعني سوى ليلة حمراء في نهاية المطاف لن نكون فيها الطرف السعيد لا سمح الله، وبذلك يكون السطر الاخير من هذه المقالة الاجابة على السؤال الثاني أعلاه.





Tags: مميز