Archived: الخارطة الفكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD في سوريا

عبدالله الغضوي: كلنا شركاء

ظهر الأكراد كقوة أساسية لاعبة على المسرح السوري في العامين الماضيين بعد أفول وتفكك قوة الجيش السوري الحر مباشرة، الأمر الذي وسع سيطرة الكتائب الإسلامية على محركات الصراع في سوريا.

وأدى تنامي ظهور قوة الأكراد (وحدات حماية الشعب YPG) التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (pyd) إلى ترشيحهم من قبل التحالف الدولي وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية ليكونوا رأس حربة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وقد أخذ الأمر بعد ذلك بعدا إقليميا، خصوصا مع سيطرة وحدات حماية الشعب على نصف الشمال السوري الحدودي مع تركيا. وقد أعطت هذه الظروف الاستثنائية النفوذ الكردي جرعة سياسية دولية، في ظل القلق التركي من إمكانية تضخيم هذه القوة التي أعلنت بعد هذه المعطيات الإدارة الذاتية، ما يهدد الأمن القومي التركي خشية انتشار فكرة الإدارات إلى الأقاليم التي يقطنها الأكراد بأغلبية على الأراضي التركية.

وعلى اعتبار أن الأزمة السورية عرفت مفهوم القوة بحجم السيطرة على الأرض، فقد حقق الأكراد هذه المعادلة بازدياد سيطرتهم على وأصبحوا قوة حقيقية فاعلة لا يمكن الاستهانة بها وبتطلعاتها وارتباطاتها القومية في المنطقة من إيران مرورا بالعراق وتركيا إلى سوريا. لذا كان من الضرورة بمكان استعراض حقيقة القوة الكردية في سوريا وتأثيراتها وتأثراتها الإقليمية، إضافة إلى خياراتها في سوريا ومستقبل هذه القوة.

كما نستعرض أيضا؛ مستقبل هذه القوة الكردية في بحر العداء المتنامي سواء من تركيا أو من الكتائب الإسلامية المقاتلة على الأرض السورية وفي مقدمتها الدولة الإسلامية.

الوصول إلى مرحلة YPG

بدأت وحدت حماية الشعب تتشكل كقوة عسكرية منظمة على الأرض في منتصف 2012، وليس صحيحا ما يعتقد به المحلل السياسي في مؤسسة “جيمستاون الأمريكية” فلاديمير فان فيلفنبورغ من أن يكون تأسيس نواة هذه الوحدات كان في العام 2004 حين نشبت المواجهات بين الأكراد والنظام السوري. (1)

والواقع أن ما يقصده جيمستاون هو تشكيل صغير لا يتجاوز المئة شخص ظهر في عفرين من أجل تنفيذ عمليات نوعية خاطفة داخل سوريا، وسرعان ما ذاب هذا التشكيل مع برود المواجهات وفقر تغذية هذه الجماعة من الناحية القومية. ولكن في كل الأحوال لم يأت يوما على مسيرة حزب العمال الكردستاني وفروعه في المنطقة إلا وكان له تشكيل عسكري صغيرا كان أم كبيرا. إلا أن ما يقصده جيسمتاون بمعني تشكيل كيان عسكري حقيقي لم يكن على الإطلاق في ذلك التاريخ.

مع بداية الأحداث في سوريا، اندفع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD لتمييز نفسه بقوة عسكرية منظمة على المستوى السوري عموما وعلى المستوى الكردي على وجه الخصوص، بعد أن قرروا أن مشروعهم لن يتقاطع مع مشروع الثورة السورية الهادف إلى إسقاط النظام وإقامة نظام ديمقراطي شامل ضمن سوريا الموحدة. (2)

ورأى PYD أن الثورة فرصة تاريخية يجب اغتنامها ورفع سقف الطموح الكردي بعد أن تمت إزالة السقف الأمني والنفسي لنظام الأسد، وهنا تراءى للحزب أنه ما من قوة بعد اليوم تستطيع إيقاف الطموح الكردي.

ونشط حزب الاتحاد الديمقراطي على مستويين؛ الأول التأخر في دخول الحراك الثوري بثقلهم الواقعي، وفي نفس الوقت بقي في الشارع الكردي متحركا بطريقة خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف بانتظار وضوح مسار الحراك الثوري وطريقة تعاطي النظام وحراك المعارضة السورية في الخارج وتصوراته حول المسألة الكردية.. وطريقة التعاطي مع ما يسمونه “حقوق الأكراد في سوريا”.

