Archived: من الصحافة الألمانية: فشل استراتيجية (ابن العاهرة)

وليان رايشلت- جريدة بيلد الالمانية: ترجمة د. حسام الحفار- كلنا شركاء

يوجد في واشنطن قول مأثور: أنه عندما تعمل الديمقراطيات مع الدكتاتوريين  والمستبدين والطغاة وتتحالف  معهم: فهم “اولاد عاهرة”, ولكنهم “اولاد عاهرتنا”.

مما يعني: دعهم يعذّبون ويقتلون, طالما هم مخلصون لنا ونستطيع السيطرة عليهم, سنقف معهم وندعمهم بالمال والتعاون الاستخباراتي, و حتى عسكريا عند الضرورة.

هذا يمكن تبريره عندما يكون البديل لهؤلاء الطغاة الكريهين, تهديد من شر اكبر, ولا يمكن قمعه (افتراضيا) الا بالقوة. في الماضي (على سبيل المثال في فييتنام او في جنوب افريقيا) وكان هذا يتمثل في استيلاء الشيوعيين على السلطة. اليوم دخلت اللافتات السود للاسلاميين عوضا عن الاعلام الحمراء.

مقاتلي داعش في عرض دعائي. يستغل الجزار بشار الاسد الخوف من الاسلاميين, بحيث ان البعض يجعله شريك في التفاوض

في كل مكان نخشى ان ينتشر فيه الاسلاميين نرضى بالدكتاتوريين, طالما هم يعدوننا بانهم سيحاربون القوة المتطرفة بحزم وهم يبرهون ذلك من حين لآخر. نحن متحالفون مع العائلة المالكة في العربية السعودية (التي قطعت رؤوس هذا العام اكثر من داعش), ونحن متحالفون عمليا مع الطغمة العسكرية في باكستان (التي تموّل طالبان بشكل متواز), ومتحالفون مع الدكتاتور العسكري في مصر,ونامل العمل مع ايران (التي تشنق ضحايا الاغتصاب), ونحن نعيد تعويم الاسد بشعار “التحدث مع الاسد”, خوفا من خطر داعش.

نحن نطلق نادرا اسم ابن العاهرة على شركائنا, ونسميهم عوضا عن ذلك “الشيطان الذي نعرفه” او اهون الشرور, او بسخرية اكبر ” السياسة الواقعية”.

حلفاء منذ سنوات ماضية, وحديثا سوية في الحرب: الاسد في رئيس روسيا فلاديمير بوتين في 20 تشرين الاول/اوكتوبر في موسكو

المشكلة مع هذه السياسة الواقعية انها افلست تاربخبا. انها لم تجلب الاستقرار الموعود, بل ادت الى انهيار كامل في الشرق الاوسط وموجات اللجوء, والتي هي في تصاعد ولا تتراجع. حيث ان “اولاد عاهرتنا”, الذين طالما اكدوا لنا ان كل شيء تحت السيطرة, سرقوا في نفس الوقت بلدانهم ونهبوها بشكل مذهل, ولم يستثمروا في البنية التحتية المستدامة  والتعليم والابحاث و تأمين فرص العمل وتوزيع الثروة والمساواة الا القليل, مما حوّل الحياة في مجموع دول العالم العربي وجزء من افريقيا الى صحراء بدون امل وبدون افق مستقبلية.

“اولاد عاهرتنا” خدموا فقط انفسهم وعشيرتهم وعائلاتهم, مما دفع الملايين وعشرات الملايين من البشر ان تكون ضدّهم.

في كل مكان ثار فيه الناس ضد الحكام, رد فيه الحكام, بانهم  سوّوا جزءا من دولهم مع الارض         ( القذافي في ليبيا والاسد في سوريا). الأرض المحروقة كان جوابهم الوحيد على المطالبة بالتغيير.

بعد الهجمات الكيميائية الرهيبة في آب/اغسطس 2013 على منطقة الغوطة الدمشقية, احد الرجال حزين متألما على ابنه المتوفى

لم تجلب استراتيجية “ابن عاهرتنا” التي اتبعناها ومازلنا نتبعها جزئيا حتى اليوم, الاستقرار ولو بالكاد الى اي من هذه الدول. فان الناس في هذه الدول, اما هربوا لاجئين الى اوروبا (الغالبية الى المانيا) او الى ايديولوجيات متطرفة. الانظمة الرهيبة في هذه الدول, حيث ايدينا تتدخل بها, تعرف بشكل طبيعي بتطّرف شعوبها, وهي حمت نفسها (الانظمة) بشكل مزدوج,هي تموّل المتطرفين من جهة وتدعمهم بالسلاح من جهة اخرى.

