فواز تللو: خيار القاعدة إما هم أو الثورة

فواز تللو: كلنا شركاء

هي مواجهة لم يردها أحدٌ مع قادة وشرعيي القاعدة بكل نسخها وآخرها “هيئة تحرير الشام” #هتش عسى أن يعودوا إلى رشدهم، وتحملت الثورة الكثير بسبب ذلك لكنهم ووفق نهج التقية البراغماتي الميكيافيلي لم يفهموها كذلك بل فهموا صبر الناس ووعيهم في فترة ضعف جبهة النصرة بعد انشقاق داعش على أنه سذاجة، وبعد تزايد قوتها فهموا الأمر ضعفاً وخوفاً، وهو أمر حقيقي إلى حد ما في الحالتين لكن لم يكن السبب الرئيسي في تجنب صدامهم.

فبالإضافة إلى الوعي بالخطر الخارجي ومحاولة تجنيب المعسكر الداخلي الصدام؛ كان خوف هذه الفصائل على أبناء سوريا المنخرطين في النصرة غير المبالين بمشاريعها القاعدية بقدر انخداعهم بدعاويها في دعم الثورة، وهنا لابد من التفريق بين قادة النصرة وشرعييها الغرباء بمعظمهم مع قلة من السوريين الذين يمثلون فكر القاعدة وتمييزهم عن معظم العناصر السوريين الذين لا يحملون هذا الفكر العدمي وينظرون فقط من زاوية الثورة أي قتال النظام الأسدي الطائفي مما يتطلب من القاعدة استحضار دعاوى تخوين أعدائها واتهامهم بالتآمر على الثورة السورية بدل الادعاء بتكفيرهم حيث لن يقبل ذريعة تكفيرهم معظم مقاتليهم السوريين في هذه الحالة وسينقلبون عليهم لذلك وجب استنقاذهم من براثن القاعدة قبل أن تتم عملية غسل أدمغتهم.

لكن القاعدة استعجلت المواجهة بعد أن ظنت أنها بموقع القوي المتغلب، فجاءت المناورات الأخيرة لرجلها في أحرار الشام هاشم الشيخ في ما سماه جيش الأحرار لمحاولة استقطاب تشكيلات الحركة وإنهائها بعد أن فشلت القاعدة في ابتلاعها تحت شعار الاندماج الذي كان سيضع الجميع في خانة القاعدة، وعندما لم ينجح عاد للحركة مع باقي العملاء الخوارج لتفجير ألغامه من الداخل وفق خطة جديدة، حيث بدأت القاعدة عدوانها بالتزامن مع انشقاقه مع المجموعة القاعدية من حركة أحرار الشام التي بدأت بإصدار البيانات المتتالية المدروسة في حرب إعلامية للإيحاء بأن الأمر بات محسوماً وعلى الجميع الالتحاق بهذا التنظيم الجديد “هيئة تحرير الشام” #هتش التي وُضع على رأسها كواجهة هاشم الشيخ بينما سُلمت الأمور العسكرية التي تمثل الأساس إلى المدعو السوري القاعدي المتأصل “أحمد الشرع” (الجولاني) كواجهة للغرباء من قادة القاعدة، وبدأت مهرجانات التأييد المفبركة، وبانتظار استقرار الأمور جرت تهدئة عسكرية لتعود القاعدة مؤقتاً إلى أسلوب الابتلاع بالإقناع والتخويف خلال فترة لن تطول هذه المرة حتى تنتقل لأسلوب الابتلاع بالقوة لتنفيذ ما تخطط له كمرحلة أخيرة للاستيلاء النهائي على الثورة السورية وهو لن يحصل  بإذن الله.

من قال أن مشكلتنا مع تنظيم القاعدة “هيئة تحرير الشام” #هتش هي “فقط” عدم إعطاء الذريعة للنظام والإيرانيين والروس والأمريكان بالقصف حيث يتواجدون، نعم تلك مشكلة لكن المشكلة الكبيرة الأولى تكمن في صبغهم الثورة بلونهم تحت أي اندماج كان الأمر بما يعطي الذريعة لهؤلاء الأعداء المتكالبين بإعادة تأهيل النظام الأسدي باعتبار أن المجتمع الدولي سيصبح أمام خيارين: النظام الأسدي الطائفي أو القاعدة، والأمر لا يحتاج إلى ذكاء لنعرف النتيجة وهنا لن يكون هناك من حليف، وهنا فقط نخاطر في أقل الأحوال سوءاً بتحويل  السوريين الثائرين إلى متطرفين مع ما يعني ذلك من عواقب لنا في العراق مثالها، لذلك كان من الحكمة لو كانوا مخلصين لنصرة ثورتنا وليس الانتصار لمشروعهم القاعدي على حساب ثورتنا وتضحياتنا‘ كان من الحكمة حل أنفسهم واندماج عناصرهم بباقي الفصائل تحت جسم واحد جديد مع غياب قادتهم وشرعييهم عن المسرح، لكنهم لم ولن يفعلوا كما بات واضحاً، بل افتعلوا المشكلةً الكبيرة الثانية التي تكمن في عدوانهم وبغيهم على باقي الفصائل لابتلاعها بما أضعف الثورة، فهل من خيانة أكبر من ذلك.