وعندما أدرك الأكراد أن المعارضة السورية في الخارج غير متحمسة للطرح الكردي، الذي يلمح إلى الاستقلالية السياسية والثقافية بقي الأكراد على الحياد ولم يقطعوا خطوط التواصل لا مع النظام ولا مع المعارضة إلى أن بدأت مرحلة نزوع الثورة إلى التسلح والتوجه إلى مبدأ إسقاط النظام بالقوة العسكرية، هذا التطور دفع PYD إلى إعادة التمركز في أمواج الأزمة السورية الغير مستقرة، وبالتالي تشكيل قوة مسلحة تفرض وجودها على الساحة وكانت النتيجة ولادة YPG  من رحم الجناح السياسي لـ “PYD”. (3)

في حوار مع قائد الجناح العسكري في حزب العمال الكردستاني مراد قرايلان أجرته صحيفة عكاظ السعودية بتاريخ 27 ديسمبر قال قرايلان” إن حزب العمال الكردستاني لن يقف مكتوف الأيدي في حال تعرض أكراد سوريا للخطر”.. واعتبر أن الأزمة السورية تمس الحزب بشكل مباشر وأنهم يراقبون الأمور وتطوراتها بحذر. (4)

وبالفعل لم يقف مقاتلو حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل مكتوفي الأيدي – لكن السؤال، هل تعرض الأكراد للخطر..؟.

لقد بدأت موجة الهجرة الكردية لمقاتلي حزب العمال من منتصف العام 2012 متوجهين إلى المناطق الكردية في سوريا وفقا لفلسفة وحدة الجغرافيا والمجتمع الكردي “الأمة الديمقراطية”. (5) ذلك أن وفقا للمنظور الأيديولوجي لحزب العمال الكردستاني لا فرق بين أي منطقة في كردستان سواء في سوريا أو العراق أو تركيا إذا كانت الأمة في خطر. فالمقاتل حيث يتطلب الدفاع عن الكردي، وبالفعل تمت ترجمة هذا المفهوم على الأرض إذ أنه من المفارقات في هذا الأمر أن أول قتيل من حزب العمال الكردستاني كان من إيران في ديريك (الحسكة) خلال المواجهات مع أحد الكتائب الإسلامية. وفي نهاية العام 2013 اكتملت القوة العسكرية الكردية في الشمال السوري باسم (YPG ) المخصصة للرجال و (YPJ) المخصصة للنساء.

لحظة تاريخية لرسم الخريطة :

تطلب تأسيس قوة كردية مسلحة على الأرض مساحة جغرافية آمنة تسهل الحركة العسكرية وتوفر موقعا للتدريب وتأهيل المقاتلين المتوافدين من كل الجبال الكردية. فضلا عن استيعاب الأعداد المتزايدة من وحدات حماية الشعب (YPG)، لذلك كان على وحدات حماية الشعب انتزاع بعض الأراضي؛ تارة بالقتال وتارة بانسحاب قوات النظام من بعض الأراضي ليرثها حزب الاتحاد الديمقراطي أو حتى بالمواجهات التي يعتقد الكثير من المراقبين على الأرض أنها كانت شكلية خالية من الدم (6). وبسطت وحدات الحماية سيطرتها على مناطق واسعة في الحسكة وعفرين وعين العرب التي خرج منها النظام بدون مواجهات في تموز العام 2012. وقد أصبحت هذه المناطق فيما بعد أقاليم الإدارة الذاتية التي أسسها حزب الاتحاد.

تزامنت سيطرة PYD على هذه الأقاليم الثلاثة مع ظهور الكتائب الإسلامية بشكل واضح وخصوصا تنظيم الدولة الإسلامية ومن قبله جبهة النصرة، اللذان ناصبا PYD العداء من منطلقين، الأول أن هذه القوة الكردية تشكل عائقا أمام تمدد الدولة وحاجز الصد الاول لطموحاتها، والمنطلق الثاني اعتبار هذه القوة الكردية ملحدة ماركسية يجب قتالها، ومن هنا اكتشف الطرفان عداءهما وأنهما مرشحان لعداوة ستستمر مادام وجودهما على الأرض.

لم يعول PYD على الجيش السوري الحر منذ البداية واعتبره  – متطابقا مع النظام  في توصيفه- جماعات مسلحة غير منظمة وتتصادم مع مشروعه القاضي بنوع من الحكم الذاتي متبعا الحذر في الانخراط بأي عمل مسلح مشترك ضد النظام حتى لا يثير حفيظة النظام ويفتح جبهة نائمة أمنت له السيطرة على الكثير من المناطق في الحسكة وحلب وريفهما. (7)

وبالفعل أمسك حزب الاتحاد الديمقراطي العصى من المنتصف في التوازن بين تحاشي الاصطدام مع الجيش الحر والكتائب الإسلامية وبين عدم المواجهة المباشرة مع النظام. وقد كان ظن  حزب الاتحاد حيال الكتائب الإسلامية في محله، إذ أعلنت معظم الكتائب الإسلامية عداءها لحزب الاتحاد الديمقراطي دون المواجهة المباشرة، ذلك أن تلك الكتائب جعلت قتال PYD في المرحلة الثانية من مشروع القتال الداائم في سوريا فقتال النظام أجل العديد من المواجهات الداخلية في سوريا. (8)

