on
Archived: الانشقاق الأول في مجلس الشعب… الشيخ ناصر الحريري يروي لـ (كلنا شركاء) اللحظات الفارقة
إياس العمر: كلنا شركاء
مرت الثورة السورية خلال مسيرتها التي تجاوزت الخمس سنوات بعدة نقاط تحول، ولعل أول تلك النقاط وأهمها انشقاق عدد من المسؤولين عن النظام، وكان الشيخ ناصر الحريري أول أولئك المسؤولين الذين أبوا إلا أن يقفوا في صف الشعب ضد ظالميه، وكان انشقاقه عن مجلس الشعب الأول من نوعه، والذي جاء رداً على مجازر النظام بحق المتظاهرين السلميين.
“كلنا شركاء” التقت مع عضو مجلس الشعب السابق الشيخ ناصر الحريري، ليروي حكاية اللحظات الأولى من عمر الثورة السورية وشرارة انطلاقها في محافظته درعا، وذلك مع اقتراب الذكرى الخامسة لانشقاق أول عضو في مؤسسة مجلس الشعب التابعة للنظام.
في البداية لو تحدثنا عن العوامل التي دفعتك لاتخاذ قرارك في الانشقاق عن نظام؟
لقد هيج سؤالكم في ذاكرتي جملة مؤلمة من الوقائع والأحداث التي شكلت مجتمعة الدافع لاتخاذ القرار الوطني بالاستقالة من مجلس الشعب منذ الأيام الأولى لخروج المظاهرات الاحتجاجية محدودة في درعا.
فحينما أخذت قراري المعلن على قناة الجزيرة بتاريخ (23 نيسان/أبريل) من العام 2011 كنت قد مررت بعوامل ضغط نفسي كبيرة، أولها ذاك الخطاب العاهر الذي ألقاه بشار الأسد في مجلس الشعب بتاريخ (30 آذار/مارس) من عام 2011، وهو من جئت مهرولاً من الإمارات العربية لسماعه بعد أن تلقيت اتصالات هاتفية من سورية تدعوني للعودة لرأب الصدع، إضافة لحديث أبو سليم معي ورسالة مسجلة من رئيس مجلس الشعب تطلب مني قطع الإجازة والالتحاق بالمجلس على الفور لضرورات وطنية.
وكنت أثناء وجودي في الإمارات قد سعيت لإعلان الاستقالة من هناك، وتواصلت مع الجزيرة والعربية وأورينت والبي بي سي ولكن الجميع اعتذر، مما حدا بي لتوسيط رجلي الأعمال هناك الدكتور مصعب قداح وياسر أبو حلاوة، ومعهما مجموعة من الأخوة السوريين، لكنهم لم يفلحوا، حيث كان جواب القنوات لن نجازف فالموقف في سورية ضبابي، وقليل من الاحتجاجات لا تدعونا للاستجابة مقابل التعرض للمساءلة.
وماذا عن خطاب بشار الأسد الأول؟
حقيقة استحق مجلس الشعب في يوم خطاب بشار الأسد أمامه آنذاك اسم مجلس التصفيق، لكثرة ما قاطع الأعضاء قهقهات الأرجوز بالتصفيق له على خشبة مسرح الدمى، ولم يتخلل حديثه أي إلماح للاعتذار أو الشعور بالندم على ما فعلته أجهزته الأمنية، بل كان معلناً للحرب على شعبه، وهذا يؤكد أنه كان مسؤولاً مسؤولية مباشرة عما يحدث، إذ أكدت أيامها وبتاريخ (10 نيسان/أبريل) من العام 2011 للبي بي سي ذلك، وقمت من خلال لقائي به شخصياً التأكيد له أنه غير جاد في إنهاء الأزمة ويصر على حسمها أمنياً.
