on
Archived: بهنان يامين: ورحل المطران (الأحمر) غـريغـوار حداد
بهنان يامين: كلنا شركاء
لو طرحتَ على الناس السؤال الآتي: مَن هو غريغوار حداد؟ لحصدت عدداً من الاجابات، متناقضة ومبهمة وناقصة وصحيحة بعض الشيء ومغلوطة بعض الشيء. كأن تسمع هذا او ذاك يقول عنه: مطران، رجل دين، مصلح اجتماعي، أسقف محروم، شيوعي، صاحب مشاكل مع طائفته، قديس، متجرد، المطران الاحمر، مطران الفقراء، المطران “الأبونا“، والى ما هنالك من تسميات واحكام واوصاف.
جيروم شاهين
لم يكن جيروم شاهين، الذي عرف المطران غريغوار حداد جيدا، هو الوحيد الذي وقف في حيرة، فالكثيرون وقعوا فيها، لان المطران غريغوار حداد، كان يشكل اشكالية للعديد من المهتمين بالشأن العام سواء الديني منه او الاجتماعي، حقيقة الأمر ان كل تلك الصفات تنطبق على هذا المطران الذي حاول ان ” يحرر المسيح من المسيحية“ ، و ” المسيحية من المسيحيين؟
للكتابة عن المطران “الابونا” غريغوار حداد، يلزم مساحات واسعة، والمقال لا يفيه حقه. موته صبيحة الثاث والعشرين من كانون الاول، اي يوم المولد النبوي الشريف، وقبل يومين من طلوع البدر، وميلاد السيد المسيح، الذي مشى على خطاه وتأثر فيه هذا المطران المتواضع، يشير الى مسيرة المحبة والتسامح والتقارب ما بين الاديان التي انتهجها “مطران الفقراء“.
شكل المطران حداد ظاهرة غير عادية في نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن العشرين، حيث عاد مطران بيروت هذا، من الفاتيكان الى ابرشيته، وهو مصمم على تنفيذ قررات المجمع الفاتيكان الثاني، او كما يسميه البعض المجمع المسكوني الثاني، التي ساهم في كتابة بعض اقسام من هذه القرارات. ولما كان اسهام العلمانيين في الحياة اليومية للكنيسة، من اهم مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني، فلقد باشر المطران حداد بتنظيم هذه المساهمة عبر لجان عديدة، أعطت دوراً هاماً لاشراك العلمانيين في عمل الكنيسة. إضافة الى ذلك نظم طريقة مساهمة ابناء الرعية في اغناء صندوق الكنيسة، الذي يصرف منه رواتب المطران والكهنة، ولقد ساوى ما بين راتب المطران والكهنة، لانه باعتقاده الكهنة يعملون مثل المطران لا بل أكثر.
رفض السلطة الكنسية التقليدية، والمتجبرة، والمتعالية، واعتبرها سلطة غير مسيحية، ولقد وضح هذه النقطة بالذات، في لقائه مع الاعلامية جيزيل خوري في برنامج حوار العمر، حيث قال: ” في الكنيسة العلماني له دور، والشماس له دور، والكاهن له دور، والمطران له دور، والبطريرك له دور، وكذلك البابا له دوراً، ولكن عندما يتحول احدهم سلطة على الأخرين، عندها يفقد مسيحيته. ” السلطة البديلة“، ان صح تعبير استخدام كلمة سلطة، كانت قائمة على مشاركة الجميع في الدور والقرار، ومبنية على تعاليم السيد المسيح، من أجل بناء كنيسة الفقراء، حسب ما اراد السيد المسيح. سلطة المحبة هذه، وكنيسة الفقراء، لم تعجب المتسلطين في الكنيسة، سواء الاكليروس او اغنياء الطائفة، الذين أخذوا يحاربون هذا المطران، الذي حسب رأيهم شذ عن تقاليد سلطة الكنيسة المستبدة. هذه السلطة المسيحية وتنفيذ بنودها أدى الى كشف الفساد في السلطة الكنسية المستبدة، وهو ما سيلحظه الكثير من الكهنة، مثل الأب حكمت جاموس والأب بيير مصري، وكذلك ما لحظه البطريرك اغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد، الذي حورب لكونه كشف الفساد في الابرشيات فاقيل.