وقد قال رئيس حزب الاتحاد صالح مسلم في حوار خاص ” إننا لن نذهب لقتال أحد بالإشارة إلى النظام ولن نقاتل خارج حدودنا فالأكراد من الآن فصاعدا لن يكونوا قربانا للأزمة السورية كما كانوا على مدار التاريخ.. سنقاتل فقط من يقترب إلى حدودنا”(9). إن هذا المبدأ يكاد يكون كلمة السر في العلاقة بين الأكراد والنظام وهو المعادلة التي يمكن من خلالها قياس العلاقة بين حزب الاتحاد والنظام.. فلم تقع اشتباكات بين الطرفين خارج حدود تلك المعادلة.. وطالما قالت شخصيات رفيعة في pyd  إننا نختار نار النظام أفضل من جنة “الكتائب الإسلامية الداعشية” – على حد قولهم.

لقد ظلت حالة الكمون الكردية حيال العلاقات المتشابكة مع المحيط إلى أن أعلن تنظيم الدولة الإسلامية أن الأكراد هدفا مضافا إلى نظام الأسد بعد السيطرة على مدينة الرقة في أغسطس (آب) 2014 . في هذا الوقت ارتسمت معالم المشروع الكردي في عفرين وعين العرب والحسكة.. لتصبح هاتان القوتان مستعدتان للمواجهة.

هذه التطورات في نمو القوى المتصارعة تزامنت مع سعي الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج لتشكيل تحالف دولي بعد سقوط الموصل في يوليو (حزيران) على يد الدولة الإسلامية والسيطرة على الرقة، إذ بات خطر التنظيم على مشارف كردستان العراق وعلى أبواب المناطق الكردية في سوريا، الأمر الذي جعل الأكراد في المنطقة أن يكونوا منتدبين من الدول الغربية ليكونوا في الخط الأول لمواجهة التنظيم، ذلك أن المصالح التقت تماما بين الغرب والأكراد في قتال “الدولة” وحان الوقت لإيجاد صيغة جديدة للتعامل مع الأكراد.

كان التحالف بين الدول الغربية وبين القوى الكردية عموما نقطة تحول في المنطقة وإعادة ترتيب القوى المتصارعة على الأرض السورية خصوصا، ففي الوقت الذي كان التحالف الدولي وخصوصا أمريكا تحجب الأسلحة المتطورة وغير المتطورة عن المعارضة السورية امتلأت المناطق الكردية في سوريا والعراق بأحدث أنواع السلاح الأمريكي والفرنسي والألماني. (10) وقد حصنت وحدات الحماية الشعبية مواقعها بأحدث أنواع الأسلحة من أجل تلك المهمة.. وقد زاد رفض المعارضة السورية المسلحة من قتال تنظيم الدولة قبل قتال تنظيم الأسد من التقارب بين الأكراد والتحالف الذي عمل معهم بلا شروط.. ويسجل مصطفى بالي أحد القيادات في الإدارة الذاتية في عين العرب أن اندفاع الأكراد إلى التحالف الدولي يعود لسببين(11):

1-         منع تنظيم الدولة باعتباره العدو الأول من هضم مكتسبات الأكراد في الشمال.

2-         استثمار الانكفاء التركي في المشاركة مع التحالف لقتال تنظيم الدولة الإسلامية، وقد كان الموقف التركي الرافض للخوض في معارك التحالف ضد التنظيم الأكثر كسبا لجهة تأصيل فكرة أن الأكراد هم حليف العالم في قتال الإرهاب بينما تركيا من أبرز الداعمين للإرهاب – بالمنظور الكردي-.

وبعد مضي أسبوعين من تنفيذ التحالف الدولي ضربات ضد تنظيم الدولة في المناطق السورية، زحف مقاتلو التنظيم إلى قلب المناطق الكردية وسيطروا في أكتوبر 2014 على معظم مدينة عين العرب (كوباني). الأمر الذي شكل صدمة كبيرة للأكراد. (12).

وقد اعترف العديد من القيادات الكردية في حزب الاتحاد الديمقراطي، أن التحالف الدولي استخدمهم في الحرب على التنظيم، وخلال يوميات الحرب وتنفيذ التحالف للضربات الجوية اكتشف الأكراد أن طائرات التحالف في كل مرة تنتظر اللحظة الحرجة في القتال مع “الدولة” حتى تتدخل لتتحول العلاقة بين الغرب والأكراد من تحالف من أجل عدو مشترك إلى عملية إنقاذ للأكراد من شبح الدولة الإسلامية وهي إشارة غربية للأكراد لتحديد مستوى العلاقة. (13)

تقول الإدارة الذاتية في عين العرب (كوباني) “لقد دمرت الحرب بين الدولة ووحدات حماية الشعب المدينة بالكامل ولم تعد هذه الأرض صالحة لأي نوع من أنواع الحياة” (14).

