Archived: ريما فليحان: مواجهة الاتجار البشر مسؤولية جماعية وليست حكراً على المنظمات النسوية فقط

ريما فليحان: كلنا شركاء

مواجهة الاتجار البشر والمشكلات الاجتماعية مسؤولية جماعية وليست حكراً على المنظمات النسوية فقط

الاتجار بالبشر وما يسمى الرقيق الأبيض، ليست ظاهرة حديثة على منطقتنا، فقد شهدت سوريا مثلاً منذ سنوات طويلة شبكات كانت تختطف وتجبر فتيات قاصرات وطفلات في بعض الاحيان على الانغماس ضمن شبكات دعارة انتشرت في البلاد، كشف البعض منها وبقي البعض الاخر تحت غطاء حماية امني حيث تورطت شخصيات نافذة وامنية في ادارة أو امتلاك الملاهي الليلية التي كانت تشكل ساحة الدعارة التي زجت بها تلك القاصرات دون حسيب او رقيب وكانت كثير منهن لاجئات أيضاً..

الا أن تلك الجريمة النكراء التي تم كشفها في لبنان عن شبكة دعارة ضخمة اختطفت وعذبت فتيات معظمهن سوريات تحمل في طياتها اضافة الى البعد الجرمي بعداً اخر لا ينفصل عن عذابات السوريين المتمثلة في كل انواع الالم والتشرد والقهر التي نتجت عن جرائم النظام وانتهاكاته..

فاستغلال حالة الحرب الدائرة في سوريا وحالة اللجوء والحالة المعيشية القاهرة التي يمر بها الشعب السوري تعبر عن أذى مضاعف يمس ومس كل السوريين والسوريات، فتلك الجريمة القذرة الموجعه تمثل امعانا في تعذيب السوريين وتجريحهم وقتلهم بطرق متعددة كان منها خطف تلك المجموعه من الفتيات وتعذيبهم، بل تمتد ايضا لسخرية بعض وسائل الاعلام السخيفة من ألمهم بعيد اكتشاف تلك الشبكه من المجرمين، وهو ما يستدعي مجموعة من الخطوات الضرورية لملاقاة ما حدث لعل أهمها تأمين حماية ضحايا الشبكة والتأكيد والتوعية الاعلامية حول كونهن ضحايا يحتجن للحماية من المجرمين أولاً ومن نظرة المجتمع وما يترتب عنها ثانياً.

ويلي ذلك التحرك القانوني لتمثيلهن والدفاع عنهم، والادعاء لمحاسبة المجرمين القذرين والقاء القبض على من فر منهم بعد اكتشاف الشبكه كي لا يقوموا بتكرار فعلتهن بحق نساء أخريات أيا كانت جنسيتهن، فالجريمة قذرة وممعنه في الوحشية، بغض النظر عن هوية الفاعلين أو الضحايا.

كما أن المجتمع المدني اللبناني مجتمع ناشط وحي ونأمل أن يكون له دور فاعل في الضغط القانوني والاعلامي والشعبي لمحاسبة الجناة وحماية الضحايا.

تتحمل مفوضية اللاجئين في هذا السياق أيضا مسؤولية تأمين ظروف معيشيه أكثر انسانية للاجئات السوريات في دول الجوار، تلافياً لاستغلال ظرفهن القاسي من قبل الوحوش البشرية القادرة على تحويل مأساتهم الى تجارة مالية مربحة لجيوبهم وشخوصهم المريضة.

تلك الشبكات الاجرامية منتشرة في كل العالم، وواجب كشفها وكشف أساليبها وكيفية استدراجها للفتيات تقع على عاتق الاعلام ومنظمات المجتمع المدني والحكومات وهو أمر قصرت به وسائل اعلامنا العربية منذ زمن طويل واعتبرت الخوض به خرقاً للتابو المفروض في مواضيع حساسة كانت خطاً أحمراً لا يمكن تجاوزها، ويستثنى من ذلك بعض الأعمال الدرامية التي سلطت الضوء على تلك الظاهرة بشكل خجول بعد أن فعل مقص الرقيب فعله في النصوص الأولى المقدمة من الكتاب.

