د. محمد حبش: الأزهر… صراع المناهج والمواجهة مع داعش….

د. محمد حبش: كلنا شركاء

اختتمت في القاهرة أعمال المؤتمر الدولي الذي عقده الأزهر ومجلس حكماء المسلمين تحت عنوان الحرية والمواطنة والتنوع بمشاركة كبيرة من فقهاء الشريعة على أعلى المستويات وبمشاركة كبيرة واسعة من الوجود المسيحي في المنطقة العربية.

وأود أن يكون واضحا ان الحديث عن الازهر ومناهجه ليس ترفا يخص التراث والثقافة بل هو هم حقيقي يقع في مركز الصراع في الشرق الاوسط، فالأزهر هو اكبر مؤسسة إسلامية في العالم، وهو بشكل ما أحد أسباب النزاع الضاري في سوريا

كان هدف المؤتمر واضحاً وهو تعزيز قيم التسامح والتنوع في البلاد الاسلامية والتعريف بالعيش المشترك في السياق الاسلامي المسيحي، وهو ما عكسته المشاركة الهائلة للمسيحيين وعلى راسهم البطارك الأجلاء تواضروس ولحام وبشارة الراعي وحضر رؤساء الطوائف الدينية في الشام والعراق ومصر.

وجاء انعقاد هذا المؤتمر في أعقاب الاعتداء الأثيم على اقباط سيناء ومحاولات تهجيرهم، وقد وجه رسالة قوية في تجريم القتال الطائفي اياً كان مصدره.

ومع أن المؤتمر شأن ديني وثقافي ولكنه يتصل بالعمق بالمأساة السورية التي يتفاقم فيها كل يوم الصراع الطائفي الأسود خاصة عبر المقاتلين الطائفيين الذي جاؤوا في غمار حرب النظام وداعش وهم يحملون أثقالاً من الحقد المتلاطم، ويحشدون لهرمجدون ودابق والاعماق بكل تداعياتها السوداء وأنهار الدماء الموعودة في كتب الاساطير.
ومع انني لا اختلف عن الاصدقاء الذين يرون في داعش والفصائل الطائفية شركة متعددة الجنسيات تقوم بمسؤوليات استخباراتية ولكنني أعلم أيضا أن هذه الحركات المتطرفة ما كانت لتنتشر وتجد انصارا وأدوات لولا ثقافة الكراهية التي مارسها التعليم الطائفي وكرس في الطلبة عقدة الآخر الشرير والآخر الكافر والآخر الاستعماري، وهو ممارسة توجيهية لئيمة تلقيناها على مقاعد الدرس عبر المنهاج القومي للنظام والمنهاج الشرعي للمدارس الدينية وهي السطر الأول والأخير في الفشل التربوي الذي عاناه جيلنا المنكوب.

من المؤسف أن مشاركة 600 فقيه إسلامي من خمسين دولة في العالم لم تشتمل على أي سوري، ووجدت نفسي وحيداُ في المؤتمر، مع التقدير لوفد الكنائس السورية المشارك.

كانت مداخلتي في المؤتمر بسيطة ومباشرة… إن خطاب التسامح الذي يتناوب على تقديمه على المنبر هنا شيوخ وقساوسة يعتبر أروع ما تقدمه لغة التسامح والحوار والعيش المشترك، وبالتأكيد سيكون البيان الختامي حضاريا ومتألقا كالعادة….
ولكن واجبي هنا هو ان اقدم النصيحة، والدين النصيحة ولا خير فينا ان لم نقلها ولا خير فيكم ان لم تقبلوها….
انا ابن المناهج الأزهرية درستها ودرستها، ومن واجبي أن اقول لكم بأمانة وشفافية إن المناهج التعليمية في الأزهر لا تطابق الخطاب الحضاري المستنير الذي يصدر عن مشيخة الأزهر، ولا تزال المناهج تغوص في الماضي وتنقل منه مواقف التشدد والتطرف دون ان يكون للمنهاج دور واضح ومباشر في الرد على هذه الروايات.

لم يتلق الازهريون هذا الاقتراح باستحسان وتوالت عليه الردود ولكنه على كل حال اثار قدرا من الانتباه الى الحاجة لتعديل المناهج.

لن نجني شيئا من الخطابات المدبجة التي نقر فيها أننا متسامحون وحضاريون حين نكرس في مناهجنا ثقافة الغائية اقصائية لا تؤمن بالآخر.

وعلى الرغم من ان التفسير الصحيح لوجود التطرف يقع في الحقل السياسي وليس في الحقل التعليمي ولكنني صد الاطلاق في كل شيء فاذا كان التطرف صنيعة المؤامرات السياسية فإن هذه المؤامرات ما كان لها أن تجد رجالاتها وادواتها الا في ظل ثقافة تكرس هذا اللون من التطرف وتنسبه الى الله.

نعم ان كثيرا من افكار داعش لا تزال تدرس في معاهدنا ومدارسنا الدينية، وببساطة يمكنني الاشارة الى ثلاثة مسائل لا نزال نعلمها لطلابنا من دون ان تقف المؤسسات الدينية الرئيسية موقف مسؤولية وحزم تجاه هذا الهوان، واكتفي بذكر عقوبة تارك الصلاة التي هي الفتل، وقتل المرتد، وقتال المشركين، وحين تقرأ موجبات الردة والشرك ونواقض الاسلام كما يرويها المشايخ على الفضائيات ستجد انه يمكن بسهولة تصنيف نصف المجتمع على انهم مرتدون أو مشركون وبالتالي الدخول في فوضى القتل الى ما لا نهاية.