وخرج الأكراد من هذه الحرب منتصرون نفسيا لكنهم مهزومون ماديا وبشريا وحتى عسكريا إذ مازالت عين العرب تحت حصار الدولة الإسلامية من الجهات الثلاثة، فضلا عن الحصار التركي من الشمال عبر حدود مرشد بينار.

حلم الأكراد أن يكونوا شركاء مع التحالف الغربي ضد قتال الإرهاب، وإذ بهم يصبحون مهددين بالزوال لولا حرب الجو التي قادها التحالف وأخرجت التنظيم من مدينة عين العرب بعد أن وصلوا إلى الحدود التركية مكتسحين مدينة عين العرب طولا وعرضا.

إدارة الموت الذاتية

يقول رجل الأعمال المفلس حجي مصطفى ” إنه كان يملك 3 سيارات من نوع رانج روفر و3 فلل فاخرة وأرصدة بالملايين في البنوك السورية وأرض شاسعة، لكنه اليوم لا يعلم إن كان سيجد ما يأكله غدا أم لا وهو موظف صغير على الحدود السورية التركية يقوم بالتنسيق مع الجانب التركي لمنع أية حوادث تسلل على الحدود.”

حالة رجل الأعمال هذه مقياس مهم للوضع الكردي في عين العرب اليوم، ويمكن من خلالها استخلاص العديد من صور المستقبل الكردي في هذه المنطقة. (15)

في بداية شهر مايو (أيار) من العام 2015 وبعد سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية على مدينة عين العرب (كوباني) عقد في مدينة آمد في كردستان العراق مؤتمر لإعادة إعمار عين العرب، حضر المؤتمر ما يقارب 350 شخصية كردية وممثلون عن منظمات أوروبية وغاب التحالف باعتبار أن مهمة الأكراد انتهت. وقد خرج المؤتمر بورقة من 16 توصية ينطبق على هذه التوصيات تماما مقولة “حبر على ورق”، فما من رغبة لا من دول التحالف ولا من كردستان العراق بإعادة إعمار كوباني.. وقد اعترفت قيادات في حزب الاتحاد بفشل مثل هذه المؤتمرات وأنها لن تكون ناجحة بسبب التجاذبات الإقليمية وخصوصية الوضع الكردي عموما. (16).

على أرض الواقع، لا تمتلك مقومات الإدارة الذاتية في عين العرب أية مقومات اقتصادية ولا جغرافية. إن مدينة مثل عين العرب لديها المئات من الموظفين، ناهيك عن المقاتلين على ثلاث جبهات ليس لديها ما تنفقه على هذا الكم الهائل من الموظفين والمقاتلين، وهي كإدارة مالية الآن مفلسة تماما باعتراف رئيس المجلس التنفيذي في الإدارة أنور مسلم الذي قال “إننا لا نملك رواتب للموظفين ولا حتى إمكانية إعداد موازنة رغم أننا أرض محررة ندير شؤوننا بأنفسنا، وبكل صراحة تعتمد هذه المدينة ماليا على واردات مقاطعتي الجزيرة وعفرين باستثناء بعض المساعدات الطبية من الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا.” (17)

لا يوجد لدى هذه الإدارة ما تقدمه سوى الوعود وقليل من الأيديولوجيا التي تداعب المشاعر القومية الكردية ما دون ذلك هي في حالة فقر مميت. وحدود خدمتها لا تتجاوز تأمين الخبز بأسعار يستطيع المقيمون على هذه الأرض شراءها.

حتى أن الجهاز الإداري لهذه المدينة (عين العرب)، جهازا بدائيا بخبرات غير مؤهلة وغير مطلعة على شؤون العمل الإداري، هم فقط عبارة عن موظفين سابقين عملوا في النظام السوري في مستويات متدنية أصبحوا الآن في موقع القيادة لمدينة تحتاج أضعاف ما تحتاجه من قبل إلى إدارة وإمكانات تعيد المهجرين إلى بيوتهم. ناهيك عن غياب التقديرات الرقمية الاقتصادية المكتوبة لدى جهاز الإدارة الذاتية في عين العرب. حتى أن الممثلين عن المدينة حين ذهبوا إلى مؤتمر آمد لم يحملوا معهم سوى الخطابات الشفهية، وربما يعود ذلك إلى حجم التدمير الخرافي في هذه المدينة الأمر الذي يصعب أمامه القيام بأي عمل اقتصادي أو محاولة إعمار وربما يكون ذلك أشبه بخرافة أمام مدينة تمت إبادتها بالكامل.