عملت الناشطات الحقوقيات في مجال حقوق النساء على المطالبة بشكل دائم بمكافحة تلك الجرائم بالاضافة لجرائم أخرى لا تقل شناعة عنها مثل تزويج الطفلات وجرائم الشرف وتزويج المغتصبات من المغتصب تحت غطاء قانوني واجتماعي

وكانت النظرة لمثل تلك الاصوات التي تدعو لمواجهة تلك الظواهر نظرة استهجان بل وازدراء في كثير من الاحيان نظرة وقام النظام السوري بمنع السفر لكل الناشطات بحقوق النساء تقريبا عبر أجهزة الامن السوري قبل الثورة بسنوات

وفي هذا السياق فان مواجهة تلك الجرائم والانتهاكات ليست فرض عين على الناشطات النسويات فقط ان جاز التعبير لانه واجب اجتماعي لكل المواطنين واجب اخلاقي وانساني وقانوني للمواطن والحكومات وليس فقط المنظمات النسوية والحقوقية ومحركه يجب أن يكون انسانياً اخلاقياً ووطنياً وليس طائفياً او سياسياً والا فانه سيكون دون معنى حيث سيزول ذلك الاهتمام بزوال الظرف وبالتالي فان تلك الجرائم ستعود للظهور والانتعاش فيما بعد.

يواجه المجتمع السوري بمأساته التي يعيشها تحدياً اضافياً اليوم وغداً و هذا يستدعي من السوريين والسوريات شعوراً أكبر بالمسؤولية والارتباط بالشأن العام لمواجهة مشكلات المجتمع القادمه بعيد تحقيق الانتقال السياسي، لعل أهمها نتائج العنف على الجيل الصاعد وحالة التشرد والفقر والخسارات الكبرى التي حلت بالشعب السوري أينما كان، وهو ما يعني أن اي عملية انتقال سياسي يجب ان تضع ضمن أولوياتها البعد الاجتماعي وكيفية معالجة مشكلات المجتمع الناتجة عن الظرف القاسي الذي مر به الشعب السوري و العنف الذي شهده الجيل الناشئ، وهو ما يجب ان يؤدي لانشاء مؤسسات مهنية متخصصة للعمل في هذا المجال وتهييئ كوادر مختصة، بالاضافة لتهييء نظام شرطة اجتماعي مختلف عن النظام السابق، يعنى بشكل خاص بمثل تلك المشكلات، كما انه يعني أيضا سن قوانين خاصة لمعالجة العنف الاسري بطرق مختلفة ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر بشكل حازم وتهييئ الظروف المناسبة للتنمية، بالاضافة لدور المؤسسات التعليمية التي يجب أن تضع نصب أعينها تحديات من نوع مختلف وهو ما سيرتب تأهيل الكوادر التعليمية القادمة بطرق تختلف عما سبق.

ويأتي دور الاعلام الذي لا يقل أهمية عن كل ما سبق، وهو ما نفتقر اليه الان بحيث يتجاوز الحالة الخبرية للحالة التنموية والتوعوية المطلوبة لمواجهة المشكلات المجتمعية والجرائم القذرة التي حدثت وتحدث وستحدث في المستقبل.

الأسر والأفراد هم الحلقة الأهم ان أدركوا ان الشأن العام شأنهم وهو ما يتجاوز الانتماء المناطقي والطائفي وبالتالي يتشارك المجتمع والدولة بمسؤولية خلق السياج الحامي للحلقات الأضعف في تركيبته لمواجهة تجار البشر والمجرمين والظواهر المجتمعية العنيفة الموجود حالياً والتي ستظهر في المرحلة القادمة .





Tags: مميز