إن ترك الصلاة يصنف عادة عند الفقهاء المستنيرين على أنه جفاء بين العبد وربه، وأنه لا معنى للاجبار عليه أو الاكراه عليه فلا اكراه في الدين ولا اكراه في الصلاة ولا اكراه في الصيام… وهذا الخطاب متشابه ومتطابق في معظم المؤسسات الدينية.

ولكن مناهجنا لا تزال تقول بقتل تارك الصلاة، فتارك الصلاة عند الشافعية والحنابلة يقتل كفراً وعند الحنفية والمالكية يقتل حداً، طبعا بعد أن يستتاب لثلاثة ايام أو لفترة أطول….
كان مؤلماً أن يقول لي وكيل الازهر ان هذا هو حكم ربنا ولن نغير ديننا من اجل ارضاء أحد!!!.

ولكن اليس من حكم ربنا لا اكراه في الدين؟ فكيف يتم الاكراه على الصلاة بهذه الطريقة… بالتاكيد لا يطبق هذا الحكم في اي مكان في العالم ولكن لماذا نعلمه لطلابنا او نقدمه لهم على انه خيار الائمة الاجلاء دون ان نقول ما يجب ان يقال بعد ذلك، وأن نرد بالعبارة العلمية الوافية ضد كل مدخل الى التطرف مقصود او غير مقصود.

لا يختص الامر بالمدارس الازهرية… إنه أمر يخص المدارس الدينية في كل مكان في العالم وفي سوريا التي تواجه مباشرة تنظيم داعش لا تزال ثقافة التعليم الديني تتبنى مبدأ قتل المرتد وقتل تارك الصلاة وقتال المشركين.

درس قتل المرتد وقتل تارك الصلاة موجود في كتب الفقه، ومن المؤكد ان الشيوخ الأزهريين المحترمين يبذلون جهداً في تعليل هذه النصوص وتقييدها، وعادة ما يقولون ان تنفيذ هذه الاحكام شأن الدولة وحدها وليس شأن الناس، ولكن ذلك غير كاف على الاطلاق،  فالطلبة سيقرؤون النص من الكتاب ولن يروا في معاذير المعلم وتعليلاته غير أنه نفاق أو خوف من المخابرات والانظمة المستبدة.

وما يحصل دوما هو ان هذا الطالب بتخرج وهو يحمل افكارا كهذه، وفكر كهذا ليس بعيدا عن فكر القاعدة، التي تؤمن بكفر الحكومات العربية والاسلامية لانها لا تقيم الصلاة ولا تقتل المرتد ولا تقاتل المشركين.

الأزهر الذي خصص أهم قاعة فيه باسم قاعة الامام محمد عبده وقاعة الازهري طه حسين وقاعة الامام مصطفى عبد الرازق هو الجهة المؤهلة علميا وتاريخيا لريادة ثورة مناهجية عميقة تعالج كل موارد التطرف في كل ما يدرسه الطلبة.
لا أنكر أبداً أن الأزهر قام بحملة شاملة في سياق تطوير مناهجه التعليمية عبر مختصين وخبراء، ولكن الأمر يحتاج لحفر في العمق، ولا بد من مواجهة الحقيقة كاملة…
على سبيل المثال ففي المنهاج الأزهري الجديد المطبوع عام 2017 وهو مقرر المعاهد الأزهرية في الفقه الحنفي بعنوان: المختار من الاختيار لتعليل المختار

ينص الكتاب ص 75 على وجوب مقاتلة القرية التي تمتنع عن الأذان، ونص عبارته فإن امتنعوا عن الأذان قاتلهم!!!
لا يتوقف الأمر عنذ ذلك بل يقوم مؤلف الكتاب بطرح سؤال اختباري بعد الدرس بنص: ماذا يجب على الإمام أن يفعل إذا امتنعت قرية عن الأذان؟

الأمثلة قليلة وكانت من قبل كثيرة جداً، ولكنها مع ذلك تكشف المستور الذي لا بد من مواجهته بشجاعة إذا أردنا أن يحمل الأزهر رسالته التاريخية الرائعة في الإخاء والبناء.

لا تزال الدكتورة إيمان مصطفى البغا الأستاذة الجامعية في كلية الشريعة وابنة الشيخ مصطفى البغا كبير شيوخ الشام التي تركت عملها الجامعي والتحقت بداعش في الموصل وقدمت أحد أولادها مقاتلاً مع داعش وقد لقي حتفه في القتال، ولا تزال الى هذه الساعة على صفحتها الشخصية تقدم كل يوم تبريراً لما تقوم به دولة الخلافة (العظيمة) وتقدم تبريراً شرعياً ومنهاجياً لكل ما يقوم به الخليفة أبو بكر البغدادي وتقول بوضوح: ويلكم أيها الشيوخ المنافقون، توقفون أحكام الشريعة وتجاملون العلمانيين وتظنون أنفسكم مسلمين؟؟ … إن أكثر دولة في العالم تطبق أحكام الإسلام بدقة هي دولة الخلافة التي يقودها أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي!!

حين ينطلق الأزهر في رسالة الإصلاح العميق سيسير في ركابه كل تعليم شرعي في العالم.





Tags: سلايد