من الصعب وربما من المغامرة أيضا أن تقام في مدينة مثل عين العرب إدارة ذاتية، إنها إدارة للفراغ وللدمار، إذ تشكل عبئا حقيقيا على أية جهة تضطلع للقيام بأي عمل تجاه هذه المدينة، فالموت في كل أركان المدينة التي تفتقد للشباب وأية مظاهر للحياة. وعلى سبيل المثال منذ خروج تنظيم الدولة من المدينة في نهاية يناير الماضي لم تتمكن الغدارة الذاتية سوى من عمل وحيد هو إصلاح الطريق العام في المدينة وإزالة بعض الركام بقيمية 60 – 70 مليون ليرة سورية تم استدانتها من مقاطعة عفرين. (18)

إن الفكرة الأساسية في الإدارة الذاتية بالنسبة للأكراد، أنه لا يمكن أن تقوم إلا بالاتفاق مع المحيط الجغرافي والثقافي، فعامل التبادل التجاري بين المدن السورية “مستقبلا” من أهم محددات ومقومات هذه الإدارة، فإذا لم يتوفر سوق لتصريف منتجات المدينة الزراعية والحرفية والصناعية وكذلك العكس، فلا يمكن للمدينة أن تعيش إلا من خلال سوق سوداء وهذا الخيار غير متوفر على الإطلاق للمدينة نظرا لغياب السيولة على مستوى الغدارة وعلى مستوى الأفراد الذين خسروا في المدينة كل شيء على الإطلاق. لذلك يعمل حزب الاتحاد الديمقراطي على تسويق فكرة الإدارة الذاتية من باب التنوع العرقي والثقافي حتى تجد مقبولية من الوسط المحيط وإلا من المستحيل أن تحيا مثل هذه الإدارة في ظل الظروف الحالية .. وإلا يستكون إدارة موت ذاتية ليس إلا.

ملاحظات جانبية:

1-         نصف سكان المدينة هم خارج عين العرب ولا يعيش أكثر من 125 ألف نسمة معظمهم نساء ومما يتجاوز عمرهم 45 عاما.

2-         استقرار القوى العاملة من الشباب في تركيا.

3-         لا يمكن أن تتنفس كوباني اقتصاديا دون التخلص من حصار الدولة وتركيا.

4-         تحتاج فكرة الإدارة الذاتية إلى مجهود سياسي اقتصادي، إلا أن الوجه  العسكري لهذه الإدارة بوجود وحدات حماية الشعب يحمل أبعاداً انفصالية، إذ أن الادارة في النهاية يحكم القوة العسكرية.

5-          ومع ذلك فإن pyd ومعه ypg  ماضية في هذا المشروع باعتبار العقد السياسي والعسكري انفرط في سوريا

واقع علاقة  pyd بالنظام السوري.

نجح الأكراد في تجاوز الصدام مع النظام السوري على أساس تفاهمات ضمنية بعدم المواجهة المباشرة، لذا فالكثير من المناطق التي انسحب منها النظام في عفرين والحسكة سيطرت عليها وحدات حماية الشعب ولم تسجل أية عملية قصف جوي من قبل طائرات النظام لتلك المناطق التي يسيطر عليها وحدات الحماية، وهذا التفاهم استثمره الجانبان على النحو التالي؛ بالنسبة للنظام لم يتجه للتصعيد مع الأكراد وحتى يبعد الجانب الكردي عن بقية الحراك الثوري وعدم الالتقاء مع الجيش الحر الذي تفرع فيما بعد إلى كتائب إسلامية، والأمر الآخر سعي النظام إلى تحويل الورقة الكردية ضاغط أمني على الخاصرة التركية.

أما بالنسبة لحزب الاتحاد الديمقراطي استفاد من هذا الأمر بالسيطرة المريحة على معظم أراضي عفرين وكوباني والحسكة ولكن هل pyd عميل للنظام..!؟

العلاقة التاريخية بين النظام السوري وحزب العمال الكردستاني بدأت مطلع الثمانينات حين دعم نظام حافظ الأسد عبد الله أوجلان في حربه ضد أنقرة واستمرت هذه العلاقة حتى اتفاقية أضنه أكتوبر عام 1998.

حينها انتهت العلاقة التاريخية بين النظام السوري وحزب العمال الكردستاني بدأت مطلع الثمانينات حين دعم نظام حافظ الأسد عبد الله أوجلان في حربه ضد أنقرة واستمرت هذه العلاقة حتى اتفاقية أضنة أكتوبر العام 1998 (19).