خلاصة القول: لتخوفنا من التطرف وموجات اللجوء, نحن نتعاون مع الانظمة, التي هي مسؤولة عن  التطرف وموجات اللجوء. ونحن نصدق وعودها, رغم انها لم تفي  بها ولا لمرة واحدة.

ومنذ ان اصبح مئات الالاف من اللاجئين, نتيجة للفشل الكامل لهذه الاستراتيجية, خطرا على السياسة الداخلية, توجهت السياسة الغربية, والمانيا من ضمنها, حائرة الى الايقونة الحامية “لابناء العاهرات”, الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

فلاديمير بوتين في لقاء له مع الاسد في الكرملين. انها الزيارة الخارجية للرئيس السوري منذ اندلاع الحرب

بدون بوتين، لن يكون هناك حل في سوريا “، هذا ما تدعيه  وزارة الخارجية الالمانية. وقد دعت انجليكا ميركل باراك اوباما الى التعاون مع بوتين للتفاوض بشأن الازمة السورية. المنطق لهذا: فقط بوتين وليس الغرب, هو القوي بما يكفي لاعادة الاستقرار.

وصلت الرسالة, وخصوصا الى الظالمين في العالم. من يتمتع بحماية بوتين ليس لديه ما يخشاه من الغرب. يمكن الاعتماد على بوتين. لن يترك بوتين احد يسقط. وهو مستعد عند الضرورة لاستخدام جيشه لحماية مصالحه ضد المصالح الغربية. حتى ان الجزار بشار الاسد يشعر بانه قوي بما يكفي, لدعم بوتين له, مما جعله وللمرة الاولى مغادرة حصنه  في دمشق والقيام بزيارة دولة, وبالطبع الى موسكو.

لقد اصبح بوتين العرّاب العالمي لقوى الظلام. لقد سمحنا ان تصل الامور الى هذا المستوى ومازال شعارنا “الحل السلمي” مع بوتين, و لكن في نفس الوقت يعمل بوتين على قصف البنية التحتية المدنية في سوريا ويهيء للأسد من الجو الهجمات التالية, التي تجلب لنا الموجات المتتالية من مئات الالاف من اللاجئين.

السياسة الغربية الخارجية هي اسيرة في عالم الخيال. نحن لخشيتنا من المواجهة,  ندافع عن الاستقرار, الذي لم يعد موجودا ومنذ مدة طويلة. بوسائل اثبتت فشلها. استراتيجية “ابناء العاهرة”  لم تجلب سوى الفقر, الحرب, الارهاب والهرب الى شتى اصقاع العالم.

يدا بيد: الاسد والقذافي المسؤولين عن جرائم فوق التصور تجاه شعوبهم

تقول العبرة الغير مريحة من ذلك: تؤدي جميع طرق اللاجئين, في هذا العالم المسطح المتشابك, الى المانيا. عندما لا نستطيع ان نقدم الحماية للناس في اوطانهم, بالوسائل المالية والسياسية وايضا العسكرية, فانهم سيأتون الينا. عندما لا نستطيع ان ننشر مشروعنا حول المشاركة والرفاهية, فان الملايين من الناس ياتون الى مشروعنا. لا تستطيع الهوية المسيحية لاوروبا المحافظة على نفسها على المدى الطويل, اذا لم نوظف ثروتنا , لتأمين الامان والحياة السلمية للآخرين.

يوجد جملة بسيطة من عميق الروح الالمانية بعد 1945: “يجب ان يحصل اولادنا على حياة افضل”. هذه الجملة لها صلاحية عالمية. لن تبقى الناس عند “ابناء عاهرتنا”,بل سيتوجهون حيث يحصل اولادهم على الافضل.

هذا ما يجب ان تراعيه السياسة الغربية والالمانية. وفي هذا المجال فأن بوتين ومستبديه ليسوا شركائنا بل خصومنا.

اقرأ:

أنصار الاسد “يهربون” الى القطب الشمالي (النرويج) على الدراجات الهوائية!!؟؟ بتأشيرات روسية!!





Tags: مميز