on
العميد الركن أحمد رحال: الحر يدخل الباب … وخطة تحرير الرقة على الطاولة
العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء
مما لا شك فيه أن الانتقادات والضغوط التي مٌورست مؤخراً على المشاركين في عملية “درع الفرات” قد أتت أٌكلها ووصلت لمبتغاها, فنقل المعارك من غرب مدينة “الباب” إلى شرقها ومحاولة تطويق وحصار “تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لاقى الكثير من الانتقادات مع الفشل الذي لاقته بخسارة بلدة “بزاعة” وتوقف الهجوم لاحقاً, فالتكتيك العسكري يقول إن لم تكن قادراً على سحق عدوك فلا تحاصره لأنك تضيق عليه الخيارات وتجعل من مقاتليه أبطالاً لانعدام الفرص, والانتقاد الآخر طال “درع الفرات” بتوجهها نحو الشرق عندما تقدمت ميليشيات الأسد على نفس الجبهة وكأنه برز للعلن أن هناك اتفاقاً وتنسيقاً قد تكون تسعى له “موسكو” لكنه يٌغضب الحاضنة الشعبية التي تجد بعصابات “الأسد” إرهاباً لا يقل عن إرهاب تنظيم “داعش”.
الجيش الحر المنضوي تحت راية عملية “درع الفرات” والذي فقد بالأسبوعين الأخيرين ميزة التنسيق والتنظيم وابتعد عن تكتيك الاستفادة من نتائج الضربات الجوية والمدفعية والصاروخية التي يٌقدمها الجيش التركي من داخل وخارج الأراضي السورية المحررة, بدا مساء الأمس بحلة جديدة وبتكتيك جديد بعد أن عاد للجبهة الغربية لمدينة “الباب” واقتحامه البوابات الغربية عبر عدة محاور هجوم مستفيداً من التغطية الجوية للطيران التركي ومن رمايات المدفعية والصواريخ وبالتالي اقتحامه لمدينة “الباب” وتحريره لجبل “الشيخ عقيل” و”المشفى الوطني” و”الدوار الغربي” و”المتحلق” و”السكن الشبابي” وتقدمه بالأحياء الغربية ووصوله لدوار “مدير المنطقة”, وبالتالي السيطرة على مناطق سبق وحررها واستعادها “داعش” نظراً لأهميتها العسكرية وقدرتها على التحكم بمجريات المعركة داخل المدينة.
بالحديث عن تحرير مدينة “الباب” علينا عدم استعجال النتائج فنحن أمام معركة ضمن مدينة ليست بالصغيرة وحرب الشوارع وتكتيك المفخخات وسلاح التلغيم هو فن عسكري يتقنه ويبرع فيه مقاتلي “البغدادي”, إضافة إلى كون مدينة “الباب” هي الخط الدفاعي الأول عن مدينة “الطبقة” وعن عاصمة التنظيم في “الرقة”, لذلك وجدنا الشراسة بقتال تنظيم “داعش” عندما شعر بخطر التطويق والحصار حيث اندفع نحو الشرق ليستعيد بلدة “بزاعة” من قبضة “الجيش الحر” وانتقل جنوباً لاستعادة قرية “رسم السرحان” من سيطرة ميليشيات “الأسد” واستبعاده نحو بلدة “نجارة” (15كم جنوب مدينة الباب), وزاد على ذلك بأن انتقل إلى بلدة “دريب الواوي” قرب خناصر واستعادها من ميليشيات “الأسد” بعد أن أوقع في صفوفهم خسائر كبيرة بالأرواح, والرابط الذي يجمع كل تلك العمليات القتالية هو منع “داعش” لأي خطر يمكن أن يهدد طرق إمداداته أو حصاره داخل مدينة “الباب”.
