ولاء عساف: كان ياما كان في ثورة الشعب السوري على الطغيان…

ولاء عساف: كلنا شركاء

كان هناك شاب اسمه شاكر، ويلقب بأبي بكر، يعيش وعائلته في مدينة حماة – حي الصواعق، عندما خرج أخوه الأكبر أحمد مقاتلاً للنظام بكل ما أوتي من قوة، باذلاً الغالي والنفيس في سبيل “الجهاد”، كان أحمد (أبو محمود) قناصاً بارعاً ومقاتلاً شرسا، بقي أبو بكر يرافقه في كل بطولاته، يقتحم معه الموت دون خوف، فالإيمان يملأ قلبهما والعزيمة تملأ ساعديهما. اعتقل أبو بكر ووالده.

كان في كل مرة يدخل فيها السجن تتوقف المظاهرات حتى يخرج، وفي ساعة خروجه تتوافد الناس متظاهرة يقودها أبو بكر هاتفاً بهم بشعارات إسقاط النظام، بقوا سنة على هذه الحال، بعد ذلك، وحرصاً على حياتهم، خرجوا وعائلاتهم إلى ريف إدلب.

ومن هناك تابع أبو محمود وأبو بكر طريقهم في “الجهاد”، شكل أبو محمود كتيبة وكان قائدها، يشجع الجميع على الصلاة ويدفعهم بدين وعقيدة لقتال قوات النظام وميليشياته، كان في كل معركة يستشهد شاب منهم، وهذا ما كان يزيد من إيمانهم بطريقهم، تراهم سعيدين لصديقهم بنيل الشهادة، متمنين الموت في ساحات القتال، كان دائما يقول أبو محمود “ادعي لي يا أمي بالشهادة، فقلبي يحترق شوقا للجنة”.

وفي إحدى المعارك على جبهة حلب الغربية، استشهد البطل أبو محمود في السابع والعشرين من شهر شباط عام 2015، بعد أن دخل اقتحامياً أمام المقاتلين، هو و9 شباب، ولم يستشهد أحد غيره، وجهاً لوجه مع عدوه، جاءت طلقة في وجهه وخرجت من رأسه أردته شهيدا، ودفن بدمائه رافعاً سبابته “متشهدا”.

كان وقع الخبر على عائلته مميتا، وفي كل زيارة لقبره ترى زنبقة تكبر عند رأسه، لم تذبل أبداً وكأنها تسقى من دمائه، لم أكن لأصدق أن دماء الشهيد تكون معطرة لو لم يأتي أبو محمود مغطى بغطاء ملطخ بالدم، رحت اشتمه لأجد رائحة كالمسك، رائحة تبعث الراحة في النفس، ليست عطراً بل أطيب…

أبو بكر بات يعيش مع عائلته وحيداً دون أخيه على الجبهات، تزوج بعد إصرار عائلته ورزق بطفلة، كان يشعر أن الحياة لا تطيب له وأن الموت لا بد منه، تراه دائماً يبحث عن شيء ما، ليس مرتاحاً ولا هانئاً في عيش، مستعجلاً على الدوام يريد أن يمضي مسرعاً، حتى في تناوله الطعام يكون مسرعا.

كان يقول دائماً “الملتقى الجنة بإذن الله”، ويمضي ضاحكا، كأخيه يقتحم الموت دون خوف، نجاه الله من موت محتم مرات كثيرة، وأصيب إحدى المرات في رجله وشفي بعدها ليعود إلى ساحات القتال.

عاش وعائلته… كان الجميع يتمسك به ليمنعه من الخروج، وفعلاً بعد نقاشات كثيرة كان لابد له من أن يطيع كلام والديه، وراح يعمل ويصرف على عائلته وعائلة أخيه الشهيد، بقي كذلك حوالي الشهرين، حتى ناداه رفاقه إلى القتال، حمل سلاحه وخرج.

في اليوم الأول عاد منتشياً من صوت الرصاص، كان مشتاقاً للمعارك ولقتال العدو، جلس يحدث والده عن مغامراته ضاحكاً فضحكته لا تفارقه، وفي اليوم الثاني عاد أكثر حماساً للقتال وللنزول إلى ساحات الوغى، كان صاحب “دم حام” صادق لا يهاب في قول كلمة الحق كأخيه أبو محمود، وفي السابع والعشرين فبراير/شباط، كان يوم ذكرى استشهاد أبو محمود، وقام الأقارب صباحاً بتعزية العائلة داعين لهم بالصبر على فراقهم لأبو محمود العام الثاني، ولم يعلموا أنهم سيعزونهم مساءاً على شهادة الابن الثاني.

خرج أبو بكر لساحات القتال ضد النظام الفاجر بريف حلب الشرقي منذ ساعات الصباح الباكر حتى قبيل المغرب، جاء خبر استشهاده بصاروخ راجمة هو و3 شباب، والخامس كانت قد قطعت يديه ورجله ليتبعهم إلى الجنة بعد سويعات قليلة، فلم يحتمل فراقهم، حاول رفاقهم سحب جثثهم ولكنهم من شدة الرصاص استشهدوا أيضاً، حتى جاءت مؤازرة بعد حوالي الساعتين لتسحب الجثث وتسعف الجرحى، كان مشتاقاً لأخيه وسكن معه في الجنة في نفس تاريخ يوم استشهاده، وراحت الناس تعزيهم وتبارك لهم بشهادة أبو بكر.

عاشوا أبطالاً وماتوا في ساحات الوغى، يقاتلون النظام الفاجر بلا خوف، صدورهم مكشوفة أمام عدوهم فهم يعرفون جيداً أن المنية لن تأتي إلا في ساعتها، وأنه لن يموت الإنسان إلى في ساعة محتومة، تركوا عائلاتهم وأهلهم يعلمون أن الله لن يتركهم…

ليرحمهم الله ويسكنهم فسيح جنانه وليجعل قبروهم روضات من رياض الجنة…





Tags: محرر