العميد الركن أحمد رحال: (فيتو) أمريكي روسي … يصدم أنقرة ويجمد درع الفرات

العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

لم تكن الضغوط التي تعرضت لها “أنقرة” خلال سنوات الثورة السورية بالقليلة, ولم تتعرض “تركيا” مسبقاً لتلك الهزات والنكبات التي وصلت لحد تمويل ودعم انقلاب عسكري على قادتها المنتخبون من الشعب, تلا ذلك حرب اقتصادية ذهبت بأكثر من نصف قيمة الليرة التركية مقابل العملات الغربية وما زالت تتعرض لمزيد من الهزات التي تمس دخلها القومي المتمثل بالسياحة عبر عمليات التفجير الإرهابية التي وصل عددها لما يفوق الخمسين تفجيراً خلال اقل من عامين وليحصد مزيداً من الضحايا ومزيداً من النزيف الاقتصادي التركي.

لكن تلك الهزات وتلك الصدمات بالتأكيد لا تبرر الاستدارات السياسية التي مارستها أنقرة بناءاً على المستجدات السياسية والعسكرية المحيطة بها, فسياسة الدول لا تٌبنى على قرارات انفعالية بل تٌقام بناء على استراتيجيات مبنية على قراءات معمقه وإدراك ومعرفة لأجهزة الدولة ذات الاختصاص وعلى رأسها وزارة الخارجية.

تركيا التي اعتمدت في سياستها الخارجية بما يخص الشأن السوري بعد اندلاع الثورة على دعم حلف “الناتو” وعلى الولايات المتحدة الأمريكية, لكنها في كثير من المواقف وجدت نفسها وحيدة وحتى ممنوعة من التصرف وخصوصاً في موضوع حزب الاتحاد الديموقراطي وذراعه العسكري “جناح البي كي كي” في سورية, ومع إسقاط طائرة تركية من قبل دفاعات الأسد وجدت أنقرة نفسها وحيدة مرة أخرى ومرفوع الغطاء عنها “أطلسياً”, وعندما أرادت “أنقرة” إقامة المنطقة الآمنة اصطدمت بفيتو “أوبامي” أيضاً, إسقاط الطائرة الروسية كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير ومعها وجدت “أنقرة” نفسها معزولة غربياً بمواجهة “الدب” الروسي, ومع زيارة للرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” للعاصمة “موسكو” كانت الاستدارة التركية والتي تم من خلالها حل الخلاف, ومعها بدأنا بإستراتيجية تركية جديدة تمخضت عن اجتماع ثلاثي (روسي, تركي, إيراني) أنتج لنا اجتماع “أستانا1و2” لكن سرعان ما تبخرت الآمال بهذا التلاقي وبصدام تركي- إيراني حول الكثير من الملفات أهمها التوغل الإيراني في الأراضي السورية وتهديد المصالح التركية.

مع جولة الانتخابات الأمريكية دغدغ المرشح الأمريكي “دونالد ترامب” (قبل أن يصبح رئيساً) الأتراك عبر تصريحات وصفت الدور التركي بالمحوري والهام, وأن إدارة الرئيس “أوباما” أخطأت بتعاملها مع تركيا في مجمل ملفات المنطقة, ومع تلك التصريحات وبعد خلافات تكشفت في اجتماع “أستانا2” كانت الاستدارة الثانية للأتراك عبر العودة لحضن “الناتو” وبالتقاط لتصريحات أمريكية (ترامبية) حول نيته إنشاء مناطق آمنة في سورية.

عملية درع الفرات التي كانت نتاج توافقات تركية- روسية ونوعاً ما أمريكية, ومع تلك التوافقات تقدمت فصائل الجيش الحر المدعومة من وحدات الجيش التركي أرضاً وجواً باتجاه مدينة “الباب” وحررت ما يقارب (2000)كم2 من الشمال السوري والريف الشرقي لمدينة “حلب”, وفجأة بدأ التضييق عليها جنوباً وتم قطع سبل التقدم من قبل روسيا وميليشيات إيران ونظام الأسد, وبذلك أصبح محتماً على عملية “درع الفرات” الانعطاف نحو الشرق لإكمال المهمة كما كان مخططاً لها عبر طرد ميليشيات سورية الديموقراطية من مدينة “منبج” وفقاً لتفاهمات مسبقة مع الإدارة الأمريكية السابقة من خلال عدم تواجد أي ميليشيات كوردية في غرب الفرات.

التطورات العسكرية في محيط ومدينة “منبج” كان مشهداً عسكرياً دراماتيكياً, بدأ بإعلان ما يسمى “مجلس منبج العسكري” وهو التابع لميليشيات “قسد” بتسليم المدينة ومحيطها لنظام الأسد, ثم ليتراجع عن ذلك التصريح ويحصر تسليم النظام فقط لمناطق التماس مع فصائل الجيش الحر العاملة في “درع الفرات” في محيط بلدة “العريمة” وذلك بعد تقدم قوات أمريكية خاصة تمركزت بداية شمال غرب مدينة “منبج” ثم ما لبست أن دخلت إلى شوارع المدينة, ترافق ذلك مع دخول قافلة روسية في ظاهرها قافلة “إغاثة” وفي مضمونها عربات قتالية.

تعقد المشهد العسكري الميداني استدعى اجتماعاً ثلاثياً لرؤساء أركان الجيوش الأمريكية والروسية والتركية في مدينة “انطاليا” في جنوب تركيا, ذلك الاجتماع الذي كان مقرراً مسبقاً لمناقشة أمور الإرهاب في المنطقة لكن التطورات العسكرية في محيط مدينة “منبج” أرخى بظلاله على الاجتماع إضافة لدراسة تحضيرات ومكونات فرقاء معركة “الرقة” التي ينتظرها الجميع.

