د. محمد عادل شوك: على هامش أداء وفد المعارضة السورية إلى مفاوضات جنيف 4

د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء

إزاء ما شهدته جنيف من مفاوضات الأطراف السورية، في نسختها الرابعة، يمكن للمراقبين أن يشيروا إلى جملة من الأمور التي بدَتْ لافتةً للنظر في أداء وفد المعارضة:

ـ لقد وُفِقَتْ الهيئة العليا للمفاوضات في المجيء بالدكتور نصر الحريري و المحامي و السياسي البارز محمد صبرا، على رأس وفدها، خلفًا للعميد أسعد الزعبي و السيد محمد علوش، و ظهرَتْ أَماراتُ ذلك في أدائهما المرن، فالعقلية العسكرية التي تطبّع عليها العميد الزعبي، كانت واضحة في نظرته إلى الأمور بعين لا ترى الهدف إلاّ بخطه المستقيم، و هو ما ظهر في أدائه و تصريحاته في أثناء المؤتمر و بعده، و قد أحرج بذلك عددًا من الدول الصديقة للمعارضة، و منها السعودية التي يقيم فيها.

ـ لقد أدرك وفد المعارضة أهمية أن يمتلك زمام المبادرة، بجعل من وفد النظام برئاسة بشار الجعفري في موقع المنتظر، فلقد كانوا موفقين عندما أعلنوا استعدادهم للجلوس معه دونما وسيط، و هو ما لم يكن يتوقّعه، جريًا على ما كان في ( جنيف 3 )؛ فاُسقِط بيده، علمًا أنّ ذلك ـ في حال حصوله ـ نتيجة متوقّعة بعد ثلاث جولات بين الطرفين، يُفترض أن تكون قد أزالت كثيرًا من الموانع التي تحول دونه.

ـ لقد نجح وفد المعارضة في إيصال الرسالة إلى المبعوث الأممي دي مستورا، بجعله لا يتجاوز المهام الموكلة إليه وفق قراري مجلس الأمن ( 2118 ، 2254 )، فليس من صلاحياته كوسيط محايد، أن يجترح من الحلول ما لا يتفق مع نصوص و منطوق هذين القرارين، أو أن ينحاز إلى رؤية أيٍّ من الطرفين المعنيين، أو أن يحدّد الأشخاص و الوفود التي ستمثِّل المعارضة أمام وفد النظام، و هو الأمر الذي يتجنبه مع وفد النظام، و ينأى بنفسه عن التفكير فيه.

ـ لقد نجح وفد المعارضة في ألاّ يسمح لوفد النظام، جريًا على عادته بإغراقهم في التفاصيل، أو أن يضيف إلى جدول الأعمال البند المثير للجدل، و نعني به بند محاربة الإرهاب، متحيّنًا الهجمات على المربعات الأمنية في حمص، فإذا كان و لا بُدّ من بحث هكذا عنوان، فلتكُن كلّ الأعمال التي تضرّ بمصالح السوريين، تحت هذا التصنيف، كائنًا من كان القائمون بها، دولاً و مجموعات و ميليشيات، محلية أو خارجية، تمّ استدعاؤها أو إحضارها إلى سورية تحت أية ذريعة كانت.

ـ لقد نجح وفد المعارضة في حمل الروس بالضغط على وفد النظام، بقبول الحديث عن الانتقال السياسيّ، و هو ما كان يصرُّ على حرمة الحديث فيه أو الاقتراب منه؛ و ذلك من خلال الاستفادة من التباين الحاصل بين الرؤيتين: الإيرانية ـ السوريّة، و الروسيّة ـ السوريّة، حيال شكل الحلّ، بناء على المصالح التي يسعى إلى تحصيلها الطرفان: الروسيّ، و الإيراني في سورية.

ـ لقد أدرك وفد المعارضة أهمية مبدأ ( نَعَمْ، و لكن ) في العملية التفاوضيّة، فليس مقبولاً فيها سياسةُ إغلاق الباب، مثلما ليس مستساغًا إشراعُ الأبواب على مصراعيها، فالأنسب في ذلك هو سياسة الأبواب المُوَارَبة ( نصف المفتوحة )، و كان حاضرًا أمامه ما نتج عن الانسحاب من ( جنيف 3 )،  من موجة العنف التي أدّت إلى إخراج المزيد من المؤسسات و البنى التحتية عن الخدمة، فضلاً عن إزهاق الألاف من الأرواح من حواضنهم.

ـ لقد أدرك وفد المعارضة أهمية المتغيّرات الدولية على الملف السوريّ، و ملفات المنطقة الأخرى ( العراق، اليمن، لبنان )، و لاسيّما بعد رحيل إدارة أمريكية أضرّت سياستُها الخارجية كثيرًا بهذا الملف، و هو ما جعلهم يدركون أهمية الانتظار ريثما تتبلور رؤية الإدارة الجديدة برئاسة ترامب، فكان حضورهم إلى ( جنيف 4 )، مع الانتباه إلى ترك البتّ في المسائل المطروحة؛ تمهيدًا لتجلية الصورة بشكل أوضح، و هو ما أزعج الروس الذين يريدون الاستعجال في استثمار معركة حلب، و ترجمتها إلى واقع سياسيّ يرجّح رؤيتهم في شكل الحل، فجاء تصريحاتهم غير المتوقعة بأن وفد الائتلاف يُفسد المفاوضات، و قاموا مجددًا بضرب موعد للقاءات الأستانة التي يرعونها بعيدًا عن التفاهمات الدولية، و قرارَي مجلس الأمن، و هي التي لم تعُد تلقى اهتمامًا حتى من الراعي التركي، الذي كانت تصريحات وزير خارجته مباشرة نحو الإيرانيين بأنهم طرف ضالع في مشاكل المنطقة.

ـ لقد رجّحت المعطيات الأخيرة لمعركة الباب، و طرد داعش منها، و إعلان تركيا عزمها التوجه نحو منبج، ثم معركة درعا ( البلد )، و انكفاء النظام في برزة و القابون عقب الخسائر التي ألمّت به، كثيرًا من مواقف وفد المعارضة أمام وفد النظام الذي أراد ان يستثمر معركة حلب، التي خطفها الروس من يده و من يد حليفه الإيرانيّ على حدّ سواء.

و عليه يرى كثيرٌ من المراقبين، و بغض النظر عن ردود أفعال شرائح من حواضن المعارضة، أنّ هذه الجولة من المفاوضات كانت لصالح المعارضة وفق أغلب التقديرات.





Tags: محرر