on
Archived: د. فواز تللو: انتبهوا هكذا تُجمع التبرعات وتصل إلى مضايا والمناطق المحاصرة
د. فواز تللو: كلنا شركاء
أسئلة مهمة بل لغز فيما يتعلق بكيفية وصولها، يختفي في ثنايا إجاباتها الكثير الذي لابد أن يعلمه السوريون وغير السوريين، الذين اندفعوا بنبل للتبرع في كل مناسبة وآخرها مضايا التي أجزم أن ملايين الدولارات قد جُمعت باسمها خلال الأيام القليلة الماضية فقط.
أولاً – هناك أربعة أنواع من جامعي التبرعات:
- أشخاص وجمعيات تخصص تقريباً كل التبرعات للهدف أي أن كتلة الرواتب والنفقات والأجور ثانوية أو غير موجودة وليست الهدف من إنشاء الجمعية، وهذه الجهات لا تهتم عادة بالظهور الإعلامي ولا تتقن ولا تروجً لعملها وتتبع غالباً “لا تدري شماله ما تنفق يمينه” لذلك تحصل على النسبة الأقل من التبرعات.
- أشخاص وجمعيات تهتم بالظهور وتروج لنفسها لكنها في النهاية توصل معظم التبرعات لأصحابها فكتلة الرواتب ثانوية أو ليست موجودة وليست هدفاً، لها بقدر الظهور الإعلامي لأسباب “شخصية” مختلفة ولا ينفي ذلك حسن نيتها وتفاعلها مع الحدث.
- أشخاص لصوص يستغلون الأمر والاندفاعة العاطفية ويقع في شباكهم البعض لكن نسبته قليلة ويتحمل مسؤولية ذلك المتبرع بسذاجته.
- جمعيات تتعيش على الثورة السورية وما اكثر مثل هذه المؤسسات في مجالات مختلفة وليس في الإغاثة فقط، وهي مهنة باتت مربحة لكثير من المتعيشين من الثورة، وهي عملياً الأكثر حضوراً وتحظى بكتلة كبيرة من الدعم الدولي والخاص بسبب حضورها الإعلامي وإتقانها لعبة السياسة والإعلام وإرضاء الجهات المانحة وسياساتها حتى لو كانت أهدافاً معادية للثورة، فهذه المنظمات “الثورية” “تعرف من أين تؤكل الكتف”، ويكون الهدف والأولوية عادة اقتطاع جزء مهم من كل التبرعات والمنح لكتلة الأجور الكبيرة والنفقات والمصاريف غير المبررة غالباً المرافقة لنشاط الجمعية والتي تهدف للترفيه عن أصحابها المؤسسين من ناحية والصرف على الترويج لتعزيز صورة الأشخاص والجمعية من ناحية ثانية، كما قد يذهب جزء بسيط لناشطين ثانويين تستغلهم ويقومون عملياً بكل العمل الميداني الصعب مقابل “فتات” الأجور بالمقارنة، مع العلم أن مجال نشاط هذه المؤسسات هو “النهر الجاري” المتمثل بالتعيش على قضايا اللاجئين بالدرجة الأولى والسوريين في المناطق المحررة غير المحاصرة بالدرجة الثانية، لكنها تستغل فرصة “الساقية المتقطعة” التي يتيحها التركيز الإعلامي من وقت لآخر على “المناطق المحررة المحاصرة، فتنشط لجمع التبرعات وترويج صورتها إعلامياً، ويمكن اعتبار هذ الجهات الأخطر على الثورة السورية وتمثل ثقباً أسوداً يمتص الدعم الممنوح باسم معاناة السوريين، وتمثل مع الأسف غالبية اليوم بين الجمعيات التي تظهر على السطح في مجالات عديدة.
ثانياً، كيفية وصول المساعدات للمناطق المحاصرة:
من المعلوم أن الحصار مطبق، فكيف يصل المال ومن أين تأتي المواد الغذائية التي يمكن أن يشتريها المال، هو لغز لدى كثيرين لابد من توضيحه، فالأمر وما يرافقه من نتائج يمر بالمراحل التالية:
- يتم إرسال المال عبر حوالات نظامية وبالعملة الصعبة وعبر منافذ صرف وتحويل موجودة في مناطق سيطرة النظام وتحت إشرافه.
- يخرج أشخاص معتمدون من قبل النظام ومقربون منه وعلى صلة مباشرة بأجهزة مخابراته، يخرجون من داخل المناطق المحاصرة للخروج واستلام المبالغ، وهم أشخاص معلومون للجميع لكن لا يقترب منهم أحد باعتبارهم شراً لا بد منه فلا احد يخقوم بهذه المهمة إلا من يختارهم النظام وهم على الأغلب قريبون من الطابور الخامس الذي يروج لما يسمى “المصالحات” مع النظام.
- يستلم هؤلاء المبالغ بالليرة السورية بعد أن يتم احتسابها بالسعر الرسمي الذي يكون عادةً اقل من سعر السوق الحقيقي، وذلك بعد أن يقدموا كشفاً بالجهات المرسلة والمرسل لها ليتم أرشفتها لدى المخابرات لاستخدامها عندما ترغب، وهنا يحقق النظام اولى مكاسبه حيث على العملة الصعبة الثمينة التي يفتقدها بشدة، كما يخسر المبلغ جزءاً من قيمته بسعر الصرف “الرسمي”، كما قد يتم اقتطاع جزء منه قبل عبوره للمناطق المحاصرة كخوة من أجهزة المخابرات والحواجز التي يمر عليها الوسيط في طريق عودته.