وكان ثاني الأسباب ما حدث أيضاً في الفترة الواقعة بين الخطاب والاستقالة من خروقات أمنية والتفاف على الحلول من أجهزة الأمن، وهنا أشير إلى أنني قمت بالتواصل مع بعض الأخوة وعلى رأسهم الأستاذ خليل الرفاعي عضو مجلس الشعب، وفي منزله كان لنا اجتماع سري مؤلف من أربعة أشخاص، والحقيقة أنه لم يكن سرياً لأن خليل تلقى اتصالاً أبلغه المتصل أنه يعلم بلقائنا ويأمل منه خيرا، وخلال الاجتماع طلب إلينا الموجودون بتفويض من غيرهم من الشباب تشكيل وفد لمقابلة الرئاسة وفك الحصار الخانق عن درعا، ليتمكن المطلوبون من مغادرة سورية والفرار للمملكة الأردنية الهاشمية، وفعلاً تم تشكيل الوفد والحصول على مطلبنا برفع الحواجز الخانقة لدرعا، وخرج ثلة من الأخوة للأردن كما وحسب الاتفاق سمح للمتظاهرين بممارسة نشاطهم بالتظاهر السلمي دون اعتراض من قبل أجهزة الأمن، وهذا أيضاً نفذ في الجمعة الأولى والثانية بدرعا، ولكنه خرق في ازرع، حيث قام الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين بعيداً عن أنظار الإعلام، والذي كان يركز على درعا المدينة، واستشهد ما يقارب 15 شخصاً بتاريخ (22 نيسان/أبريل) من عام 2011، وتلقيت يومها اتصالاً هاتفياً من سيدة في ازرع، وطلبت النجدة واستغاثت حيث كان ابنها مصاباً والجيش يمنعهم من إسعاف ونقل أي مصاب، فتوجهت من فوري إلى ازرع وأطلق علي عدة طلقات من قبل نقيب يدعى غاندي عمران، وهو المسؤول بشكل مباشر عن المجزرة، قتل فيما بعد ببصر الحرير، وساعتها احتشد عدد كبير من شباب حوران ومئات السيارات قطعت طريق الأوتوستراد نقطة جسر ازرع، حيث حضر إلى مكان تواجدي وزير الدفاع الحالي العماد فهد جاسم الفربج ومعه مجموعه من ضباط القادة، وطلب مني مرافقته إلى القيادة بازرع، فاحتج الحضور وثارت ثائرتهم وطمأنهم أنه لن يعتقلني بل يريد تلبية الطلبات، واستغليت الفرصة وطلبت إسعاف الجرحى الممنوع نقلهم لدرعا ورفع جثث الشهداء وتسليمها لأهاليها، فلبى طلباتي ورفعت الجثث ونقل الجرحى بالسيارات الصحية.
وفي القيادة حاول الجميع إقناعي أن إطلاق النار كان من مسلحين مجهولين والجيش جاء للقبض عليهم وأنه أيضا تعرض لإطلاق النار من قبل المسلحين المزعومين، وفور مغادرتي القيادة تحدث معي مذيع قناة الحوار وتساءل عن القاتل فأبلغته أن القتلة من الدولة ولكن من غير المعروف أنهم من الأمن أو الجيش، فسألني لو ثبت لك أنهم من الجيش ماذا أنت فاعل، فرددت عليه سأعلن استقالتي لتكون مؤشراً دامغاً على أفعال النظام، وليعلم الجميع حقيقة ما يجري في سورية بأن جيش الوطن يقتل أبناء الوطن الموكلين بالحفاظ على حياته وتأمين أمنه.
وماذا جرى معكم بعد المجزرة؟
للحقيقة شعرت بخجل كبير في انتمائي لمؤسسة تنسب للنظام الذي رأسه كان ممثلاً هزلياً في الخطاب لتمييع موقف دموي وتحويله إلى سخرية، وجيشه يقتل أبناء الوطن، وأمنه يجلد الأجساد ويزهق الأرواح، فكانت الاستقالة على الجزيرة بتاريخ (23 نيسان/أبريل) من عام 2011 بعد مجزرة ازرع.
جن جنون النظام حالما بثت إلجزيرة الاستقالة بنشرة أخبار الرابعة عصراً من خلال اتصالهم معي ومحاورتي عن واقع الحدث على الأرض السورية، فانهالت عليّ اتصالات التهديد والوعيد من الأمن والجيش ومسؤولين، واتصل معي عميد مسؤول، ونقل إليّ عبارة قال لي أنها من جميل الحسن (لن نسمح أن تكون جيفارا أو غاندي، فنحن موجودون في كل المفاصل وسنقضي عليك تهميشاً وجوعاً).
