Archived: د. إبراهيم الجباوي : أستذكر بألم … ممارسات الطائفية..

د. إبراهيم الجباوي :  كلنا شركاء
حتى الأمس القريب كنا إذا دخلنا دائرة حكومية ( أي دائرة لا على التعيين لأن جميعها متماثل) كنا نرى ونتعرف على أن المدير يجب أن يكون ممن هم محسوبون على دائرة النظام (من الطائفة العلوية) ورئيس القسم كذلك، وحتى عامل المقسم، والسائق ـ لكن ليس أي قسم ـ فقط الأقسام التي يمكن أن تكون منبع للرشاوى أو السرقات ـ وإذا ما صدف أن كان المدير غير ذلك، فيكون مدير مكتبه حكماً من تلك الفئة، ويكون هو الآمر الناهي في المديرية، ولا ننسى المسئول الأمني، الذي يكون حتماً من نفس الفئة، وهنا لا يملك المدير الجرأة بأن يمنح إذناً ساعياً لأي عامل، دون المرور على مدير المكتب، أو المسئول الأمني في تلك الدائرة …
هذا على الصعيد المدني … أما على الصعيد العسكري، الجيش والشرطة، فمن خلال معرفتنا ومعايشتنا، لاحظنا وعايشنا أن القادة الفعليين هم من الدائرة الأولى أو الثانية لفئة النظام، في كافة المفاصل والمواقع، وإن صدف وكان قائداً ليس من تلك الفئة، نلاحظ أن نائبه، ورئيس أركانه يكونان منها، بحيث يكون الأمر والنهي، واتخاذ القرارات، لأحدهما دون القائد الفعلي، وما على هذا القائد سوى التوقيع شاء أم أبى …
أطرح مثال بسيط جداً ( اتصلت هاتفياً مع أحد قادة الفرق ـ وهو من الطائفة السنية ـ وبعد التحية والسلام طلبت منه إذناً قصيراً لأحد العسكريين الذي يخدم تحت أمرته، فصمت برهة، ثم قال: انتظر دقيقة، ولكنني ومن خلال سماعة الهاتف، سمعته يتكلم مع أحدهم، وكأنه موجود بجانبه للصدفة، أو لغير ذلك، ويقول له: سيادة اللواء هاد اللي معي على الخط قريبي -عميد بالشرطة المدنية- عم يطلب إذن كم يوم للعسكري الفلاني، إذا بتريد في مجال نبعثه؟؟؟ فأجابه اللواء وعلى مسامعي: تكرم معلم، هلق ببعثو ثمان وأربعين ساعة، فرد القائد المعلم: شكراً جزيلاً سيادة اللواء، ولكن شو مشان ضابط الأمن؟؟؟ ممكن يسأل عن هذا العسكري؟  عندها استشاط اللواء غضباً مصطنعاً وقال: قرررررد، شو هالكر هيدا، إزا سأل قلو أنا اللي بعثته .. ثم واصل حديثه معي قائلاً: تكرم ابن العم، اليوم راح أبعثه لك إجازة يومين، ولا يهمك، غالي والطلب رخيص أبشر… طبعاً شكرته متجاهلاً حواره مع اللواء الآخر …
هذا المثال أخوتي ينطبق على كافة القادة من غير العلويين مهما علت رتبته ومرتبته ومهما كانت شخصيته قوية …
أما في جهاز الشرطة، فكان الأمر أسهل نوعاً ما، ولكن عنصر الأمن السياسي المكلف بمراقبة أدائنا كان يسأل، في كثير من الأحيان، عن سبب غياب أحد العناصر الذي يكون قد منح إجازة خاصة مثلاً، بسبب واسطة أو لصلة معرفة، بعد أن نضمن خط الرجعة، لذلك كنا نطلب ممن نمنحهم الاجازة أن يتقدم بطلب خطي تسلسلي، ليحظى بموافقتنا عليه، وحينما يأتي عنصر الأمن مستفسراً، نطلب من رئيس القلم اطلاعه على طلب الاجازة وتوقيع درجات التسلسل، والسبب، وبالتالي يكون القائد الذي منح الاجازة قد رفع المسؤولية عن كاهله، ليتحملها الجميع، فتكون النتيجة أن الاجازة قانونية … وهذا التصرف لا ينحصر في الإجازات، لكن ينبغي أن نقيس كل الحالات، في كافة المجالات، على أبسط الحقوق الذي هو الإجازة …
هذين المثالين حصرتهما في الاجازات أو الأذون القصيرة لأنهما حقين من حقوق الموظف أو العسكري، وهما أيضاً من صلاحيات المدير أو القائد، وينبغي عدم التدقيق عليها …
أما في المقلب الآخر، فكان هناك موضوع ما يسمى “التفنيش” الذي كان سائداً في صفوف الجيش، ولكن من هم القادرين على التفنيش؟؟؟ فقد تجد رتبة متوسطة أو صغرى، تقوم بالتفنيش، إلّا أنه مدعوم!!! ولا أحد يسأله عن تصرفه -كونه من الدائرة الضيقة أو ما شابهها- وإن صدف لأحدهم، من غير هذه الدائرة، أن منح إجازة ليست “تفنيشاً” فيتم التحقيق معه على أنه يسهم في زعزعة صفوف الجيش الباسل، ويبيع الجولان، ويصنف كخائن للمقاومة والممانعة، ولا يتمتع بالحس الوطني!!!
وقس ذلك على كافة المجالات، كالإمداد، ولجان الشراء والبيع، وأمانة المستودعات، وما الى ذلك -من منافذ السرقة، التي كانت تولَّى لأشخاص محددين، ان لم يكونوا مدعومين، فإن أحد الأعضاء أو المساعدين لهم حكماً يكون مدعوماً، ويكون هو صاحب الأمر والنهي في ذلك المجال- …
ماذا وماذا أستذكر .. هل أستذكر أن أي مدير أو رئيس قسم من غير فئة النظام، إن لم يقم بتأدية الأتاوى لرئيسه الأعلى، أو المسؤول الأمني عنه، وتعنت مجابهاً بذلك، تتم النقمة عليه، ويبدأ مسلسل التحقيقات بحقه، ليفاجأ بتهم ما أنزل الله بها من سلطان، وإن أبدى أعذاراً، أو عدم إمكانية تنفيذ الأتاوى، يتم فوراً إعفائه من منصبه، ويكون محظوظاً إن لم يرافق الاعفاء اية عقوبة أو تهمة مبررة لهذا الاعفاء!!!
ونفاجئ اليوم بمن يقول: لم نكن نسمع بالطائفية قبل الثورة ؟؟؟ لأقول له: ألم نقل دائماً وفي أي مجلس ثنائي أو أكثر: انتبهوا الحيطان لها آذان؟؟؟ فيا محلا الحيطان، حينما تجد أن الغدرات تأتيك من أقرب أقربائك، حينما ينقل حرفياً ما شكوته له، عن معاملتهم لك ، وكيف يجيرونها إلى الطائفية، ليرقى قريبك هذا إلى أسمى درجات الوطنية –وجاهة، وفي الغياب يسخرون منه- وأنت تصنف بانك تتعامل مع الآخرين بالطائفية!!! ويقولون لنا اليوم: لم نكن نسمع بالطائفية قبل الثورة !!!! عجباً…
لا أطيل أكثر من ذلك، وأكتفي بما قدَّمت من أبسط الأمور -الروتينية العادية- التي قد لا تقدم، ولا تؤخر، في دوران عجلة حياة دولة …
ولكن الثورة مستمرة ومنتصرة بإذن الله





Tags: مميز