on
د.سميرة مبيض: في تلاشي المسافات
د.سميرة مبيض: كلنا شركاء
يبعد مبنى إدارة المخابرات الجوية عن مشفى القديس لويس (مشفى الفرنسي) في القصاع 2500 مترا ويبعد عن منزلي الذي فيه كبرت 250 مترا أيضاً لا و بل يبعد عن مدخل بيت جدي 200 مترا فقط يعني “دقيقتين مشي”، لم تكن هذه المسافات تعني شيئاً لسكان هذا الحي. هنا حيث يولد الأطفال في مشفى الفرنسي تحت أيقونة حنونة و يعمّدون في كنيسة القديس كيرلس ليعلنوا رفضهم للشيطان و جميع أعماله و يكللون بالفرح و الهناء أعراسهم، هنا حيث المحال التجارية لا تهدأ و محلات الحلويات لا تفرغ.
ربما هي هذه الضجة الدائمة بين الولادات و الأعراس و الجنازات الأنيقة و صراخ الباعة المتجولة و حمى التسوق و التنزيلات…ربما هو كل ذلك الذي منع وصول أصواتهم. هم؟ المعتقلون في أقبية هذا الفرع على بعد “دقيقتين مشي” من كل صخب الحياة هذا الذي يسمى حي القصاع.
حين كنّا نكتسي من الأسواق كانوا يبقون عراة لساعات طويلة و حين كنّا نتعالج من تحسس جلدي كانت القروح تملأ أجسادهم دونما دواء و حينما كنّا نصلي و نشعل الشموع كانت الكنيسة باردة و الشموع معتمة، كيف تقبل صلوات وعلى بعد مئتي متر منها يكمن الجحيم و يسود بها الشيطان بكلّ أعماله سجّاناً و محققاً و قاتلاً.
في حين كانت الحياة تسير بل تهرول في الخارج كانوا، و لا زالوا يتعرضون لكل أنواع الارهاب و يُمنعون عن الكلام لكن لا يمنعون من الصراخ ألماً فيفترض بأن تسجن جدران الباطون الصراخ أيضاً الى أن باتت هذه المسافات القريبة البعيدة تعني الكثير منذ سقطت الجدران و تلاشت، بتنا نراهم و ان كانوا وراءها، خرجت أصواتهم للفضاء كلمات مكتوبة و كلمات محكية و بتنا نسمع صراخهم الماضي و الحاضر.
لن يجرؤ أحد من الجيران أن يقول لم نسمع بعد اليوم، لن يجرؤ أحد أن يشعل شمعة دون أن يصلي لهم، ليقل في صلاته لأجل آلامهم لأجل حريتهم هم المعتقلون هنا على بعد مئتي خطوة من منزلي و من كنيستي، لأجل خلاصنا جميعاً من شر استبد في أرضنا. لكن لتكن صلاته في قلبه ولا يعلو صوته بهكذا دعاء كي لا يعتقل بتهمة الصلاة ضد الظلم و الظالم و يصبح معهم هناك حيث لا شموع تنير العتمة.