on
فريدرك هوف : المناطق الآمنة في سوريا تحتاج قواتٍ بريةٍ لتعزيزها
فريدرك هوف- الفورين بوليسي الأمريكية -: ترجمة محمود العبي: كلنا شركاء
لا يوجد وسيلة لحماية أرواح الأبرياء إلا من خلال قوات برية محترفة مترافقة مع المناطق الآمنة.
يقول الرئيس دونالد ترامب إنه يريد “مناطق آمنة” في سوريا. نيته هي إبقاء النازحين داخلياً، الذين قد يرغبون بالانضمام إلى ما يقرب من خمسة ملايين لاجئ سوري. ما الذي بمقدوره تحقيقه؟ ولكن الشيء الأول الذي يجب أن يعرفه أي رئيس جديد هو أن أي منطقة آمنة يجب أن تستتبع بحماية قوية من القوات البرية والجوية. وهذا ما يميزها عن منطقة القتل.
خلال سنوات الصراع الست في سوريا، كانت هناك دعوات كثيرة لمناطق حظر جوي، ولكن بشكل مدروس تجنبوا مناقشة من الذي سيدافع عن المنطقة على الأرض، كما لو أن المدنيين يمكن أن يكونوا محميين من ارتفاع ثلاثين ألف قدما. في الواقع، تعامل النظام القاتل مع مسألة الحماية على الأرض من خلال إيقاف النقاشات بشأن كيفية حماية المدنيين السوريين.
وفي سوريا اليوم، هناك على الأقل ثلاث مناطق صراع نشطة من الممكن أن تصلح ليتم تحويلها إلى مناطق آمنة. حيث يحتل تنظيم “داعش” حالياً مناطق في وسط وشرق سوريا: جزء من وادي نهر الفرات شمال مدينة حلب، حيث يضيق الجنود الأتراك وقوات الجيش السوري الحر الخناق على مدينة الباب التي يسيطر عليها التنظيم، وفي شمال غرب محافظة إدلب، حيث ما تزال جبهة فتح الشام قوة رئيسية.
ويمكن أن تؤدي الهزيمة العسكرية المقبلة المفترضة لتنظيم “داعش”- إذا ما تم التعامل معه بشكل صحيح- إلى المصدر الرئيسي لكل المناطق الآمنة، المصدر الممتد من نهر الفرات إلى العراق، ولكن يتطلب التعامل السليم تحولاً كبيراً في استراتيجية واشنطن، فالقوة البرية التي تقاتل حالياً تنظيم “داعش” هي وحدات حماية الشعب الكردية، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني- وهو منظمة إرهابية مصنفة أمريكياً، ومن المقرر أن تدخل وحدات حماية الشعب الكردية وبعض المساعدين العرب، تحت اسم “قوات سوريا الديمقراطية” إلى “عاصمة” “داعش” في مدينة الرقة العربية.
وعلى أي حال، ليس القتال في مناطق المدن وظيفة الميليشيات المدربة تدريباً بسيطاً، ولكنه يتطلب مهارات خاصة لا توجد إلا عند القوات التي تحتل المرتبة الأولى في العالم، المهارات التي تقلل الخسائر سواء بالنسبة لقوة التدخل وأيضاً بالنسبة للسكان المدنيين.
وقوة برية مهنية بقيادة الولايات المتحدة هو الشيء الذي يصر عليه الكاتب. وهذا ينطوي على معسكر أمريكي يحوي قوات برية من دول مثل تركيا والأردن وفرنسا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين. في هذا السياق طوعت الدول الثلاث الأخيرة في القائمة مسبقاً قوات لمحاربة تنظيم “داعش”، لأن تجنيد الآخرين يتطلب دبلوماسية عملية. ولكن إذا كان “داعش” التهديد الذي تقول عنه إدارة ترامب، وسيوافق سكان باريس وبروكسل وإسطنبول وأنقرة، الذين عانوا من الهجمات الإرهابية، لماذا ستحيّد تلك الإدارة جنود الميليشيات؟
وبالإضافة إلى ربط الهزيمة العسكرية لتنظيم “داعش” بوجود عسكريين محترفين، يجب أن تأخذ في الاعتبار خطة البنتاغون لشمال سوريا عدة عوامل أخرى. حيث ينبغي أن تغطي الحملة العسكرية كل من شرق سوريا (وليس فقط الرقة)، من خلال القضاء على “داعش” في دير الزور وكل سوريا.
ومن الضروري إعداد خطة لتحقيق الاستقرار في مرحلة ما بعد القتال من خلال توطيد الحكم المحلي. حيث يمكن الاعتماد على المجالس المحلية السورية التي أجبرها تنظيم “داعش” على العمل بشكل سري، والمعارضة الوطنية السورية وموظفي المجتمع المدني السوري وقوى الدفاع المدني في المناطق الخاصة بها.