ميليشيات نظام “الأسد” التي تشعر بنوع من الراحة بعد احتلالها عاصمة الشمال “حلب” وشبه توقف القتال, بدأت حملة عسكرية من تجمعاتها المتواجدة في “الكلية الجوية” ومن خلال مطار “كويرس” الذي أعاده لهم تنظيم “داعش” نهاية العام الماضي والذي تسيطر عليه قوات النخبة للعميد “سهيل الحسن”, تدعمها جهود ميليشيات “حزب الله” وميليشيات “إيرانية” مع إسناد بالدبابات وقصف مدفعي وصاروخي روسي, يضاف لها التغطية الجوية لطيران قاعدة “حميميم” الذي شارك أيضاً بدعم عملية “درع الفرات” من خلال ضربات جوية مشتركة مع الطيران التركي طالت مواقع ومقرات قيادة تنظيم “داعش” داخل وعلى أطراف مدينة “الباب”, والواضح أن هناك نوايا “روسية” تهدف إلى خلق نوع من التعاون بين “الجيش الحر” وميليشيات “النظام” تقول من خلاله “موسكو” أن هناك تعاوناً وأنه يجب أنشاء مجلس عسكري مشترك يعيد سلطة “دمشق” ويجعل الفصائل المسلحة جزءاً من المؤسسة العسكرية التي يقودها “الأسد”, وهذا الترويج بدأ منذ اجتماع “أستانة” وقامت الأركان الروسية مساء 7-2-2017 ببث خبر مفاده أن ميليشيات “الأسد” و”الجيش الحر” قاما معاً بالتعاون لصد هجوم لتنظيم “داعش” في “القلمون الشرقي”, ليصدر بيان عن فصائل “القلمون” وتنفي الخبر جملة وتفصيلا.
لكن المتتبع لخطوات تقدم ميليشيات “الأسد” وحلفائها جنوبي مدينة “الباب” يدرك أنها لم تكن تقصد الوصول لمدينة “الباب” أو الدخول بالخطوط الحمراء التي رسمتها “موسكو” في المنطقة, لكن من الواضح أن تلك الميليشيات أرادت تحجيم مناطق “الجيش الحر” بريف “الباب” بعد أن سيطر “النظام” على “سبخة الجبول” وتوجهه الآن للسيطرة على بلدة “تادف” جنوب “الباب”, وتهدف لخطوة لأبعد من ذلك من خلال هدف الوصول إلى منطقة “دير حافر” و”مسكنة” إذا ما انسحب “داعش” من المنطقة, مع معلومات مسربة عن مفاوضات بين ميليشيات “صالح مسلم” وميليشيات “الأسد” تقضي بتسليم مدينة “منبج” للنظام أيضاً, وبالتالي قتل خيار اشتراك “الحر” في معركة “الرقة” عبر المحور الجنوبي وكذلك تضييق النظام حصاره على المحاور الشرقية إذا ما سيطر على مدينة “منبج”.
مما لا شك فيه أن عملية “درع الفرات” تخضع لتوافقات سياسية تتحكم بمجرياتها العسكرية, و”أنقرة” لم تخف تعاونها مع “موسكو” لانجاز هذا العمل, لكن مما لاشك فيه أيضاً أن الاتصال الذي حصل بين الرئيس الأمريكي “ترامب” والرئيس التركي “أردوغان” وزيارة الوزير السعودي “الجبير” وظهور التوافق الكامل والشامل في مواقف البلدين, وكذلك تلاقي الأفكار والخطط بين “ترامب” و”أردوغان” حول إقامة “المناطق الآمنة”, كل ذلك أقلق الرئيس “بوتين” وبعثر (نوعاً ما) أوراق “موسكو” التي كانت تمني النفس ببقاء استفرادها بالملف السوري ومحاولتها إنضاج حل سياسي في “أستانة” ومن ثم نقله كتحصيل حاصل لجنيف وتقديمه كأمر واقع لا يمكن استبداله.
