Archived: نجيب جورج عوض: إسرائيل والمأساة السورية.. لعبة الحسابات الدقيقة

نجيب جورج عوض: كلنا شركاء

لا يبدو لي أن المراقبون العرب للمأساة السورية يصرفون وقتاً وانتباهاً للدور والموقف الإسرائيليين من المذبحة السورية. مالم نسبر العقل الجيوسياسي للدولة الأكثر تأثير على الرأي العالمي في منطقتنا لا يمكن أن ندرك أبعاد وإرهاصات خيارات الحل في سوريا

منذ بداية الثورة السورية، أرسل النظام الأسدي رسائل علنية وسرية للحكومة الإسرائيلية بأنَّ “صنيعة إسرائيل” ومرشحها الأقوى في العالم العربي يؤول للسقوط. واحدة من تلك الرسائل كانت عبارة قالها رامي مخلوف: “إنَّ أمن النظام في سوريا هو من أمن إسرائيل”. لم يتوقف أحد عند هذه العبارة ولم يعرها أي طرف اهتماماً وقتها سوى الطرف الذي تم إرسال الرسالة له بالذات. وصلت الرسائل للإسرائيلي وجعلته يطرح السؤالين التاليين حيال سوريا: 1) ما هي الضمانات التي تقدمونها لي بأن يكون لصوتي تأثير وازن في صناعة النظام القادم في سوريا، وماهي الضمانات بأن تسمح القوى الإقليمية لي بأن أكون أحد الرعاة للنظام السوري الجديد في حال دفعت معكم باتجاه إسقاط النظام الحالي؟ 2) كيف تضمنون لي بأن لا تتحول سوريا إلى جغرافيا مشطرة ومنقسمة تخلق إمكانية تحول بعض الجيوب الجغرافية (التي ستكون سنية حتماً، بحكم تركيبة سوريا الديمغرافية) إلى مراكز لانطلاق حركات جهادية إسلاموية معادية لوجودي تدعم الجهاد الإسلاموي الفلسطيني الذي أواجهه في الداخل؟

وضع الإسرائيلي السؤالين على طاولة صناع القرار وأصر على أجوبة حاسمة لهما قبل أن يدعم إعطاء الضوء الأخضر للإطاحة بالنظام الأسدي. يخطئ من يعتقد أنَّ الإدارة الأمريكية الحالية لم تصغ لهاذين السؤالين ولم تشكل سياستها العميقة حيال سوريا في ضوءهما. غياب الكيمياء الشخصية بين أوباما ونتنياهو ليست أبداً ما يقرر طبيعة العلاقة الاستراتيجية والتكافلية بين القوتين. كل ما فعله أوباما حيال سوريا يؤكد بأنه لم يجد إجابات مقنعة وحاسمة للسؤالين من أي طرف معني بالمشهد السوري المعارض والثائر، ولهذا لم يقم بأي خطوة حيال سوريا: نجحت إسرائيل بمنع كاميرون وأوباما من القيام بضربة عسكرية ضد نظام الأسد (بعد أن قبضت ثمن هذا المنع جائزة ترضية تسليم الأسلحة الكيماوية)، كما أنها غضت الطرف على حضور حزب الله في ساحة الحرب السورية (بل وتراهن على إنهاكه في الوحل السوري)، وذلك بعد أن تلقت ضمانات من أمريكا نتيجة الاتفاق النووي مع إيران بأن هذا الأخير سيعمل على جعل ذراعها العسكري اللبناني يحذف إسرائيل من لائحة أعدائه الفعليين (وليقل الإعلام ما يقول عكس ذلك) وسيضمن عدم تحول سوريا لقاعدة إنطلاق عمليات جهادية ضدها. كما نجحت بضمان غض الطرف على طلعاتها الجوية الجراحية لتدمير البنية التحتية العسكرية لا للنظام الحالي فقط، بل لأي نظام في المستقبل.