يبرز هنا كم استغلوا تضحياتنا بدل أن يقدموا الدعم لمن يدعي نصرة ثورتنا، فمليون معتقل واثني عشر مليون مهجر فقدوا كل شيء وربع مليون معتقل ومليونا مروا على المعتقلات ومائة ألف شهيد مقاتل كانوا من نصيبنا، وحتى بضعة آلاف على الأكثر ممن سقطوا مع النصرة كانوا بمعظمهم سوريين ومع ذلك لا يقارن عددهم بمن سقط على طول الثورة، وماذا عن كل الخسائر المادية والدمار الذي تحملناه، فأي غدر وسرقة خسيسة لتضحياتنا تقوم به القاعدة، وأي إسلام يحملون، وأي خيانة يقوم بها سوري يلتحق بهم.

ما يجري من فرز اليوم في ساحة الفصائل له إيجابيات أيضاً تكمن في فرز فصائل القاعدة عن فصائل الثورة، وإجبار هذه الفصائل على التوحد في الجهتين، مع فرز آخر داخل الفصائل كما يحدث في أحرار الشام والزنكي وجيش السنة، كما أن ذلك سيعني وضع العناصر الذين اختار قادتهم تنظيم القاعدة أمام امتحان يتمثل في الانصياع لقادتهم وقتال إخوانهم  أو الانقلاب عليهم وهو ما سيدفع مع الزمن جزءا لابأس به منهم وأعني بهم السوريين للانشقاق عن قادتهم، أيضاً فإن الدول الداعمة كتركيا والسعودية إن أحسنت قراءة المشهد ستجد نفسها أمام استحقاق دعم فصائل الثورة بعد أن زالت الحجج التي وضعها الأمريكي. 

تقوم #هتش اليوم بشن حربٍ نفسية للإيحاء بأنها ابتلعت الساحة عبر سلسلة البيانات المدروسة لكننا سنشهد بسرعة زوال هذه الفقاعة الكذبة وهو أمر يتطلب تحركا سريعا من فصائل الثورة للرد إعلاميا وسياسياً وعسكرياً بتوحد حقيقي ولا مجال هنا لبقاء أحد خارج المشهد لأن القاعدة ستبتلعه رغما عنه، والمطلوب من السعودية وتركيا دعمهم بلا تحفظ، كما لابد هنا من وجود قيادة سياسية جديدة بعيدة عن المقاربات والأدوات والأشخاص وتشكيلات المعارضة المصطنعة السياسية السابقة بهيئاتها وشخوصها، وبعيدا عن هيئات سياسية غير خبيرة مثلت الفصائل مع احترامنا لهؤلاء الأشخاص.

لم تسقط الثورة كما يحاول النظام وأسياده الإيحاء، ولم يسقط الثوار كما تحاول هتش أن توحي، كما لم تستطع داعش قبلهم، نعم الأيام القادمة صعبة كما كل مسار ثورتنا منذ اليوم الأول لكنها لم تسقط، فالنظام وأسياده سيتابعون عدوانهم على الثوار، والقاعدة (#هتش) ستتابع عدوانها على الثوار وقد تحقق بعض التقدم لكن سرعان ما ستتراجع وتتفتت من الداخل وتنتهي كما كل أشباها إن أحسنا التصرف والتاريخ القريب أمامنا حيث لا يمكن لمشروع قاعدي خوارجي أن ينجح، لكن المهم أن لا يكون الثمن على حسابنا كما جرى في العراق حيث يتحمل العراقيون العرب السنة المسؤولية عن ترك هذا الطاعون يتغلغل ويصادر مقاومتهم ليستغل الأعداء ذلك، وهو ما عجز عنه هذا الطاعون القاعدي حتى اللحظة في سوريا بسبب وعي السوريين وثوارهم.

هو قدرنا كسوريين أن نغير العالم، فالشعب السوري الذي صمد وكاد لمرات يُسقط الأسدي بكل جبروته والإيراني وأذنابه والروسي لن يعجزه هؤلاء الخوارج، بل هم عائق آخر ستجتازه الثورة ونرجو أن يكون الأخير لنتعلم ونزداد وعيا لنستحق النصر، ولندرك بكل وضوح أن لا خيار مع القاعدة التي تختار دائماً نفس خيار النظام الطائفي الأسدي العدمي: إما كل شيء أو لا شيء وقد كان متوهماً النصر فإذا به يواجه اللاشيء، وهو ما ستواجهه القاعدة #هتش على يد ثورتنا بإذن الله، في نهايةٍ لن يقوم بعدها لهذا النهج الخارجي قائمةٌ في العالم كما مصير أشباهها بإذن الله،  وإن غداً لناظره قريب.

فواز تللو – سياسي وباحث سوري

برلين – ألمانيا  02/02/2017





Tags: سلايد