د. كمال اللبواني: تقدم داعش ، و التراجع عن حل الدولتين

د. كمال اللبواني: كلنا شركاء

تبدي إدارة ترامب تقبلا (من نوع ما ) لطرح نتانياهو حول عدم جدوى حل الدولتين كعنوان عريض للسلام بين الفلسطينيين واليهود ، الذي ورد في قرار التقسيم، واعتمد كأساس للتفاوض في أوسلو … والذي توقف عند الترتيبات النهائية من حيث ترسيم الحدود وإدارتها ، بما فيها وضع القدس ، وحل قضية اللاجئين ، والمستوطنات ، ومسألة هوية الدولة ( اسرائيل دولة يهودية ؟ أم دولة علمانية كما ورد في وثيقة إعلانها ) … يحدث ذلك التراجع الملتبس  من دون طرح البديل وهو ما يثير الكثير من التساؤلات.

فبعد تلكؤ مزمن في السير قدما على هذا المسار ظهرت أخيرا للعلن نوايا التراجع عنه،  طبعا ليس لصالح الدولة الواحدة لشعبين (فهذا ترفضه اسرائيل وحماس تماما ، وتهدد به السلطة في حال لم يتم الاعتراف الكامل بها ) ، بل التراجع عنه لصالح سلطة مشتركة على الضفة التي تتحول عمليا لمنطقة حكم ذاتي ضمن الدولة اليهودية، لا يتمتع فيها الفلسطيني بنفس حقوق وواجبات اليهودي ، مع شطب قضية اللاجئين ، والتعامل مع غزة باستقلال تام عن بقية فلسطين ، والقيام بترتيبات تقضي بمنح اللاجئين حقوق  المواطنة في الدول التي يقيمون فيها ، من دون وجود دولة ، أو إذا لزم الأمر بإقامة وطن بديل لهم لكن خارج فلسطين التي رسم حدودها الانتداب البريطاني .

أما سيناريوهات تحقيق ذلك الخيار الذي لم يعد سرا فيمكن أن تتم بأسلوبين مختلفين تماما : واحد يعتمد على متابعة مسار السلام مع الدول العربية من دون تحقيق تقدم على المسار الفلسطيني ، وإجراء إصلاحات ديموقراطية في دول الطوق ، وتنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية ، واقامة نوع من الصيغ الاتحادية ( تقلص من أهمية الدولة الوطنية ) بين دول الشرق الأوسط التي تشردت شعوبها وتحولت في معظمها لدول لاجئين ، وهذا يتطلب (مشروع مارشال جديد ) لانقاذ المنطقة وتحقيق الاستقرار فيها … لكن بكل أسف يبدو أن الأحداث تسير بعكس ذلك تماما .

وسيناريو آخر يعتمد على استمرار حالة النزاعات والصراعات وإطالة أمدها وتعميقها ، والتي تنتهي بالتفتيت والتقسيم الذي يلغي دول عربية وهويات وطنية كاملة ، بحيث لا يشعر الفلسطيني أنه أقل حظا من غيره في المنطقة ، أو بحيث يمكن من خلال الفوضى انتاج كيان فلسطيني ما تحت أي مسمى ( حماس ستان ، فتح ستان ) على حساب  هذه الدولة العربية أو تلك ، بعد أن تتعرض لحرب أهلية طاحنة ، وهذا السيناريو مع الأسف يتناغم شكلا مع ما يجري على أرض الواقع ، الواقع الصراعي الذي يعصف بالمنطقة بسبب عوامل كثيرة داخلية وخارجية ، والذي قد يشجع بعض الأطراف المتشددة في اليمين الاسرائيلي على محاولة استغلاله للتهرب من استحقاق السلام الذي قام على مبدأ ( الأرض خارج حدود ال 67 مقابل السلام ، واقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في الضقة وغزة ) فسارعت للطلب من الإدارة الأمريكية الجديدة نقل السفارة للقدس و الاعتراف بضم الجولان ، و شطب احتمال قيام الدولة الفلسطينية …

هكذا سيناريو سهل  يمتلك أدواته  على أرض الواقع ، من شأنه أن يجعل مصير الشرق الأوسط برمته على كف عفريت ، حيث تلعب داعش وإيران وعناصر أخرى دورا بارزا في زعزعة استقرار لبنان والعراق وسوريا ، وتهدد بقوة بالانتشار نحو الجنوب ودول عربية أخرى ، من دون أن تجد مقاومة من الدول الغربية المستغرقة بالشيخوخة ولا حتى العربية البائسة ، والتي تنحصر جهودها في منع ايران فقط من امتلاك سلاح نووي وبأسلوب أخرق، مع غض نظر واضح تجاه عدوانيتها ومسعاها لتخريب دول المنطقة وتقسيمها  بالتناغم والشراكة مع منظمات التطرف السني ، مما يرجح منطقيا وجود عجز أو ربما تغاضي عن عملية زعزعة استقرار الشرق الأوسط كله ، بهدف إعادة رسم خريطته السياسية  في ظل حالة الضغف والتشتت العربي ، وتغول التطرف الشيعي والسني وحربه فيها وعليها…