حينها انتهت العلاقة اللوجستية بين الطرفين بشكلهما الظاهري، وبعد  تفتيت حزب العمال الكردستاني إلى أربع اربع فروع كان pyd الفرع السوري، وعادة ما يرفض pyd أنه فرع لحزب العمال الكردستاني دون أن ينكر أنه متأثر بأفكار أوجلان وذلك لاعتبارات الملاحظة القانونية باعتبار pkk  منظمة إرهابية في حين يمتلك pyd ممثليات ومكاتب في بروكسل وألمانيا. (20)

حين بدأت الثورة ونشط الحراك الثوري في سوريا تجنب pyd الخروج في مظاهرات علنية، بل اتخذ موقفا رافضاً للمشاركة بأي مظاهرة, وقد كانت تلك أول إشارة من الحزب على أنه غير راغب في مواجهة النظام ، لكن هذا لا يعني سيدافع عنه … وسار حزب الاتحاد pyd على بعد أن رفض المشاركة في المواجهة المسلحة ضد النظام على قاعدة “لست مع النظام ولست مع المعارضة” وإنما مع نفسي فقط.

لكن في الحقيقة لم ينقطع الخط يوما مع النظام فقد استحوذ في الحسكة على الساحة الكردية وقمع المظاهرات في بعض الأحيان، وتحت عملية استلام وتسليم لبعض المواقع مع النظام، وفي حلب كانت الحواجز التابعة لـ pyd قرب حواجز النظام.

وتقول قيادات pyd أنهم لا يريدون أن يكونوا بين رماة النظام وطاحون المعارضة، فالنظام يلتزم الصمت حيال سيطرتنا على مناطقنا “ولن نذهب لقتاله إلا إذا هاجمنا ” مسلم

وقد خاض مقاتلو وحدات حماية الشعب عدة معارك مع النظام ضد مقاتلي الدولة الاسلامية.. رغم الإنكار الدائم للمشاركة مع قوات النظام، وقد رصدت وكالة الانباء الفرنسية في أكثر من تقرير التعاون بين القوات النظامية و pyd، كان أخرها 19- يوليو – 2015 “النظام السوري والأكراد في الحسكة”.

هذه المواربة الكردية من تحديد الموقف من نظام الأسد أو بالأصح حسمه، ليست نابعة بالضرورة من تأييده في أقل الأحوال بسبب الاختلاف الأيديولوجي، وإنما هي نتاج لقاء مصالح، إذ يتفق الطرفان بإزعاج تركيا بإدارة ذاتية. ويرى العديد من المؤيدين والمنظرين لحزب الاتحاد الديمقراطي أنه لو تم تخيير الأكراد بين النظام السوري والجماعات الإسلامية سيكون النظام هو الخيار الأسوء لهم.

ويقول مسؤول العلاقات الخارجية في حزب يكتي فؤاد عليكو، ” فعلا إن النظام لم يكن يرغب بالمواجهة مع الأكراد منذ البداية، إنه خطط ونجح في إبعادهم عن الحراك الثوري العام. ويتفق مع ذلك العديد من منظري حزب الاتحاد الديمقراطي ومنهم المسؤول في الإدارة الذاتية مصطفى بالي. (21). ولكن من يتبع المسار الكردي الأوجلاني يرى أن القاعدة تقول “أينما تكون تركيا سنكون في الطرف المقابل.”

والخلاصة أن العلاقة بين الجانبين هي هدنة إلى أجل مسمى قائمة على توافق المصالح، فلا يمكن القول أن pyd ينفذ سياسة النظام بقدر ما هو ينفذ أجندة خاصة تلتقي إلى حد كبير مع أهداف النظام في العمل على تمزيق الجغرافية عبر الأدوات الممكنة، ولا يخفى على أحد رغبة الأكراد في مثل هذا المشروع. ذلك أن الأكراد مستعدين أيضا لمواجهة النظام في حال تم التعرض لمناطقهم التي يسيطرون عليها. (22).

صدى مقاربة أوجلان للأزمة السورية:

كاد تأثير وأفكار عبدالله أوجلان أن تتلاشى من الساحة الفكرية والسياسية الكردية في سوريا لولا الثورة السورية التي أعادت تموضع مؤيديه، وعملوا على إعادة إنتاج أفكاره مرة جديدة بما يتماشى مع المرحلة ومفرداتها السياسية والثقافية. فقد أصبحت صورة أوجلان مرافقة لكل معسكرات التدريب لوحدات حماية الشعب في سوريا، وذلك كان ضرورة فكرية وعسكرية إذ أن التنوع الواسع في المقاتلين من إيران وسوريا والعراق وتركيا يحتاج إلى صورة مركزية تجمع هؤلاء المختلفين في التفكير والعادات.

