د. محمد حبش: الأوسكار للقبعات البيض… عودة الإنسان … من ركام الحرب

د. محمد حبش: كلنا شركاء

قد تكون الحدث الوحيد الذي احتفل به كل السوريين، وأجمعوا على اعتباره عملاً وطنياً مجيداً…

تابعت الشريط الفائز بالأوسكار، وهو في الواقع شريط عادي من النوع الذي نشاهده كل يوم على الفضائيات، ومع أنني لست خبيراً فنياً ولكنني اعتقد انه ليس ذلك الفيلم الخارق المتميز، ولكنه يرمز إلى أمر خارق ومتميز.

لا يوجد كثير من التفاصيل في الفيلم القصير، المونتاج والإخراج والدوبلاج والماكساج ليست هي عوامل التقييم بالتأكيد… التقييم كان في الواقع لروحية العمل، ونبل التضحية وروعة المقصد في غايات الباذلين.

لم يكن مشروع القبعات البيضاء قراراً اتخذته الأمم المتحدة، ولا الدول المعنية بالصراع في سوريا، ولا حتى هياكل المعارضة السورية المعروفة، ولا مؤسسة الهلال الأحمر السورية، بل كان قيام القبعات البيض قراراً إنسانياً دفعت إليه الإنسانية والضمير.

لا يمكن تحديد طائفة القبعات البيض، ولا يوجد عليها علم ولا راية، ولا يحمل رجالها صلباناً ولا مسابح، ولا لهم شغل بالعلم الأحمر ولا بالعلم الأخضر، ولا يشكلون منصة سياسية للحوار والتفاوض في أي عاصمة في العالم، إنهم ببساطة وبراءة شباب وصبايا من سوريا، قاموا ينتصرون للإنسان، ويلعنون الحرب، ويضمدون الجراح النازفة ويستخرجون من تحت أكوام الرماد بقية الإنسان التائه في الجلجثة في هذا الزمن الرديء..

إنها أعمال إنسانية نبيلة قامت لأجل الإنسان وحده، لأجل الحياة، لأجل القيم العليا، وهو بالضبط ما قصدته الأديان كلها بكلمة الجهاد في سبيل الله، وسبيل الله هو حدمة عياله من أي دين أو ملة كانوا، والذين يفكرون في أدلجة هذه المباردات الإنسانية النبيلة إنما يقومون باغتيال متعمد لأفكارها ومقاصدها وغاياتها، فهي غير قابلة للاسلمة ولا للنصرنة ولا للسنسنة ولا للشيعنة ولا للدرزنة ولا للعلونة ولا أي من مصطلحات عصر الدم الفاجر، وهي عمل إنساني نبيل قبلته وغايته روح الله في الإنسان، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.

جائزة الأوسكار التي تقدم بانتظام منذ تسعين عاماً والتي أصبحت أشهر جائزة فنية في العالم، استجمعت كل ما في الضمائر من ألم وأمل حين اختارت الفيلم الذي أخرجه فون إينسيديل وصوره خالد الخطيب، الذي كان يسعف ويصور، ويشد بيديه أذرعة المركومين تحت الأنقاض ويصور بعدسته عذابات السوريين حين تسقط عليهم قذائف الموت، في حرب مجنونة أثيمة وقودها الناس والحجارة…..

أورلاندو فون اينسيديل مخرج الفيلم الذي ألقى في الحفل كلمة رائد صالح التي قال فيها: إننا ممتنون لأن الأوسكار يهتم بمعاناة شعبنا، وتسليط الضوء على عملنا، إنه أمر رائع أن يتجرد الفن عن السياسة وينتمي للإنسان…
رائد صالح قال: لقد أنقذنا 52 ألف شخص من الركام… ومن المؤلم أن نقول إن من لم نتمكن من إنقاذهم كانوا أكثر، ومن المخيف القول بأن علينا أن نستمر في إنقاذ آخرين لايام قادمة!!…..
الحرب هي الحرب بقذارتها وفجورها وبغيها وحنونها… ولكن لن نعدم لوحة الحرب الفاجرة ومضات من الإنسانية تضيء في غمارها القلوب الطيبة النبيلة…
مرحى للقبعات البيض… إنه العلاج الوحيد للدماغ العربي المسكون بأحقاد الماضي وصراع الحاضر ويؤس المستقبل…
أيها السياسيون… ارتدوا هذه القبعات فلعل فيها شفاء عقولكم من جنون السياسة وشهوة الحرب…..

أنتم وحدكم يا أصحاب القبعات البيض ترسخون على الأرض في حين نرتجف من فوقها، تعملون تحت الموت لتمنحوا الناس الحياة،  فيما نتصارع نحن بغرورنا وحماقتنا في ساحات الفسيبوك، تعيشون على أمل المستقبل ومسح الموت عن عيون الأطفال ونعيش صراعات الماضي وخصوماته، وتطاحن السياسة ومكرها، وبؤسها وشقاقها، في حين تعيشون دفء الله ولونه وعطره في روح الإنسان، كلما انطلقت منها نفحة حياة….

لكم أنتم أصحاب القبعات البيضاء أهدي كلمات نزار…..

نحن آباؤكم
فلا تشبهونا..
نحن أصنامكم
فلا تعبدونا..
لا تعودوا
لكتاباتنا ولا تقرؤونا..
نتعاطى
القات السياسي
والقمع
ونبني مقابرا
وسجونا.
حررونا
من عقدة الخوف فينا
واطردوا
من رؤوسنا الأفيونا..
علمونا
فن التشبث بالأرض
ولا تتركوا
المسيح حزينا.
يا أحباءنا الصغار
سلاما
جعل الله يومكم
ياسمينا..
من شقوق الأرض الخراب
طلعتم
وزرعتم جراحنا
نسرينا..

أمطرونا
بطولة وشموخا
واغسلونا من قبحنا
اغسلونا..
لا تخافوا موسى
ولا سحر موسى
واستعدوا
لتقطفوا الزيتونا..

إن عصر العقل السياسي
ولى من زمان
فعلمونا الجنونا