اجتماع رؤساء الأركان لم يكن موفقاً من حيث الوصول إلى نتائج توافقية حتى بعد تمديده ليوم إضافي, فالخلاف الأمريكي- التركي طغى على أجواء الاجتماع والخلاف القديم الجديد حول الدعم الأمريكي لميليشيات سورية الديموقراطية “قسد” التي تصنفها تركيا إرهابية عاد ليظهر من جديد خصوصاً مع إصرار “واشنطن” على إسناد الدور الرئيسي والمحوري لتلك الميليشيات في معركة الحرب على “البغدادي” في عاصمته “الرقة”.

ما رشح عن المبررات الأمريكية أنها تخشى من الخلفية الإسلامية لبعض فصائل الجيش الحر إضافة إلى العداء المطلق بين تلك الفصائل وبين ميليشيات “قسد” وبالتالي لا يمكن اعتمادهما في جبهة واحدة, لكن ذكاء الأمريكان لم يلتقط نقطة غاية بالأهمية من أن ميليشيات “قسد” وبتاريخها الأسود في قرى جنوب الحسكة وقرى جنوب “عين العرب” التي أحرقتها وهجرت سكانها ومنعتهم من العودة لمساكنهم, وبالتالي وأمام تلك الوقائع وخوفاً من مصير مشابه قد يلجأ الكثير من الشباب “الرقاوي” لأن يكونوا سنداً وداعماً وخزاناً بشرياً لتنظيم “داعش” في دفاعه عن “الرقة”, ونقطة أخرى من أن عدم اشتراك الأتراك قد يجمد كل أعمال التأمين اللوجيستي لمعركة “الرقة” عبر الحدود التركية بما فيها الإنقاذ والتأمين القتالي وحتى استخدام قاعدة “أنجرلك” العسكرية.

القراءة العسكرية الآن في مدينة “منبج” ومحيطها تقول أن القوات الأمريكية ولأول مرة أصبحت قوات “حفظ سلام” بين ميليشيات “الاسد” والجيش الحر من جهة, وبين ميليشيات “قسد” وفصائل عملية “درع الفرات” من جهة أخرى, وعلى المقلب الآخر فإن فصائل الجيش الحر والقوات التركية العاملة في عملية “درع الفرات” أصبحت في حصار فرضه عليها “فيتو” مشترك ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تمنع تقدمها وتمنع تمددها وتحاصر تحركاتها وقد تمنع اشتراكها في معركة “الرقة”.

الإصرار الأمريكي على مفردات ومكونات معركة “الرقة” ضد تنظيم “داعش” وإصرارها على أبقاء تلك الميليشيات في مدينة “منبج” شرقي الفرات, تًعطي ولو بصورة مبسطة أن عملية التقسيم قادمة إلى المنطقة, وأن حدود العمل العسكري الذي تفرضه “واشنطن” وخلافها مع “تركيا” يصب كله في خارطة التقسيم المخفية التي تحدث عنها “بشار الأسد” برسالته لواشنطن في منتصف عام 2013 والتي تضمنت خارطة التقسيم المستقبلية في سورية في حال فشله باستعادة كامل الجغرافية السورية وإجهاض الثورة, والتي تكفل بنقلها أحد رجال الأعمال الإسرائيليين إلى إدارة الرئيس “أوباما”, والروس ليسوا بعيدين عن تلك السيناريوهات, فمنذ أيام وعقب انفضاض اجتماعات “جنيف4” قال نائب وزير الخارجية الروسي “بوغدانوف” لصحيفة “الحياة”: إن فشل المفاوضات يعني تقسيم سورية, وأن ميليشيات إيران وتوابعها باقية في سورية لما بعد أي حل في سورية.

إذاً أصبح من الواضح أن “الفيتو” المشترك المستخدم في وجه الجيش الحر وتركيا هو “فيتو” تقسيم” وليس للتحرير, وأن إبعاد الجيش الحر هو لترسيخ جغرافية “قسدية” في المنطقة تكون مقدمة للتقسيم , وأن تركيا وحلفائها تلقوا صفعة غربية وروسية لم تكن متوقعة بعد تصريحات  الرئيس “ترامب” التي دغدغت مشاعر القيادة السياسية في “أنقرة”.

سياسياً وعسكرياً كل أحداث الشمال ليست في صالح الثورة السورية وليست في صالح الأمن القومي التركي, وما انتهت إليه جولة المفاوضات أيضاً لا يٌبشر بالخير رغم التصريحات “الطاووسية” التي انفرد بها بعض أعضاء الوفد المفاوض الذين رسموا لنا صورة غير صحيحة بدأت تتكشف معالمها الآن, داخلياً الصراع البيني بين هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام وبقية فصائل الثورة ما زال يأخذ الأولوية في القتال ولو على حساب جبهات “الأسد”, وبالتالي وأمام هذا الواقع أصبحنا أمام أحد ثلاث خيارات:

1- إجهاض الثورة بعد إضعافها بالقتال البيني.

2- التقسيم.

3- خطوة إنقاذية تلغي كل تلك الرايات والانضواء تحت قيادة موحدة للجيش الحر مع إعادة ضباطه لساحات المعارك.

الواقع يقول أن بعض الخيارات ما زال متاحاً … فإما أن نكون أصحاب قرار ونقدم ما تستحقه تضحيات الشعب السوري, أو فنحن ذاهبون في نفق غير معروف النهايات.

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي





Tags: سلايد