كما انهالت الاتصالات من القنوات، وكانت إحداها من إذاعة شام إف إم، إذ اتهمني المذيع بالتآمر مع سعد الحريري وسادته في السعودية حسب قوله، إضافة لمحطة الجزيرة التي ساهمت بالتآمر معهم ورشوتي بثلاثة ملايين لإعلان هذا الموقف لزعزعة شخص الرئيس وهذا سيعرضني لمحكمة ميدانية، وسينفذ بي حكم الإعدام.
كيف انعكس قرار انشقاقك على أسرتك؟
مثل هكذا قرارات هي قرارات مصيرية، وتعبر عن موقف أصحابها بشكل جلي، ولها انعكاساتها السلبية على المحيط والأهل، فهذا النظام يحاسب مجتمعاً بكامله بموقف فرد منه، وقد دفعت ثمناً لموقفي هذا تهجيري وأهلي من الوطن واللجوء للمملكة الأردنية الهاشمية التي فتحت الصدور والأبواب لاستقبال أشقائها السوريين بحفاوة وترحيب، ودمر بيتي لاكما دمرت باقي البيوت، بل بأمر شخصي من بشار الأسد على يد كتيبة مختصة من الحرس الجمهوري بالتعاون مع قيادة الفرقة الخامسة، حيث رافق الكتيبة سيارة نقل مباشر، ليشاهد الحاقد في دمشق منظراً يطرب نفسه المريضة حينما يدمر عمارة الأرض، وهذا كله نقلاً عن السيد العميد زهير الساكت الذي كلفه قائد الفرقة بمرافقة الكتيبة إلى بيتي.
بعد خمسة سنوات على قرارك، هل شعرت بالندم أو بأنك تسرعت باتخاذ القرار؟
لم أشعر يوماً بندمي بمقدار ما شعرته من خيبة أمل حالما وصلت الأردن الشقيق واطلعت على شركات المعارضة السورية التي حولت الثورة الدامية إلى تسمية معارضة، ولقد زاد خيبة أملي موقف المجلس الوطني مني والمتجاهل وصولي الأردن، بل محاربتي الساكنة، ومن بعده الائتلاف بالتعاون مع مكتسبي المواقف للوصول إلى أحلام لن ينالوها لا بحلم يقظة ولا بنومهم، وهؤلاء من أرادوا تحويل الثورة لكنتونات تخدم طموحاتهم العرجاء العمياء، وكلا المجلسين اعتمد أسماءً لتمثيل المعارضة وقوى الثورة بنفس الطريقة التي اعتمد بها حافظ الأسد في سبعينيات القرن الماضي أسماء المجاهدين اللذين صارعوا الاستعمار الفرنسي، وهم ممن لم يشارك يوماً ثوار سورية للتحرير من الاستعمار.
ويؤسفني، لا بل يدمي قلبي، ما وصلنا إليه في أشرف وأطهر وأنقى ثورة بتاريخ البشرية، بتحويلها لمؤسسات خدمية متعددة بتعدد القادة والداعمين لإنشاء شركاتهم المستثمرة للدم السوري، فهناك من يسعى لدولة الخلافة على أرض وطن ليس له بعد طرده من وطنه، وهناك من يسعى لنسف كل شيء موجود بحجة محاربة التخلف الفكري والمجتمعي، ليبني كرسيه على أنقاض قيم المجتمع وأدبياته.
وفي الختام أفول، لست نرجسياً ولا طامعاً بشيء على الإطلاق ورب الكعبة، إلا العودة لسورية، ولكن لا تنكروا على الناس حقوقها وتهضموها، فمن المعيب نسيان مالا يجب نسيانه ليذكره الأجنبي، والتاريخ كتب ولن يفيد الاختباء خلف الإصبع.
اقرأ:
الشيخ ناصر الحريري لـ (كلنا شركاء): روسيا ستحرق كل شيء لصنع نصر يغير معادلة التفاوض
Tags: مميز