on
ولاء عساف: قصة امرأةٍ فقدت زوجها في عهد الأسد الأب وخسرت ابنيها في عهد الأسد الابن
ولاء عساف: كلنا شركاء
كنت قد خسرت زوجي في أحداث 1982 عندما ذهب وسكن غياهب السجون، وإلى الآن لم نسمع عنه أي خبر، استطعنا النجاة أنا وأطفالي من الطاغية بعد أن خسرنا رب أسرتنا، وبقيت أربي طفلي الاثنين بكل ما أوتيت من قوة، لأعوض مكان الأب والأم.
كنت أخفي حرقة قلبي على غيابه عن أطفالي، وأتماسك أمامهم وأنا أعرف أن مصيره الموت، وأنني لن أراه مجددا، ولكن قاومت كل المشاعر التي تتنازع داخلي وعملت، وعلّمت طفلي حتى تخرج أحدهما محامياً والثاني تخرج من كلية الإعلام، وراحا يعملان، وأنا سعيدة بنجاحهما وعملهما، إلى أن اشتعلت الثورة في سورية.
راحا يخرجان مع رفاقهما الشباب في المظاهرات السلمية، وأنا أمسك بتلابيب كل منهما راجية ألا يبتعدان عني وأن يبقيا قربي، فأنا لا أريد أن أخسرهما كما خسرت أباهما منذ سنين، ولكنهما كانا يقولان إن من حرمنا من عيون والدنا كل تلك السنين عليه أن يدفع الثمن غاليا… وغالياً جدا.
كنت أراقبهم من بيتنا المطل على أماكن تركز أغلب المظاهرات، شباب بعمر الزهور يهتفون سلمية لا نحمل السلاح، وينشدون ما تسعفهم به الذاكرة.
وفي أحد المرات وأنا أراقبهم جاء الأمن وراح يهدد بإطلاق النار، وبقيت صفوف المتظاهرين متماسكة، وما هي إلا دقائق حتى رأيت الرصاص كالمطر ينهال عليهم من كل اتجاه، فكان أول من سقط ابني المحامي، صدمت ورحت أصرخ وجعاً وأبكي بحرقة تملأ قلبي وصوتي، صرت أصيح لحسام ابني الآخر حتى لا أخسره أيضا، ورحت أركض لاهثة، فالمتظاهرون رغم كل شيء كانوا يتابعون الهتاف والصراخ، ولكن عندما وصلت كان الأوان قد فات، فقد قام رجال الأمن الجبناء برمي جثة ابني في نهر العاصي، جلست أبكي وأبكي وصوت الهتافات تعلو وصوت الموت يعلو أكثر.
أما ابني الإعلامي، فقد أصر على الخروج مجدداً رغم كل رجائي له وبكائي أمامه. خرج ولم يعر لدموعي انتباها، وبعد ساعات علمت أن الأمن قد قبض عليه، حاولت أن أتواسط له كي يخرج وأرجو فلان وفلان، لكن لا فائدة.
فقدت الأمل وبت أعيش في دوامة لا تنتهي من الذكريات والحنين والحقد والكره، بعد جلوسي شهراً كاملاً وحدي في المنزل، قررت وبلا تردد أن أخطو درب زوجي وأبنائي، فأنا لا أستطيع الخروج في مظاهرة.
اتفقت مع مجموعة من الثوار أن أحضر لهم شبيحة، وبالفعل على مدى سنتين استطعت أن استقل عدداً كبيراً من سيارات الأجرة واستغل كبري في السن كي أخدعهم بالحيلة. آخذهم طلبات إلى خارج المدينة في أماكن تواجد الثوار حتى يتم قتلهم أو محاسبتهم، لا أعلم، ما كنت أعلمه أني في كل مرة كنت آخذ أحد الشبيحة، كنت أتذكر صور أولادي وما مر بهم، أتذكر زوجي الذي خسرته بسبب هذا النظام الفاجر الظالم.
هذه السيدة منذ ثلاث سنوات شاركت زوجها وابنها السكن في غياهب السجون، تم القبض عليها بعد سنتين من العمليات الناجحة التي قامت بها للقبض على شبيحة وتسليمهم للثوار.
Tags: محرر