وتقول مترجمة كتب عبدالله أوجلان إن المرحلة المقبلة على الأكراد هي مرحلة أوجلانية بامتياز، سيعاد إنتاج الروح الأوجلانية لدى الأكراد وما من قوة تمنع تفوق الاكراد في المناطق التي يسيطرون عليها. (23)

أمر في غاية الأهمية جعل الساحة السورية أرضا خصبة لنشاط حزب العمال الكردستاني وهو هدوء الجبهة الجنوبية لتركيا في جبال قنديل وحالة الاسترخاء للخزان البشري المقاتل هناك، هذه القوة البشرية من المقاتلين كان لا بد من تنشيط مهاراتهم القتالية لكي تبقى متقدة، فكانت أحداث سوريا مركز جذب لهؤلاء، وحدث الانزياح إلى سوريا منتصف العام 2012 وتوزع هؤلاء المقاتلين بين عفرين والحسكة وعين العرب وازدادت حدة النزوح العسكري حين اشتد القتال بين وحدات الحماية وجبهة النصرة في منتصف العام 2013 التي سرعان ما انتهت بالتهدئة وتغيير مواقع القتال كل على حسب أولويته واتجهت النصرة إلى مناطق أكثر أهمية بالنسبة لها في دير الزور وإدلب.

أدت سيطرت أفكار أوجلان على الساحة السورية، إلى إزاحة الأحزاب السياسية الكردية التقليدية من الساحة بفعل السلاح والأفكار الماركسية البعيدة عن الواقع السوري الاجتماعي. وأصبح القرار الكردي بيد pyd ورغم تلك السيطرة لم تكن سياسات pyd محط إجماع المجتمع الكردي عموما باستثناء أتباعه التقليديين. وسبب خلافه مع بقية الأحزاب أنه وقف ضد الحراك السلمي الذي قادته تلك الأحزاب في بداية الثورة وذهابه منفردا بقوة السلاح إلى قرار الإدارة الذاتية بشكل غير مدروس للظروف المحيطة” وهو ما يسميه بالطريق الثالث. فضلا عن الخلاف الفكري في المشروعين الكرديين بين الأحزاب السورية التي تقف عن المطالب الثقافية والسياسية وحزب pyd الذي يتجاوز طموحه الطرح الكردي التقليدي في سوريا.

وقد دفعت ممارسات pyd أحد مؤسسييه إلى انتقاده بشكل علني، ففي أغسطس من العام 2013 انتقد عثمان أوجلان شقيق عبدالله أوجلان، ممارسات حزب الاتحاد وأسلوب عمله في المناطق الكردية خصوصا سياسة القطب الواحد واختطاف الساحة الكردية السورية معتبرا أن هذه السياسة تضعف الموقف الكردي. (24)

ومن خلال مراجعة مقاربات أوجلان للأزمة السورية، يبدو أن pyd طبق حرفيا مقاربة “القائد- كما يسمونه”. ففي الشهر الثاني من الأزمة السورية في حزيران العام 2011 قال أوجلان بالحرف ” على الأسد أن يتحاور مع ممثلي الشعب الكردي لأنه بدون التفاهم مع ممثلي الشعب الكردي – ويقصد بممثلي الشعب الكردي حزب العمال الكردستاني- سيسقط نظامه. وهنا يمكن الاستنتاج بشكل غير قطعي أن غياب التأثير الكردي في الثورة السورية وحضور التنسيق الغير معلن بين النظام و pyd لعب دورا في إطالة عمر النظام في المناطق الكردية وإحداث تصدعات في مسار الثورة العسكري حين قرر حزب الاتحاد اختيار “الطريق الثالث” ( لا مع ولا ضد). والتركيز على المكتسبات الحزبية وليس السورية ذات الطابع الشعبي الأعمق. وعلى هذا لم يكن يوما في مصلحة الأكراد السقوط المبكر لنظام الأسد لأن ذلك ربما قد ضيع عليهم فرصة الأقاليم التي نشأت على حساب ضعف الواقع الثوري السوري سياسيا وعسكريا.. واستغلال عامل الوقت في ترتيب المشروع الكردي القومي.

لقد ذهب أوجلان إلى أبعد من المقاربة السابقة للأزمة السورية بعد أن مكن الأكراد وجودهم في الشمال، ففي آذار الماضي 2014 نقل رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح ديمرتاش عن أوجلان دعوته تركيا للتنسيق مع حزب العمال الكردستاني ضد تنظيم الدولة الإسلامية معتبرا أن تحالف تركيا مع العمال سيمكنها من إنهاء التنظيم.

