Archived: سميرة المسالمة: حدث أن عرفت الجوع

سميرة المسالمة: كلنا شركاء

جدران باردة ومطبخ بدون رائحة طعام تفوح منه ، فتحت البراد علّ صدفة تكون أنست أختي التي غادرت المنزل منذ أسابيع قليلة بعض طعام . لاشيء البتة بين الأدراج أو على الرفوف كان المساء بدأ يتسرب من نافذتي المطلة على الحديقة ، وكنت في تلك اللحظة أكملت ٣٦ساعة بلا طعام أو حتى شربة ماء ، بيتي يعيش حالة افلاس كامل، مياه مقطوعة ومطبخ مستقيل من أسابيع عديدة من عمله .

حاولت أن أعود من جديد إلى النوم ، لكنه الجوع يفتك بأمعائي ، لا أعرف إذا كان علي أن أقولها أم أن ” بريستجي ” سيتألم ، إنها الحقيقة : لانقود معي ولا طعام في بيتي ولا أمل يرتجى حتى يوم الغد .. هاتفي الجوال يرن بريق اعتلى عيوني إنه صديقي رجل الأعمال المعروف هو هنا في عمان ، لن يكون الأمر صعباً لو قلت له ماحدث معي هو لن يتأخر بمساعدتي ، لا لا سيبدو الوضع غير لائق .

لابأس يمر الناس بظروف صعبة تحدثي إليه أخبريه ، كان صراعاً مأساوياً بيني وبيني . ضغطت الزر الأخضر كان صوتي يرتجف حزناً وألما وسأقول صراحة جوعاً أيضاً ، أهلاً دكتور وصمت … سألني مابك بكيت قلت له سرقت حقيبتي صباحاً وفيها كل شيء . ضحك قال لا بأس كذلك حدث معي اليوم في الطائرة أحدهم سرق حقيبة الهدايا ، تأسفت لماحدث معه ، ليتها كانت حقيبة الهدايا، هي حقيبة معيشتي للأشهر القادمة كلها . قال لي سيجتمع بعض المهتمين بالعمل السياسي تعالي نحن في الفندق .. اعتذرت منه وعندما أصر قلت له مازحة ليس لدي أجرة تكسي ( معلومة في عمان لايوجد نقل عام بين كل المناطق ) فرد عليَّ لابأس أدفع أجرة التكسي عندما تصلين . قلت شكراً ربما أستطيع غداً أن أراك وأسمع منك ما حدث .

بالحقيقة كان يصعب علي أن أذهب لفندق خمس نجوم وأناقش حال السوريين الذين يلتحفون سماء النجوم ثم أعود مشياً على أقدام قد لا تحملني حتى منزلي . انتهت المكالمة وأنا ألقي باللوم على نفسي لأنني لم أصارحه بطلب المساعدة حتى يوم غد على الأقل ، ضاعت الفرصة ، وعاد الجوع يأخذ أبعاده بدأ ضغطي بالانخفاض الصداع يلتهم رأسي . ومشهد السارق لا يغادرني وأنا أهرول خلفه راجية أن يسمعني ليس وحده من رفض أن يسمعني ، كذلك المسؤول في قسم الشرطة قال لي ببساطة اذا كان بالحقيبة نقود فهي لن تعود” انسي” أما أوراقك فسيرميها لك لا تخافي عليها .

نعم ، وهذا ماحدث اتصل أحد الأشخاص بصديق من هاتفي الموجود داخل حقيبتي وقال أنه وجد حقيبتي لكنها خاوية لا نقودي ولا مصاغي ، لكن كما قال لي الشرطي : فيها أوراقي، وهاتفي الذي لم يعجب الحرامي . وفيها كل آلامي بأشهر مرعبة قادمة .. كانت ليلة سبت قاسية والأحد في أوروبا حالة موات لا مصارف ولا مكاتب تحويل عملات ولايمكن لزوجي أو أولادي أن يفعلوا أي شيء حتى صباح الاثنين ، لكنني كنت جائعة، والعطش يفتك بي رويداً رويداً .

ماذا أفعل كل من أعرفهم ممن تبقى في عمان يعيش ألم الحاجة ، وأنا لاقدرة لي على سميرة أن أجبرها على الطلب من أحد ؟! لابأس ستمضي الليلة أيضاً .. لكنها ليلة طويلة في الصباح كان قد مضى يومان ، وكان أملي ألا يطول انتظاري أكثر لكن شاءت الصدف أن يكون الصديق الذي صادف أنه سيأتي إلى عمان حاملاً ما أرسله ابني معه من نقود على قلتها ، أن تتأخر طائرته لعشر ساعات أخرى ، وهو ينقل لي الخبر كدت أقع أرضاً : لعشر ساعات لن آكل ولن أشرب ، ولا أعرف هل سيصمد ضغطي المنخفض معي أم ؟!

مضت الساعات ثقيلة رغم أنني أعرف أن الحل قادم لكن كان السؤال الذي يعذبني أكثر ماذا عن الجائعين الذين لاينتظرون رجلاً قادماً من مكان ما وبحقيبته فيها ولو وجبة طعام ليوم آخر .. يا الله ما أبشعنا ونحن نطالبهم بالصمود بوجه الجوع والعطش والموت الذي ينز من سقف الوطن “المبخوش” نعم لقد حدث أن عرفت طعم الجوع بعد أن كنت قد تذوقت طعم القهر والغربة ، ويصعب علي أن أطلب من أحد أن يتحمل أكثر وأكثر ..





Tags: مميز