ما يشير إلى عقل إسرائيلي استراتيجي ذكي جداً عمل ويعمل في المشهد السوري لمصلحة النظام ولمحاولة الإبقاء عليه هو مسألتين: المسألة الأولى هي فكرة عسكرة الثورة وأسلمتها ودفعها للتحول إلى جهاديات تطرفية مرعبة. اقترح الإسرائيلي خلق تلك الكيانات، أو على الأقل السماح بوجودها وانتشارها، على النظام في دمشق. فالإسرائيلي في المنطقة يتبع نفس الاستراتيجية في تعامله مع الفلسطينيين: يشيطن القضية الفلسطينية من خلال السماح للوجه العسكري والإسلاموي والجهادي فيها بالتواجد والتأثير ورفع الصوت بشكل يطغي على الصوت المدني والشعبي والوطني، كيما يقول للعالم أنه يتصارع وجودياً مع شيطان متطرف إرهابي مستطير، لا يهدد إسرائيل فقط، بل ويهدد مصالح الغرب برمته في المنطقة. نفس الاستراتيجية تم اتباعها في سوريا وبعمل منظم من قبل النظام الأسدي والطرف الإيراني. تم تفريغ الثورة السورية من مضمونها السوري المدني والوطني والتعددي من خلال عملية أسلمتها وعسكرتها. واليوم تعمل داعش والنصرة وأمثالهما على إطالة عمر النظام وتمديد عقد عمله على قاعدة تحول السؤال الثاني المذكور في الأعلى في العقل الإسرائيلي إلى سؤال عن: من سيملأ الفراغ الجغرافي الذي ستتركه عملية القضاء الكلي والتام على داعش وأمثالها، في ضوء عجز النظام الواقعي والفعلي عن القيام بذلك؟ أما المسألة الثانية فهي الدفع نحو دخول الروسي إلى المشهد السوري وقيامه بما قام به. بهذه الخطوة تخلصت إسرائيل من الحضور الإيراني القوي على حدودها الشمالية ووضعت الملف السوري في يد حليف استراتيجي قوي لها، كما أنها نجحت بجعل الأمريكي يلعب تلك اللعبة ويعطي الضوء الأخضر للروسي بالدخول. خدم هذا الأمن الإسرائيلي العميق وأعطى لنظامها المدلل في دمشق، في نفس الوقت، أكسجيناً وديمومة نسبية.  

قلتها سابقاً وأعود لقولها هنا: نعم، كان يجب أن تجد المعارضة السورية قنوات تواصل وحوار مع الإسرائيلي حول المشهد السوري. كان يجب أن يحصل ذلك بعيداً عن المزايدة والإيديولوجيا وبمنتهى البراغماتية وبعقل بارد وتفكير استراتيجي مبني على قراءة اللعبة السياسية بطبيعتها القاسية والبشعة أحياناً، ولكن التي لا مفر منها. لم يتورع النظام ولا حليفتيه إيران وروسيا عن التواصل مع الإسرائيلي ومراعاة تصوراته في إدراتهم للصراع السوري. ولا يتورع أبداً كل من الأمريكي والأوروبي بالتواصل مع إسرائيل وسماع رأيها وأخذه بعين الاعتبار وبكل جدية في قراءتهم لمآلات الأمور في المنطقة، بالرغم من أن تلك الأطراف الأخيرة تدعم الثورة (تقول هذا على الأقل) وتدعو لرحيل الأسد. كان على المعارضة السورية وداعميها الأقليميين العرب على الأقل أن يجدوا طريقة للحوار حول المنطق الإسرائيلي وإن كان عبر وسطاء وبشكل غير مباشر. لو نجحوا في أخذ سؤالي الصوت الإسرائيلي بجدبة والإجابة عليهما لربما كان هذا أثر على الموقف الأمريكي ودفع نحو موقف أوروبي أكثر جدية.

أعتقد أن التعويل السياسي والاستراتيجي الوحيد الباقي عند المعارضة لضمان رحيل نظام الأسد فعلياً وحقاً مع نهاية المرحلة الانتقالية هو أن يقوم رعاة الثورة بالانخراط في أسئلة الإسرائيلي وتصوراته. وإلا لن تتمكن سوريا من عبور نفقها المظلم ووصولها إلى إمكانية مستقبل تاريخي لم يعد فيه مكان حقاً للدوغمائيات التي تقسم الوجود إلى “أبيض-ضد-أسود” وإلى “ظالم بالمطلق” و”مظلوم كلياً”.





Tags: مميز