Archived: مصعب الحمادي : التركمان..سوريون ضدّ التقسيم

مصعب الحمادي: كلنا شركاء

يعتقد الكثيرون أن الأكراد هم أكبر مكون عرقي في سوريا بعد العرب، ولكن من المرجح أن هذا الكلام غير دقيق أبداً. فرغم عراقة الوجود الكردي في سوريا إلا أن هناك مؤشرات كثيرة تقول أن التركمان وليس الأكراد هم من يأتون في المرتبة الثانية في سلم المكونات العرقية في سوريا بتعداد يصل – حسب بعض التقديرات المتحمسة – إلى أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، ولكن إذا ما قصرنا التعداد على أولئك الذين يقولون عن أنفسهم أنهم تركمان ويتكلمون فعلياً اللغة التركمانية فالعدد قد لا يزيد عن نصف مليون نسمة. ويتميز التركمان بوجود تاريخي قديم جداً في سوريا وذلك على خلاف الأكراد – باستثناء أكراد المدن – الذين استوطن معظمهم أقصى شمال شرق البلاد قبل أقل من مئة سنة فقط وذلك بعد فشل ثورة سعيد بيران جنوب تركيا حوالي عام 1925 وما أعقبها من فرار لأكراد تركيا إلى الأراضي السورية.  

تاريخياً، ينحدر تركمان سورية من قبائل الأوغوز التركية التي تنتشر على مساحات واسعة في أواسط آسيا والشرق الأوسط من تركمانستان وأذربيجان وأفغانستان إلى إيران وتركيا والعراق وسورية. وهناك أعداد صغيرة منهم تنتمي لقبائل تركية أخرى كالإيغور والتتر والأوزبك. يتكلم التركمان اللغة التركمانية وهي فرع من اللغات التركية قريب من اللغة التركية الحديثة. يعتنق تركمان سورية الإسلام السني بنسبة 99% بينما تتواجد نسبة صغيرة من الشيعة العلوية في محافظة حلب.

أقدم رصد للوجود التركماني في سورية يعود إلى عصر الدولة السلجوقية وهي الدولة السنية التي قامت أواخر القرن الحادي عشر الميلادي وسيطرت على مساحات واسعة من الأناضول وبلاد الشام. هناك من المؤرخين من يعتقد أن الدولة السلجوقية ومن بعدها الدولة العمثانية شجعتا القبائل التركية على الاستقرار في سورية والعراق لإحداث توازن مع السكان العرب في المنطقة حيث استجلب العثمانيون تحديداً أعداداً كبيرة من الموظفين الأتراك أو من عوائل أولئك الذين خدموا كجنود في الجيش التركي في المنطقة. غير أنه من الصعب إهمال العوامل الاقتصادية التي لعبت دوراً كبيراً في الهجرات الكبرى والتحركات البشرية الجماعية في عالم ما قبل الحداثة وخصوصاً في الامبراطوريات الزراعية الكبرى التي مزجت أعداداً هائلة من الأعراق والأديان في بوتقةٍ حضارية واحدة يتحرك فيها الأفراد بحرية من مكانٍ إلى آخر حسب مقتضيات حياتهم وحاجياتهم ودوافعهم الاجتماعية والنفسية. ولعل هذا هو السر في أن غالبية تركمان سورية استعربوا مع الزمن فنسوا لغتهم الأم وتكلموا اللغة العربية واندمجوا كلياً مع السكان العرب حتى بات موضوع تمايزهم متوقفاً على الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية ليس إلا. فبعد خروج العثمانيين من سورية بعد الحرب العالمية الأولى بقي التركمان في البلاد مغلّبين انتماءهم لهذا الكيان الوطني الناشيء على هويتهم التركية القديمة. ويقال أن التركمان في منطقة منبج شرق حلب لعبوا دوراً مهماً في أحداث الثورة السورية على المحتل الفرنسي.

تعد محافظة حلب – بحكم قربها من تركيا – المنطقة الأكثر حضوراً بالمكون التركماني حيث يتواجد التركمان في أكثر من مئة قرية في مناطق اعزاز والراعي وجرابلس ومنبج حيث ترتفع نسبة المكون التركماني هنا لأكثر من خمسين بالمئة بالنسبة لباقي المكونات. وفي مدينة حلب نفسها يعيش التركمان في أحياء الأشرفية والحيدرية والهللّك وبستان الباشا وقاضي عسكر. أما في شمال اللاذقية – المحاذي أيضاً للحدود التركية – فيتواجد التركمان تقليدياً في جبل التركمان الذي حمل اسمهم متوزعين على سبعين قرية في الجبل. وفي مدينة اللاذقية يتواجد التركمان في حيين على الأقل من أحيائها. وللتركمان وجود قديم في جنوب سورية في درعا ومنطقة القنيطرة والجولان وبعض القرى على أطراف العاصمة دمشق. كما يحضر التركمان في منطقة تل أبيض التابعة للرقة والمحاذية للحدود التركية والتي أثير الكثير من الضجة حولها إثر استيلاء القوات الكردية عليها وما أشيع عن حصول عمليات تطهير عرقي للسكان العرب والتركمان فيها. كذلك يتواجد التركمان في المنطقة الوسطى من سورية. ففي حمص يقطنون حي بابا عمرو ذائع الصيت في المدينة كما ينتشرون في قرى في الريف الغربي يقدرها نشطاء تركمان بخمسين قرية. أما في حماه فللتركمان حضور تاريخي في منطقة مصياف غربي المحافظة والسلمية في شرقها.

