on
Archived: بهنان يامين: ورحل المفكر المعلم جورج طرابيشي
بهنان يامين: كلنا شركاء
كنت دائماً اتهيب هذه اللحظات المؤلمة لفراق من أحببت، ومنهم جورج طرابيشي، الذي ربطتني به صداقة ورفاقية، ولن أكتب عنه كمفكر، وان كان من الصعب فصل الفكر عن شخصية موسوعية كجورج طرابيشي، ساكتب عنه كأنسان.
ان اردنا ان نعرف جورج طرابيشي، فلن نجد أفضل مما عرف هو ذاته، في رده المهذب على الجابري، الذي عيره بانتماءه القسري الى المسيحية، حيث قال: ” انا مسيحي المولد، عربي اللسان، مسلم الثقافة، وقبل كل شيء انسان بانسانية” نعم لقد صدق الطرابيشي في ما قاله، وعاش كانسان ومن أجل الانسان.
عرفته كرفيق لي في حزب العمال الثوري العربي، وبالطبع كنت يافعاً وفي قواعد الحزب، وكان هو قيادياً ومفكراً من مفكري الحزب، وهي مرحلة قصيرة لم تطل كثيرا، ولكنه وضع لمساته الفكرية، هو ورفيقه في الفكر السياسي، ياسين الحافظ والياس مرقص، على فكر الحزب، حيث شكل الثلاثة مفهوماً جديدا للماركسية اللينينية، عرف بالماركسية اللينينية العربية.
اول لقاء معه كان عن طريق صديق مشترك ورفيق لنا هو فؤاد حرب، وبعدها توطدت علاقتنا، لتصل الى الصداقة، ومنها الى الاعجاب الفكري لما كان يكتبه الطرابيشي.
كان جورج انساناً بكل معنى الكلمة، تميز بتواضعه وبساطته، يوماً قلت له ” لماذا يا جورج لا تقدم على الدكتوراة ” فكان جوابه بسيطاً: “ماذا ستقدم لي الدكتوراة، حرف الدال ووراءه نقطة، فانا لن ابحث عن التدريس في الجامعات، ولكن ان لم يتقبلني القراء كجورج طرابيشي، فلن يتقبلوني كحامل شهادة الدكتوراة ” واقنعني بسهولة، وبالفعل فان مجرد توقيع اي كتاب له كافٍ بان يتلقفه الكتاب والباحثون، واقول ذلك من تجربتي كصاحب مكتبة، حيث كانت نؤلفاته تتصدر المكتبة، وتنفذ النسخ المستوردة من كتبه بسرعة فائقة.
كان متحدثاً ممتازاً، يستطيع ان يتكلم لساعات طويلة، ولم يكن يمل او يملل المستمع اليه، ولقد كان غزير المعلومات، لا يبخل عليها لاحد، ومن هنا اعتبرته موسوعة متنقلة، تنقل المعرفة الى طالبيها.
مارس كل انواع الكتابات، وبعمر مبكر جداً، حيث كان اول كتبه هو ” سارتر والماركسية” وهو في العشرينات من عمره، وبعدها كتب في الفكر السياسي، والنقد الادبي لينتقل بعدها الى الفلسفة، جيث اخذت كتبه تصعب على الكثيرين.
خاض جورج غمار الترجمة، فكان يحسن الاختيار للمواضيع الذي يترجمها، فكانت باكورة ترجماته كتاب “المرأة والاشتراكية” الصادر عن دار الآداب، وشهد توزيعاً كبيراً حيث تتالت الطبعات، في مقدمة هذا الكتاب يكتب، بأن اصدار قانون احوال شخصية، مدني، عصري، ومتقدم افضل من اصدار مئات من قرارات التأميم، لان مثل هذا القانون ممكن ان يدفع الى اصلاح مجتمعي كانت المجتمعات العربية بحاجة ماسة له، ومع الأسف لا زال بحاجة اليه في ظل التصحر السياسي.
ترجم المؤلفات الكاملة لفرويد، وطبق منهج التحليل النفسي في النقد الأدبي، فكان كتابه النقدي للرواية العربية، ودراسة عملية المثاقفة ما بين الشرق والغرب، فكان كتابه النقدي الاول: “شرق وغرب رجولة وانوثة”. درس نجيب محفوظ وخاصة كتابه الاشكالي، اولاد حارتنا، وذلك في كتابه ” الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية”. ارسل لنجيب محفوظ نسخة من الطبعة الاولى من الكتاب، فارسل له نجيب محفوظ يقول ” اكتب هذا عن لساني فأن أفضل من قرأ، ودرس، وفهم نجيب محفوظ هو جورج طرابيشي”.
نقل الى العربية موسوعة اميل براهيية عن تاريخ الفلسفة، وهي اغنت المكتبة العربية بمعرفة الفكر الفلسفي الغربي الحديث.
تلمس اهمية تراجع النظرية القومية امام الدولة القطرية، التي اعتبرها انهاء للفكرة القومية، وقد ألمه ان يتحول الربيع العربي الى عصبيات طائفية وعرقية وعشائرية، معتبراً هذا التراجع هو نوع من موت سريري للمجتمعات العربية، التي عوضاً عن ان تتحدث زادت تأخراً، وبالطبع كان يحمل الانظمة العربية مسؤولية عدم محاولتها تحديث هذه المجتمعات.
بعدها تفرغ الى مشروعه النقدي لناقدي الفكر العربي من امثال حسن حنفي وعابد الجابري فشكل نقده لهم موسوعة فلسفية ساهمت وقد تساهم في عقلنة هذا العقل ووضعه على طريق الحداثة.
لم يعش الا من كتاباته، وهو لم يفتش الا عن وضع مادي مريح، يستطيع من خلاله ان يعيش عيشة كريمة تساعده على الاستمرار في خدمة الفكر والمعرفة الانسانية، حيث سيذكر مع العظماء الذين ساهموا في اغناء الفكر الانساني.
ساندته زوجته الروائية هنرييت عبودي، بمشاركته الكتابة والترجمة التي ساهمت بتشجيعه على الاستمرار في البحث، والخوض في غمار محاولة نزع الاديولوجيا عن الفكر العربي، وبالتحديد الفكر التراثي الاسلامي، سواء الذي كان مع التراث او ناقداً له.
لو اردت الاستمرار بالكتابة عنه للزمنا الصفحات، ولكن لا بد ان أختم، فرغم ان الرحيل صعب على شخص كجورج طرابيشي، فلا بد ان نقول، بأن فارس العقل العربي بامتياز، قد ترجل ليلحق برفاقه ياسين الحافظ والياس مرقص وجمال الاتاسي الى الخلود لان امثالهم لايموتون.
Tags: مميز