Archived: فورين بوليسي: واشنطن أفشلت المحادثات السورية

إدارة أوباما زادت من احتمالات الفشل. فميلها الأخير تجاه موقف روسيا من مصير الرئيس بشار الأسد –القبول بدور مستقبلي له في الانتقال السياسي- قوّض مقومات النجاح
المدن-

نشرت مجلة “فورين بوليسي” الإثنين، مقالاً للكاتب ستيفن هايدمان، بعنوان: “الولايات المتحدة أفشلت المحادثات السورية قبل أن تبدأ”.

وقال هايدمان: عندما بدأت المفاوضات الأخيرة لانهاء الصراع الدموي الطويل في سوريا، الجمعة، كان هناك طرف غائب بوضوح. وبينما تجمّع ممثلو وديبلوماسيو نظام الأسد في جنيف، فإن “الهيئة العليا للمفاوضات” المظلة الرئيسية لمجموعات المعارضة رفضت الحضور، إلا إذا توقفت الغارات الجوية وحصار المدن، وهي شروط لم تتحقق.

خلال عطلة نهاية الأسبوع، هيئة التفاوض العليا، انتقلت إلى جنيف، ولكن وضع المحادثات بقي غير واضح. ورغم أن هذه الأزمة أخرجت اللقاء عن مساره، ومع ذلك، إدارة أوباما كانت من الثبات في تصميمها على إجراء محادثات جنيف. التعبير عن تفاؤل حذر خلال شهور قاد إلى اللقاء، ووصف وزير الخارجية الأميركية جون كيري المحادثات بأنها أفضل فرصة “لرسم طريق الخروج من الجحيم”.

ورغم ذلك فإن النجاح في جنيف غير مرجح، ليس بسبب تصلب المعارضة. بل لأن إدارة أوباما زادت من احتمالات الفشل. فميلها الأخير تجاه موقف روسيا من مصير الرئيس بشار الأسد –القبول بدور مستقبلي له في الانتقال السياسي- قوّض مقومات النجاح، وأضرّ بالمصداقية الأميركية لدى المعارضة، وتسبب في تآكل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. هذه النقلة في السياسة الأميركية جعلت التسوية عن طريق التفاوض أمراً أقل احتمالاً. بل أسوأ من ذلك، فقد تحفّز لاستمرار التصعيد في النزاع السوري.

وليس من المتأخر بالنسبة للإدارة الأميركية، أن تُغيّر الاتجاه، ولكن الاحتمالات بأن تفعل ذلك، ضعيفة. فالرئيس باراك أوباما، مائل إلى الدفاع الذاتي عن مقاربته للحرب الوحشية المستمرة منذ خمس سنوات في سوريا، والتي تهدد بتقويض استقرار الشرق الأوسط، ودفع أمواج من اللاجئين إلى أوروبا. وقد أوضح بأنه لن يتخذ سوى خطوات ضرورية لاحتواء النزاع، ولا شيء آخر. وعلى الرغم من الدليل على عدم احتواء الصراع السوري، فإن أوباما استمر في تنحية النقد الموجه له بأنه “لم يكن حازماً بما يكفي” جانباً، ووصف الخيارات التي طرحت عليه بأنها بلا معنى ” mumbo jumbo “.

مسؤول رفيع في “البيت الأبيض” اشتكى بأن العروض لتوسيع التدخل الأميركي، نصحت باتخاذ خطوات فعلية، ولكنها لم تأخذ في الحسبان ماذا سيحدث بعد ذلك.

وإذا اخذنا بشكل جدي، ادعاءات الرئيس الأميركي حول صرامة عملياته السياسية، فما الذي نفهمه عن التمحور الذي قاده كيري، بالتحالف مع روسيا، لرفض تغيير النظام؟ أو عن تقلبات الإدارة في قبول احتمال بقاء الأسد في السلطة في سوريا، وهو المتورط في جرائم حرب ضد الإنسانية، وحالياً يقوم بتجويع المدنيين في بلدة مضايا. هذه التنازلات لروسيا تخرق جوهر مبدأ أوباما، القائل: “لا تقم بالأمور الغبية -Don’t do stupid shit-“. أكثر من ذلك، فالتنازلات تعكس فشل الإدارة في التفكير بما سيحدث تالياً، أو كيف يمكن لتلك التغييرات في السياسة أن تساعد الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها.

هل فكر البيت الأبيض، مثلاً، في كيفية تجاوب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع التغيرات في موقف الأميركيين من مصير الأسد؟ من الواضح أنه لم يفكر. فبعد أقل من 24 ساعة، من موافقة مجلس الأمن على خطة الانتقال في سوريا، والمصممة استجابة للمطالب الروسية، أعرب بوتين عن جهوزية روسيا لارسال تجهيزات عسكرية متقدمة إلى سوريا، “في حال الضرورة”، للتأكد من نجاة الأسد. ورغم المطالبات العالمية، فإن قوات بوتين في سوريا تستمر في ملاحقة الجماعات المعارضة التي تأمل الولايات المتحدة في جلبها إلى الطاولة في جنيف، بل تستمر روسيا في قتل مئات المدنيين في تلك العمليات.