الغضب الروسي ظهر وكأن شهر العسل مع “أنقرة” قد شارف على النهاية بعد انتقاد للخارجية الروسية والقول أن “أنقرة” خالفت الاتفاق وأنها تعمل بأجندة خاصة, ترافق هذا التصريح مع إشادة تركية بدور التحالف الغربي وبهجماته النوعية التي ساندت عملية “درع الفرات” باليومين الأخيرين بعد عدة انتقادات وجهتها أنقرة للتحالف الغربي بعدم قيامه بمهامه في الحرب على الإرهاب وعدم مساندته لعملية “درع الفرات”, وكأن المحاولة الروسية الأخيرة بالتنسيق مع “تركيا” وتنفيذ ضربات جوية مشتركة كانت بدون فائدة, أيضاً تصريح قائد التحالف الدولي بأن الستة أشهر القادمة قد تكون كافية للتخلص من تنظيم “داعش” في مدينتي “الرقة” و”الباب” وأن المناطق الآمنة قد تتحقق, تبع ذلك تصريح للجيش الأمريكي من أن “عزل الرقة” قد يتحقق خلال أسابيع قليلة, تلك التصريحات من المؤكد أنها لا ترضي “موسكو” وهي المعزولة عن الاشتراك بتلك العمليات وبالتالي بقائها بعيداً عن أي تعاون مع التحالف الدولي, أي أن الإدارة الأمريكية عادت لتهمش الدور الروسي عسكرياً مما سينعكس على دورها السياسي وبالتالي قد ينسف كل الإنجازات العسكرية التي حاولت “موسكو” البناء عليه لإنتاج حل سياسي يتوافق مع مصالحها وقد يكون يتوافق مع مصالح حليفتها”إيران”.
اللافت باجتماع وزراء خارجية “تركيا” و”المملكة العربية السعودية” أمران:
الأول: شدة التوافق بين أجندات البلدين والخروج برؤية واحدة نسفت كل التحليلات التي تحدثت عن خلاف بين أهم العواصم الداعمة للثورة السورية.
الثاني: الحديث عن قوات خاصة سعودية- تركية قد تدخل الأراضي السورية ضمن توافق ما يجري الإعداد له ضمن خطة قد تعقب إخراج إيران وتوابعها من سورية.
ضمن المنطق العام الأمر الثاني يحتاج لضغوط شديدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وقد تحتاج لعمليات قصف تستهدف أذرع “إيران العسكرية” في سورية كرد أمريكي على تجاوزات “طهران” بعد أن وصفتها واشنطن بأنها الدولة الإرهابية الأكبر بالعالم, وإعطاء الأمر من “البنتاغون” بانتقال حاملة الطائرات الأمريكية الأضخم “جورج بوش” وبعض الطرادات والمدمرات إلى حوض المتوسط له مدلولاته العسكرية, والضربات الأمريكية ليست مستبعدة حتى من قبل “إيران” وأذرعها بدليل أن هناك معلومات عن محاولة تجميع شتات ميليشيات “حزب الله” في مناطق محددة في سورية, وسحبها لأسلحتها الثقيلة من الشمال السوري بل وتفاوض “الحزب” مع فصائل “القلمون” لانسحابه من عشرة قرى في القلمون وتسليمها للمعارضة مقابل مصالحة في محيط بلدة “عرسال” وعودة النازحين إلى لبنان, كلها مؤشرات تدل على توقع “الحزب” ومن خلفه طهران لضربة عسكرية قد تشترك بها حتى “إسرائيل”.
عملية تحرير “الباب” قد تكون الخطوة النهائية في خطة عملية “درع الفرات” لكنها من المؤكد أنها قد تكون النقطة الأولى في العملية اللاحقة التي تستهدف معقل “البغدادي في عاصمته “الرقة”, حدود التحالفات والأطراف المشتركة لم تحسم بعد, لكن من الواضح أن رؤية “أوباما” السابقة لم تعد مقدسة وأن هناك خطط جديدة تعدها إدارة “ترامب” وقد تكون لتركيا الكلمة الأقوى وكلمة الفصل فيها لعدة اعتبارات أهمها عودة المكانة التركية في الرؤية الأمريكية للرئاسة الجديدة.
الثورة السورية وحراكها العسكري والسياسي مدعوة للاستفادة من تلك التغيرات وعدم المجازفة لا سياسياً ولا عسكرياً بوضع كل البيض في سلة واحدة, فالتجربة علمتنا أنه في السياسة لا يوجد عدو دائم ولا صديق دائم.
العميد الركن أحمد رحال
محلل عسكري واستراتيجي
Tags: سلايد