- يتم توزيع المبالغ على الجهات التي أُرسلت لها بالليرة السورية التي تنخفض باستمرار.
- يدخل تجار محسوبون غالباً على النظام ومخابراته ومشاريع ولجان “مصالحاته”، يدخلون المواد الغذائية عبر حواجز النظام التي تبيعهم بأسعار هي 10-20 ضعفاً عن سعر السوق قبل الحاجز لترتفع قيمتها بشكل جنوني بعد الحاجز ويضع النظام ومخابراته وعسكره وشبيحته الأرباح في جيوبهم بعد توزيعها بين أطراف هذه العصابات، مع ملاحظة الصعوبات الكبيرة لتسرب المواد الغذائية إلى الأماكن المحاصرة، مع استثناءات مثل تهريب المواد عبر أنفاق من مناطق المصالحات المجاورة حيث تكون الأسعار أقل لكنها تبقى أعلى بكثير من مناطق النظام المجاورة قبل الحاجز.
- يشتري الناس الذين حصلوا على المساعدات النقدية هذه المواد الغذائية مضطرين بهذه الأسعار الجنونية.
- وهكذا يستفيد المحاصرون بما لا يزيد عن 10% من القيمة الشرائية الحقيقية للمبلغ الذي تم إرساله الذي يفقد على هذا الطريق ما لا يقل عن 90% من قيمته الشرائية تذهب عملياً لخزينة النظام وشبيحته بالأشكال التي ذكرناها.
ملاحظة لابد منها: الجمعيات في مناطق النظام تعمل بعلم النظام ومخابراته وإشرافهم وتعمل فقط على توزيع المساعدات على عائلات قتلى وجرحى ومقاتلي شبيحة النظام الأسدي مع استثناءات استعراضية لا تُذكر، فتوزيع المساعدات بعيداً عن هذه الجمعيات ثمنها الاعتقال والموت أحياناً، باستثناء المساعدات التي تأتي بشكل فردي ومباشرة للمستحق من أقرباء وأصدقاء أو متبرعين في الخارج، حيث يكتفي النظام بتسليم المبالغ بالليرة السورية وبسعر الصرف الرسمي، لذلك وفي حال التبرع لأشخاص في مناطق سيطرة النظام فإنه يفضل التبرع مباشرة للمستحق المستهدف لضمان وصول المبلغ وامان الجهتين المتبرع والمتبرع له، بعيداً عن أي جمعيات او نشاط جماعي في مناطق النظام غالبيتها الساحق مشبوهة حتى لو تسترت بأشخاص يوحون بالثقة، فلا شيء يمر بعيداً عن اعين المخابرات.
وفي الختام: المغزى هنا ليس الامتناع عن التبرع فليس أمامنا غير التبرع حتى لو كان الثمن فقدان جزء كبير أو صغير من تبرعاتنا مع كل مهزلة الابتزاز والعار هذه التي تجبرنا عملياً على تمويل القتلة لإطعام محاصرينا فما من طريق آخر، إنما المغزى هنا هو الدعوة لكي نفهم وبالتالي “نعقل ثم نتوكل” في رسالة لجهتين: أولاً للمتبرعين بأن يتخيروا ويتفحصوا بعناية الجهة التي يتبرعون من خلالها، وثانياً للجمعيات التي يجب أن تحرص على تخفيف نفقاتها وحرص على تخفيف “الفاقد” على الطريق الذي ينتهي بوصول المال لمستحقيه وذلك باختيار الطرق بعناية والتوقيت المناسب، فمثلاً لم يصل أي مبلغ نقدي إلى مضايا حتى اللحظة فهناك قرار سياسي للنظام بذلك يتجاوز عملية الابتزاز المعتادة، أيضاً من الجنون اليوم إرسال التبرعات لمضايا مباشرة بعد أن دخلت بعض المساعدات الدولية التي ستوزع مجاناً، وحتى توقف دخول المواد بهذه الطريقة يُفضل الانتظار حتى يتم تخفيف الحصار من قبل المجرمين المرتزقة بسبب الضغط الدولي ليقوموا بالسماح بمرور مواد غذائية بكميات معقولة بعد انقضاء موجة المساعدات الدولية المجانية مع فرض خواتهم على الذي سيمر بعيداً عن الأمم المتحدة كما يجري في مناطق أخرى كالغوطة الشرقية مثلاً، وبالتالي ستنخفض الأسعار حينها إلى حالة الحصار العادي فهي اليوم تصل إلى مائة ضعف بدلاً من عشرة أضعاف مثلاً، وبذلك ترتفع القيمية الشرائية للتبرعات قدر الإمكان ويكون هناك من داعٍ للشراء لأن القوافل الدولية توزع المساعدات اليوم مجانا، أما ضمان وصول التبرعات العينية وليس النقدية عبر الأمم المتحدة بما يحافظ على قيمتها الشرائية فأمر جيد عن تحقق… ومالنا غيرك يا لله.
فواز تللو – كاتب وسياسي سوري
برلين – ألمانيا 13/01/2016
Tags: مميز