أهمل غالبية تركمان سورية أصولهم القومية مع تقادم الزمن، وتوقفوا عن الكلام بلغتهم ما عدا نسبة صغيرة منهم من سكان القرى المنعزلة عن التأثيرات الحضرية من حولها كما في شمال وشرق حلب وفي جبل التركمان في اللاذقية. وإذ يتّهم بعض التركمان سياسات البعث القومية العربية بتذويب هويتهم ولغتهم إلا أنه يبقى لعوامل التقادم وحقيقة أن التركمان هم أقوام بدوية كأقرانهم العرب الذين سكنوا سورية إبان القرن السابع الميلادي من أهم العوامل التي ذوبت الهوية التركمانية في سورية، مع عدم إغفال أهمية الدين وخصوصاً اعتناق الترك تاريخياً للمذهب السني بحماسة وما يستتبع ذلك من هيمنة للغة العربية وتفوقها المادي والمعنوي كلغة القرآن والتي أزاحت اللغة التركمانية عند الكثيرين بحكم سنن التدافع التي تعتمل في اللغة أيضاً بوصفها كائن حي ينمو ويهزل ويموت حسب مواتاة الظروف لذلك.

لم يكن للتركمان أحزاب سياسية في سورية قبل ثورة عام 2011 وهم كباقي السوريين عانوا من الطبيعة الشمولية للنظام التي أفقدتهم حس المبادرة والتنظيم وحتى إمكان تعريف أنفسهم كهوية جزئية ضمن الهوية الكلية للمجتمع السوري. كما أن اندماجهم الكامل في المجتمع السوري كان يجعل من هذا النوع من النشاطات تكلّفاً لا حاجة له. أضف إلى ذلك أن التجمعات التركمانية في سورية كانت أشبه بجزر معزولة مع غياب تام للتواصل بين تركمان حلب واللاذقية أو تركمان المناطق الشمالية بتركمان المناطق الجنوبية من البلاد. وقد ساعدت سياسات البعث القائمة على منع التكلم باللغات غير العربية على حرمان التركمان من فرصة اللقاء والتواصل. لكن أحداث الثورة جاءت كالبركان الذي أخرج مكنوناته من باطن الأرض فوجد التركمان أنفسهم إزاء سمة تميزهم عن باقي السوريين وتدفعهم لإعادة تعريف أنفسهم كما حصل مع كثير من المكونات غيرهم. وهكذا تشكلت إبان الثورة العديد من الأحزاب التركمانية التي شددت على وحدة سورية مع تأكيد الخصوصية الثقافية للهوية التركمانية والمطالبة بتمثيل عادل للمكون التركماني في الهيئات السياسية السورية المعارضة. كما نشط العديد من النشطاء التركمان في قطاع المجتمع المدني مؤسسين منظمات مدنية وجمعيات إنسانية تعمل بشكلٍ رئيس في التجمعات السكانية التركمانية.

على عكس شرائح واسعة من المكون الكردي يخشى التركمان من تقسيم سورية لما في ذلك من تمزيق للتواصل التركماني وعودة ظاهرة “الجزر المنعزلة” التي ستفصل بين التجمعات التركمانية شمال وجنوب ووسط البلاد وتجعل التركمان مجرد جاليات صغيرة جداً في الدويلات الصغرى التي ممكن أن تتمخض عملية التقسيم عنها. وليس للتركمان مطالب سياسية باستثناء الاعتراف بالمكون التركماني كجزء من الشعب السوري والحصول على حقوقهم الثقافية بما في ذلك حق تدريس لغتهم والتكلم بها. يطمح تركمان سورية لأن يكونوا جسراً للتواصل بين تركيا والعالم العربي في سورية المستقبل بحكم علاقاتهم الطيبة مع الغالبية العربية في سورية وتعايشهم التام معها. غير أن الاندماج شبه الكامل للتركمان في المجتمع السوري يجعل من الصعب على السياسيين التركمان لم شتات هذا العرق الذي لا يعبأ كثيراً بالقضية القومية، بل ولا يفطن لها أصلاً أمام حقيقة أن معظم التركمان في سورية لا يتكلمون اللغة التركمانية بل ومنهم من يعتبر نفسه عربياً بحكم التقادم.





Tags: مميز