أحمد رياض غنام: كلنا شركاء
لم يكن العيب في قيّمة وقوة هذه المبادرات، او القوى التي تقف وراءها، ولكن سوء قراءة الواقع السوري، وعدم التعاطي معه بعمق وتمحيص وفهم لمكامن القوة والضعف فيه من اجل العبور نحو الجانب الآخر للجدارهومن عطلها، فجاءت هذه المبادرات، منفصلة عن الواقع السياسي السوري القديم والمستجد، بمفهومه البنيوي والتكويني المتشكل من نواة صلبة، تحيط بها عدة حلقات متصلة ومتماسكة، تبدأ في المؤسسة العسكرية والأمنية وتعبر من خلال القوى المدنية المستفيدة، مشكلة مجتمع النظام، يرفدها طبقات فاسدة من كافة ابناء سورية وصولاً لمقام الرئاسة ، يحيط بهذا الكل المتماسك، هالة من شعبوية تمثل خليط غير متجانس الألوان أشبه بقوس قزح من مكونات سورية متعددة، تعيش حالة إنسجام غير نهائي، متكيف بظرف الواقع الٌمعاَش وحكم الضرورة والحاجة، متطلعة لما وراء الحدود، حيث تلتقي مع القواسم المشتركة الأصيلة المنبت والجذور والمرجعية، مع وجود صنم للرجم يمثل الطوفان الجماعي ذو الغلبة العددية .!
رسخت تفاصيله وشكله حالة سياسية، كانت قادرة على صناعة تماثيل للعبادة والتقديس ضمن أحادية حزبية وفردية مقيتة، وأخرى للرجم . في طريق سعّيها للهيمنة والسيطرة على العقول والمقدرات في مملكة الخوف التي تديرها …
وعلى هذا الأساس قامت منظومة للمعارضة السياسية والفصائلية، مستغلة ظرفاً تاريخياً غير قابل للتكرار، على اسس واهية وغير دقيقة ، ولاتحمل فكراً إستراتيجياً تحليلياً يجيد القراءة بشكل إستثنائي بحيث كانت إستمراراً لواقعها القديم، وتفتقد لأدواتها الخاصة، وكذلك مفرداتها ومصطلحاتها، القادرة على الجذب والظهور بمظهرخلاق واعد، بحيث يناقد النواة الصلبة للنظام والمجتمع الذي يحيط به، فيما يطلق عليها حالة الإنقلاق عن النواة الأم، الحاملة لذات الجينات الفردية والأنانية والديكتاتورية الفاسدة ، مشكلة حالة من التلاقي بين مجتمع النظام ومجتمع الثورة .الخاص .! وبقاء قوس القزح الشعبي والذي يمثل القاعدة الواسعة للتمثيل الشعبي في حالة من الغربة والضياع وعدم القدرة على الحسم والإصطفاف النهائي …
وهى حالة مقتطعة من مسار سوري مؤلم إنطلق قطار التغيير فيه منذ عام 19633 وصولاً للمحطة التاريخية التي نعيش مفرزاتها الكارثية اليوم . حيث عمقت الأخاديد والجروح وتركت اثارها في ثقافة وتكوين القوى الشعبية التي عايشت تلك الحالة السياسية، وتطبعت شكلاً ومضموناً وجوهراً، بطباع عامل التغيير القسري، الذي فرضته تلك القوى القادمة من كهوف الظلام والتوحش، والريفية الناقمة على الطبقية ومفرزاتها ، واصبح من الصعب الحديث عن سينفونية التناغم بين ساكن هذه الجغرافيا القاسية، وبين المحطات الوطنية، التي باعدت فيما بينها المسافات، فتاه الركبٌ وصار أسيراً لكل محطة تفرضها مسيرة هذا الحالة، الحامل للشعارات القومية تارة والممانعة تارة أخرى، والمختصرة للحياة السياسية بحزب السلطة الأوحد، حيث سقطت في إمتحاناتها المتكررة، عندما أخضعت للتجربة الحقيقية في الصراع المزعوم مع إسرائيل، وتفكيك الدول العربية وزرع الفرقة فيما بينها، وإدخال إيران كشريك مشاغب في في كل تفاصيل العرب …. في ظل هذا الواقع المؤلم يصبح الحديث عن التغيير امراً إستهلاكياً ووعداً فاقد للقيمة، ولايحمل مضامين سياسية واقعية يمكن الحديث عن إحتمالية حدوثه …
فأدوات التغييرالثورية لايمكنها ان تكون بذات القوى القديمة فكراً ومنطقاً وإرتباطاً، وهذا محال في الواقع السوري بل وفي اي حالة مشابهة قد تعصف بشعب آخر…
ولابد من العودة للوراء قليلاً، ومواجهة الحالة السياسية القديمة، بعقلية مغايرة عما نحن عليه، وحصر أضرارها بحاملها السياسي فقط، والمهيئ طائفياً ومخابراتياً للقيادة في حينه وفي مستقبل الأيام، وبديله لم ينضج لأسباب تم ذكرها في مقدمة المقال، ويبقى الحديث عن المبادرات الوطنية ، والمؤتمرات، والتنازلات، مجرد صبيانية سياسية، وهى ليست أكثر من مداعبات خجولة وخربشات على جدارالحالة السورية، ولايمكن لقوى المعارضة ان تعيد القطار إلى سكته الصحيحة لأنها غير مؤهلة تاريخياً وسياسياً لهذه المرحلة، وكذلك لضعف أدواتها، فالوعود الدولية بالتغييرالمقنن، هى اشبه بعيدان من قش في محرقة الثورة، ولايمكنها من تغيير من أٌعتمٌِد رقيباً على أنفاس كل سوري من المهد إلى اللحد، وطرفاً مهماً في زرع الأعداء في جسد سورية والأمة العربية …..