لم يكتفي المطران غريغوار حداد بنجاحاته على مستوى بناء سلطة المحبة والشراكة المسيحية، فانتقل الى نشر الوعي، والفهم الصحيح للمسيح والمسيحية الحقة، فاصدر مجلة آفاق، التي شاركه في تحريرها مجموعة من المفكرين المسيحيين، الذين يشاركونه المفهوم الصحيح للمسيحية، ومنهم على سبيل المثال الأب جيروم شاهين، ولكن الانتشار الواسع لهذه المجلة في اواسط المثقفين من كل الديانات، لانهم لم يكونوا يخاطبون المسيحيين فقط، بل كذلك المسلمين، حيث كان المطران ومن يشاركه الرأي، من اوائل من حارب الطائفية على المستوى السياسي والاجتماعي، وهذا الانتشار جر على المطران المتاعب مع السلطة الكنسية لطائفته. مقالاته اتسمت بالجرأة المتناهية، واذكر منها بعض العناوين: ” تحرير المسيح من المسيحية“، ” تحرير المسيحية من المسيحيين..” وهذه المقالات ادت الى اتهام بعض المطارنة له بالهرطقة والتأثر بالافكار غير المسيحية، ولكن لجنة العقيد والايمان في الكنيسة الكاثوليكية، وبعد دراسة ملفه ومناقشته، لم ترى اي تعليم مضاد لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية، حيث اعترف له الفاتيكان بأن افكاره سباقة للفهم الكلاسيكي للعقيدة الكاثوليكية، وهو ما حدث بالضبط مع تيري دو شاردان، الذي تنأثر به المطران حداد، في فهمه للمسيحية الحقة، ومن هنا كان قرارها ببطلان تهمة الهرطقة.
رغم هذه البراءة، اتخذ ما يسمى السيندوس المقدس لطائفة الروم الكاثوليك، قراراً أزعج الفاتيكان، الا وهو عزل مطران بيروت غريغوار حداد من ابرشيته، حيث اعتبر السفير البابوي هذا القرار تحدياً للفاتيكان، الذي برأ هذه المطران. ماذا كان موقف هذا المطران من القرار؟ لم يكن ابداً الانزعاج، بل صرح ” بأن هذا القرار حررني…” وهو بالفعل تحرر، فاخذ ينشط، من أجل العمل على تدعيم المجتمع بالعلمانية ومحاربة الطائفية، وفي هذا المجال لم يكن وحده، فلقد شاركه العديد من الفعاليات الدينية من الديانات والمذاهب الأخرى، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الراحل العلامة السيد هاني فحص، الذي شارك المطران غريغوار حداد في العديد من المشاريع الاجتماعية والفكرية. مفهومه المتطور والمتقدم للعلمانية، اعطته لقب المطران الأحمر، وتهمة التأثر بكارل ماركس، الذي رفضها معتبراً ليس ذنبه ان كان هو وكارل ماركس قد تأثروا بالسيد المسيح الذي حقق انسانية الانسان.
ان الحوار الذي اجرته معه الاعلامية جيزيل خوري في حوار العمر يلخص مفاهيم المطران غريغوار حداد حول العديد من النقاط التي تطرق اليه او عمل على تعميمها وتنفيذها.
رحل المطران ” الابونا“، وهذا اللقب جاءه من رفضه لقب ” سيدنا“، وهو اللقب التي يعطى للمطارنة والبطاركة، الذي كان يعتبره انتقاص من انسانية الانسان وخاصة المسيحي منه، من هنا تفضيله لقب “ابونا“، رحل عنا ولكنه ترك بصمته على كل من عرف فكره الذي ارسى مفهوماً متطوراً وجديداً للمسيحية، وهو المفهوم الصحيح الذي اراده السيد المسيح.
سيبقى فكر مطران الفقراء منارة لمحاربة الطائفية وارساء العلمانية التي تحرر الانسان من ادران هذه الامراض التي دمرت مجتمعاتنا.
اقرأ:
بهنان يامين: الميلاد الخامس وطفل المغارة حزين على شعبه السوري
Tags: مميز