هل قيّم البيت الأبيض بشكل نقدي المطبات الموضوعة في وجه القرار الأممي الداعي لإجراء السوريين انتخابات خلال 18 شهراً، باشراف أممي، والمستندة على دستور لم يكتب بعد، من قبل هيئة لم تتشكل بعد؟ الانتخابات ما بعد النزاع هي عمل محفوف بالمخاطر. وبعد خمس سنوات من الدمار، مع نصف سكان سوريا كنازحين، ولا شيء من العمل التمهيدي للانتخابات قد بدأ، فما هو  السرّ غير المنطقي الذي يدفع الإدارة الأميركية للموافقة على انتخابات عاجلة تحت شروط تبدو إعادة اشعال للعنف بدلاً من إجازة إعادة بناء للمجتمع السوري ما بعد النزاع؟

هل توقع البيت الأبيض كيف يمكن لذلك القرار أن يؤثر على عملية الرياض –جهود السعودية لتوحيد المعارضة السورية حول رؤية مشتركة لمستقبل البلد؟ تصريح كيري عن النقلة في السياسة، جاء بعد أيام من أكبر تجمع لممثلي مجموعات المعارضة السورية في الرياض، وأنتج بيان مبادئ عن العملية الإنتقالية السورية، والتي تلتقي مع العديد من تطلعات الروس، ولكنها أيضاً تؤكد وجهة النظر القائلة بأن السلام في سوريا غير ممكن مع بقاء الأسد في موقعه. ومن دون ربح واضح، ضحّت الولايات المتحدة بالفعالية التي خلقتها عملية الرياض، حول مصير الأسد. وبدلاً من ذلك، قدّم البيت الأبيض حوافز جديدة للسعوديين لمواجهة التصعيد الروسي في سوريا، ودفع هيئة التفاوض العليا لمقاطعة افتتاح المحادثات، واضعاً لهجة تحدٍ لما سيتبع.

في شرح النقلة في سياسة الإدارة، عبّر كيري عن قناعته بأنه حالما تبدأ المفاوضات فإنها ستؤدي الى نتائج تلتقي مع طلبات المعارضة. عبر استرضاء روسيا، كما يبدو أن كيري يعتقد، فإن روسيا ستفرض نفوذها على نظام الأسد، وتجلبه لعملية ديبلوماسية، وبشكل نهائي سيقبل الانتقال الذي رفضه بشكل ثابت.

لسوء الحظ، فإن كلا هذين الإفتراضين خاطئ. فقرار روسيا بإرسال قوتها الجوية لدعم عمليات النظام الأرضية حفظت نظام الأسد، ولكن لم تظهر إشارات واضحة حول فرض موسكو لنفوذها على الأسد لقبول عملية انتقالية ذات معنى. خلق جو من عدم الوضوح حول موقف الولايات المتحدة من مصير الأسد، سيديم فقط الغموض الذي سيستغله النظام وروسيا. وعدا أنه غير مفضٍ إلى نتائج تنهي الصراع السوري، فإنه سينتج بشكل أقل بكثير ظروفاً لسلام مستدام.

هل ستتجاوز محادثات جنيف العقبات الراهنة؟ سيكون ذلك مثمراً أكثر، لو وازنت الولايات المتحدة العزم الروسي بدلاً من نشر الغموض فقط لجلب اللاعبين إلى الطاولة. وعلى الرغم من تشديد كيري على أن سياسة الولايات المتحدة لم تتغير، فإن هذه الإدعاءات ذات مصداقية قليلة بين السوريين. فتصور المعارضة لميل الولايات المتحدة باتجاه روسيا، يعزز من تردد هيئة التفاوض العليا إزاء رميها في عملية يتم خلالها تقويض موقعها، من قبل الولايات المتحدة. وبينما ابتدأت محادثات جنيف فالمعارضة بحاجة إلى ما هو أكثر من تأكيدات ضبابية.

ويحتاج البيت الأبيض لتوضيح التزامه باستراتيجية سورية شاملة، تعالج نظام الأسد وتنظيم “الدولة الإسلامية”. يجب أن يصر بأن التركيز في محادثات جنيف هو الانتقال السياسي، حتى لو تزامن مع دعم قوي لاجراءات بناء الثقة بين المعارضة والنظام، بما يتضمن انهاء التجويع لبلدة مضايا والاستخدام للبراميل المتفجرة. دعم الروس لانهاء الحصار سيكون اختباراً حقيقياً لنفوذها، ولالتزاماتها بالعملية الانتقالية عبر التفاوض. ويجب على البيت الأبيض أن يرفض بوضوح ادعاءات نظام الأسد المتهافتة بأن الانتقال لن يكون ممكناً حتى استبعاد الإرهاب.

ملاقاة العزم الروسي، سيتطلب من الولايات المتحدة إعادة تأكيد رؤيتها بأن الأسد غير شرعي، وأن ترفض الجهود الرامية لتمييع شروط مؤتمر “جنيف-1″، التي أقرتها الأمم المتحدة في حزيران 2012، واستبعاد أي غموض حول أولوية رحيل الأسد من السلطة في نقطة معينة من العملية الانتقالية. ويتوجب على إدارة أوباما أن توضح بأن تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254 لا يمكن أن يقوّض “جنيف-1” ومحتواه من الشروط التي ستساهم فيها الانتخابات السورية في التعافي مما بعد النزاع.

بعد خمس سنوات من المأساة، يستحق السوريون، من البيت الأبيض، أفضل من سياسة تنحاز للعملية على حساب الجوهر. وإذا كانت هذه المحادثات طريقاً للخروج من الجحيم، فإن لدى الولايات المتحدة التزاماً بالتأكد من أن الطريق محدد بوضوح ويفضي إلى نتائج لا تديم ببساطة النزاع السوري. 





Tags: مميز