الخلاف مع أنصار هذا السناريو ليس على مقدار حقوق الفلسطينيين التي قد تنقص أو تزيد على حساب الدولة الاسرائيلية ، بل على جهله وأفقه الضيق وخطورته ، لأن السير في هذا السيناريو  يشبه اللعب في النار ، التي تتوسع لتحرق المنطقة كلها وتهدد بطرق أخرى مصالح الدول الغربية وحتى وجود وأمن الشعب اليهودي في النهاية ، فبدل تلطيف نتائج الصراع وحلحلة القضايا العالقة ومداواة الجراح وفق عملية السلام المطروحة ، يتم التغاضي عن إحداث المزيد من الخراب ، الذي قد يبدو نظريا وبشكل لحظي أنه يخدم مصالح اسرائيل في قضايا محددة تعيق التوصل لتسوية حاليا ، لكنه في الواقع يقوض على المدى البعيد كل أسس السلام والاستقرار في المنطقة ، ويضطر اسرائيل للبقاء في حالة حرب طويلة قد لا تنتهي ، ليس مع دول بل مع منظمات وميليشيات وما شابه ، وهو ما يهدد الأمن والسلام العالمي برمته ، بسبب التحول الشامل في المنطقة نحو الفوضى والتشدد والإرهاب الذي يضرب أطنابه ويتغلغل في الدول العربية والاسلامية ، التي تعاني من أزمات بنيوية وثقافية تعيق اندماجها بالحضارة المعاصرة وفق متطلبات العولمة وتحت ضغوطها ، مما قد يضطر الغرب لخوض صراع واسع في المنطقة ، بما في ذلك احتمال استخدام أسلحة الدمار الشامل التي لم تستبعد موسكو امكانية استخدامها ، والتي لن تحل المشكلة بل ستنقل الصراع لسويات وأساليب أخرى أكثر همجية …

هناك تخوف من أن يتسبب جنوح بعض رموز اليمين (تهربا من استحقاقات كثيرة وأحيانا شخصية)  في الانزلاق نحو السيناريو الأخير الأسهل والأرخص تكلفة ، ومحاولة خلط الأوراق عبر تسعير لهيب الصراع في المنطقة ، التي ينتشر فيها التطرف والتشدد ، الذي يبدأ داخل اسرائيل وينتشر حولها على مسافة آلاف الكيلومترات ، في طول وعرض الشرق الأوسط الكبير ( العالم الإسلامي ) الذي يشكل ربع العالم … هناك تخوف ممن يعتبر أن زعزعة استقرار بقية المنطقة من شأنه أن ينتج دولة فلسطينية مسالمة بديلة عن الضفة التي تقضمها اسرائيل ، وليس انتاج دول داعشية حمساوية ثورية ايرانية تأكل الأخضر واليابس ، وتمتد لداخل الضفة وغزة وحتى يافا ، وتضرب في عواصم العالم ،  والتي سترحب بأي صراع مفتوح مع اسرائيل ، التي بدورها ستقف عاجزة عن ارسال جنودها خارج حدودها بل حتى عن حفظ أمنها في عاصمتها ، والتي لا تستطيع الاعتماد على حجمها البشري ، ولا على دعم أوروبا العجوز لها ، ولا حتى الاطمئنان لدعم أمريكا التي لم تعد تخجل من اعلان أنانيتها .

باختصار لا بد من الاحتكام لصوت العقل ، وإدراك أن عدم التقدم على طريق ايجاد حل للوضع في سوريا يحفظ وحدتها ، والسكوت عن تمدد داعش ، أو محاولة دفعها باتجاه الجنوب ، بالتزامن مع سياسة اضعاف السلطة الفلسطينية ، والتضييق الاقتصادي على الأردن واغراقها ببحور من اللاجئين ، إدراك أن كل تلك عناصر تثير القلق فعليا وجديا عندما تحصل معا .

ليس من الصعب الوقوف في وجهه مثل هذا السيناريو  المدمر قبل استفحاله … من خلال تدخل عربي فاعل ضد داعش في سوريا ، وفرض مسار جدي لحل سريع فيها،  أو على الأقل الاسراع في خيار المناطق الآمنة خاصة في البادية والجنوب ، وتطوير مبادرات تعزز مسار  حل الدولتين للصراع العربي الإسرائيلي مع تشكيل ضغط ديبلوماسي على اليمين المتشدد فيها ، ودعم الأردن والسلطة الفلسطينية اقتصاديا وديبلوماسيا … وتشكيل حلف اقليمي مضاد للزعرنة الإيرانية …. مما يفتح آفاقا جديدة للسلام والاستقرار في المنطقة ولكل شعوبها .

وبالعكس من ذلك إن التغاضي عن تمدد داعش بالتناغم مع ميليشيات إيران في الجنوب السوري ، بالتزامن مع التخلي عن مشروع السلام ، هو مؤشر خطير يهدد الأمن القومي العربي في (سوريا والأردن وفلسطين ومصر معا ) وأبعد من ذلك ، يهدد السلام والاستقرار العالمي وحتى أمن الشعب اليهودي أيضا … ويخدم فقط الدواعش من الشيعة والسنة واليهود …. الذين يتشاركون معا في الهوية ويتبادلون الشرعية والمصالح .

أخيرا أقول إذا بقيت دولنا وأمورنا بيد من لا يؤمنون بحقوق الانسان والسلام بين الشعوب، فلن يكون أمامنا إلا المزيد من المصائب التي ستطال الجميع … لا يجب علينا أن تأخذنا السياسة بعيدا عن الحق لأن دماء المظلومين تنتقم لنفسها ، أو بلغة أخرى لأن الله موجود وقد حرم الظلم على نفسه ، والخلق عيال الله  أحبهم إليه أنفعهم لعياله …