وأخيراً، يجب على القوى التي تهزم تنظيم “داعش” التخطيط للحفاظ على الأرض وحماية القوات الجوية للمناطق المحررة.
هذه ليست مجرد مسألة هزيمة تنظيم “داعش”. حيث يعني تحويل وسط وشرق سوريا من “خلافة” إلى منطقة آمنة بالضرورة إبعاد قوات “بشار الأسد” عن تلك المنطقة، لأن نظاماً فاسداً مجرماً يحل محل “داعش” سيمهد ببساطة الطريق لعودة المجموعة الجهادية، والتي ستؤدي في النهاية إلى تدافع المدنيين السوريين باتجاه تركيا والعراق.
ويمكن أن تغدو أيضاً المنطقة التي يتعرض فيها تنظيم “داعش” لهجوم عن طريق تركيا في وادي نهر الفرات منطقةً آمنةً. ولكن تعاني تركيا وحلفاؤها الثوار السوريين صعوبة في طرد الجماعة الإرهابية من مدينة الباب ذات الأغلبية السنية التي تقع في الشمال الشرقي من حلب.
وعلى افتراض تمت استعادة الباب، في نهاية المطاف، سيتم تطهير تنظيم “داعش” من جيب كبير يمتد إلى الجنوب من الحدود التركية. ومع ذلك، ستتطلب منطقة آمنة فعالة بالضرورة وجوداً لقوات برية كبيرة ودائمة وغطاءً جوياً تركياً، على أن تستكمل من الثوار السوريين الوطنيين المستعدين لقتال جميع الوافدين: الميليشيات الشيعية والقاعدة وتنظيم “داعش” والأسد.
وفي محافظة إدلب، يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يلعب دوراً حاسماً في إنشاء منطقة آمنة إذا كان مستعداً وقادراً. فإذا تمكنت روسيا من المساعدة في تحييد الميليشيات الشيعية غير المنضبطة التي تقودها إيران، من خلال فرض وقف حقيقي للأعمال العدائية في شمال غرب سوريا، عندها سيكون بمقدور الثوار السوريين الوطنيين عزل أنفسهم عن جبهة فتح الشام والعمل مع واشنطن وموسكو لهزيمة تنظيم القاعدة والدفاع عن المدنيين.
ومع ذلك، بالنسبة لنقل إدلب باتجاه منطقة آمنة، سيتحتم على روسيا الامتناع عن الهجمات الجوية للجم نظام الأسد ومؤيديه الذين تقودهم إيران. هل ستفعل موسكو ذلك؟ وهل بوسعها؟ وهل سيفرض الروس منطقة حظر جوي على نظام الأسد عندما تصبح جبهة فتح الشام جزءاً من الماضي؟ وهل ستتطور الظروف التي تمكن المعارضة السورية الوطنية من القضاء على تنظيم القاعدة؟ حتى تكون محافظة إدلب آمنة للمدنيين، ينتظرنا الكثير من العمل الشاق والجدي.
وفي هذا السياق، ناقش الرئيس ترامب والعاهل الأردني الملك عبد الله منطقةً آمنةً في جنوب غرب سوريا، بين دمشق والحدود الأردنية. وكانت هذه المنطقة هادئةً نسبياً. ومع ذلك، من أجل أن تكون تلك المنطقة آمنةً حقاً للمدنيين، سيكون دور محوري للقوات البرية والجوية الأردنية أمراً مثالياً.
وفقط في حالة إنشاء منطقة آمنة لما بعد تنظيم “داعش”، يمكن للقوات البرية الأمريكية في شكل تشكيلات قتالية كبيرة أن تكون ممكنة. لن يختفي مقاتلو “داعش” ببساطة من وسط وشرق سوريا، إلا بعد تحرير المناطق ذات الكثافة السكانية العالية من قبضتهم عبر القوات العسكرية المحترفة، وسيعمق تأليب الميليشيات ضد “داعش” فقط من المقت والبغض الإنساني وسيفاقم من العواقب السياسية.
ومنذ ما يقرب من ست سنوات، دفع المدنيون السوريون وجيرانهم والأوروبيون الغربيون ثمن إجرام الأسد وتنظيم “داعش”. ويمكن لتحول سياسي كامل بإزاحة الأسد وعائلته وحاشيته من المشهد أن يجعل كل سوريا منطقةً آمنةً. ومع ذلك، في الوقت الراهن، يجب على واشنطن وموسكو إعادة النظر في استراتيجياتهما المتعلقة بإنقاذ وحماية المدنيين من ويلات الحرب.
الموقع: الفورين بوليسي الأمريكية
بقلم: فريدرك هوف
تاريخ النشر: 09/02/2017
ترجمة: محمود محمد العبي
الرابط:
https://foreignpolicy.com/2017/02/09/if-trump-wants-safe-zones-in-syria-there-have-to-be-boots-on-the-ground/