خيارات الأكراد في سوريا:

تنامت الطموحات الكردية لدى حزب الاتحاد الديمقراطي بعد دعم التحالف الدولي لوحدات حماية الشعب عسكريا، واستثمر الأكراد هذه الفرصة في تحصين مواقعهم على الخارطة، ونظموا أجهزة أمنية شديدة في المناطق التي يسيطرون عليها وأصبحوا آذان وعيون التحالف في سوريا. ولم يكن حزب الاتحاد ليشرع في مشروع الإدارة الذاتية لولا الموافقة الأمريكية على هذا الأمر وربما يعتبره الأمر مكافأة مجانية على المشاركة في التحالف ضد تنظيم الدولة. (25)، فقد أعلن الحزب عن قيام هذه الإدارة مرتين قبل التحالف مع الغرب لكن في كل مرة كانت تواجه الفشل فيما انتهت المرة الثالثة بإقامة هذه الأقاليم على أرض الواقع رغم كل المخاطر والصعوبات المحيطة بهذه الأقاليم.

وباختيار pyd  طريق الإدارة الذاتية للأقاليم الكردية الثلاثة (عين العرب – الجزيرة- عفرين)، وتحديد الرقعة الجغرافية المطلوبة لهذه الأقاليم، يكون الأكراد قرروا الحرب الدائمة مع المحيط السوري سواء من قبل الجماعات الإسلامية أو مع بقية الفصائل العسكرية التي تنظر لأي نوع من أنواع الحكم الكردي المنفرد انفصالا. وقد أنهى التدخل التركي الفعلي في الأراضي السورية من خلال مشروع المنطقة الآمنة المطلة على المناطق الكردية الأجواء المريحة للأكراد لاستكمال إقامة مشروعهم وربما يكون العامل التركي بهدم هذه المشاريع الشرارة الأولى لحرب جديدة بين حزب العمال الكردستاني وتركيا في إطار إعادة تموضع القوة الكردية في المنطقة التي لم تعد تركيا تحتمل وجودها بشكل مفرط في الأراضي السورية.

كان الأكراد مهددون بمواجهة حقيقية على الأرض ذات طابع إسلامي عروبي ضد مشروعهم، إلا أن أنهم اليوم في مواجهة إقليمية، حتى أن إقليم كردستان العراق أبدى تحفظات على مفهوم الإدارة الذاتية في سوريا من باب أنها منافسة جديدة فعلية على الزعامة الكردية في المنطقة.. ليزيد هذا الموقف من حجم القوى المناهضة لأي مشروع كردي على الأرض السورية.

المراجع:

(1)- اتصال مع نواف خليل رئيس المركز الكردي للدراسات الاستراتيجية في بروكسل التابع لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD

(2)- حديث خاص مع فؤاد عليكو رئيس العلاقات الخارجية في حزب يكتي الكردي.

(3)- لقاء خاص مع قائد لواء الحق في ريف إدلب حسام غزال.

(4)- حوار عبدالله الغضوي صحيفة عكاظ السعودية.

(5)- لقاء خاص مع قائدة الجبهة الغربية جيمان في عين العرب (كوباني).

(6)- عضو مجلس شورى في جيش الفتح – لقاء خاص-.

(7)- لقاء مع رياض الأسعد في مخيم الريحانية.

(8)- قيادي في الفرقة 13 في حلب- فادي حسين حمادة – لقاء خاص-.

(9) – حوار أجراه عبدالله الغضوي مع صالح مسلم في زمان الوصل.

(10)- مقابلات شخصية مع مقاتلين في عين العرب.

(11)- لقاء مع مصطفى بالي مسؤول رفيع في الإدارة الذاتية في عين العرب (كوباني)

(12)- حوار مع الصحفي سربست علي في عين العرب خلال زيارة خاصة.

(13) جلسة نقاش مع قيادات محلية في عين العرب.

(14) لقاء خاص مع الرئيس التنفيذي للإدارة الذاتية أنور مسلم في عين العرب.

(15)يوم انتظار كامل ومراقبة لأوضاع معبر مرشد بينار على الحدود السورية التركية تخلله لقاءات مع نازحين.

(16) مصطفى بالي.

(17) أنور مسلم (المرجع السابق)

(18) أنور مسلم (المرجع السابق)

(19) هوشنك أوسي – مقال (حزب الاتحاد الديمقراطي والثورة السوريّة: سؤال الأجندة والهويّة).6/5/2014

(20) مركز الدراسات الاستراتيجية الكردي في بروكسل

(21) مصطفى بالي

(22) لقاء خاص مع هارون كوباني قائد الجبهة الغربية في كوباني

(23) هفيدار شيار- مترجمة كتب عبدالله أوجلان – تتحفظ على ذكر اسمها.

(24) صفحة عثمان أوجلان على الفيس بوك.

(25) لقاء خاص مع رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد طعمة.

اقرأ:

الخارطة الفكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD  في سوريا



Tags: مميز