صادق جلال العظم الأكثر تنويراً والأقل نرجسية

كلنا شركاء: علي حرب- الحياة

كان لقائي الأول مع صادق جلال العظم، على المستوى الشخصي، في جامعة دمشق، عام 1996، يومذاك دعاني إلى المشاركة في ندوة فكرية حول قضية التقدم. هذا مع أني كنت ناقداً له كما في مقالتي: «صادق جلال العظم: إرادة المعرفة أم إرادة الماركسية؟» (1993).

فاجأني الرجل وأربكني في موقفه هذا، خصوصاً أنني كنت في نقدي له غير مُهادن ولا مُعترف، لأن هذا النقد الذي استهدف كتابه «دفاعاً عن المادية والتاريخ»، حاول تبيان تهافت أطروحته ودفاعاته عن الأيديولوجيا الماركسية من أساسها الفلسفي والنظري. وأذكر أنني قلت في قرارتي لو كنت مكان العظم لما دعوته إلى ندوة أنا مُشرف عليها. لذا، قرّرت أن أسدي له المديح والثناء على منبر الندوة.

وكنت وصلت إلى دمشق متأخراً، فعلمت أن الدكتور صادق قال في كلمته، عندما افتتح الندوة صباحاً، وهو يستعرض أسماء المشاركين فيها، لقد وجهت الدعوة أيضاً إلى علي حرب الذي كنت واحداً من ضحاياه. ولما حان موعد مداخلتي شكرته أولاً على توجيه الدعوة، وحيّيته خصوصاً على أصالة موقفه النقدي والتنويري، إذ هو تجاوز منطق الخصومة الفكرية، ولم يترك نقدي له أي أثر في نفسه من غلّ أو ضغينة. وكان اللقاء في دمشق فاتحة للقاءات أخرى مع العظم، خصوصاً في بيروت، كان مدارها أحاديث سريعة أو مناقشات معمقة حول مشاغل الفكر وقضايا الساعة. هكذا، فإن نقدي له لم يمنع أن تنشأ بيني وبينه علاقة قائمة على الاحترام والودّ. والفضل يعود إليه بالدرجة الأولى.

أكثر من ذلك. كان العظم على خلاف زملائه من شيوخ الفكر. فأنت عندما تكتب عن واحد منهم تقدمك في السن أو سبقك إلى الكتابة، إنما تثني عليه وتعترف بإنجازه. أما هو فيشق عليه أن يذكرك، حتى عندما يستعير عبارة من نصوصك.

أما العظم فكان متحرراً من هذه العقدة النرجسية المتعلقة بالسلطة والمركز والأقدمية، فلا يغلّب في ما يكتب عن الآخرين، أياً كانت أعمارهم أو أسبقيتهم، الحسابات الاستراتيجية على المقتضيات المعرفية. وأنا أعترف بأنني أجاهد نفسي لكي أقتدي به، في هذا الشأن، ولكنني قلما أفلحت في ذلك.

النبل

وأنا لم أردّ هذا الانفتاح على الرأي الآخر والاعتراف به، إلى مهنة العظم أو إلى مهمّته كفيلسوف ماركسي أو كمفكر نقدي، بل نسبته إلى نشأته، أقصد إلى نبالته، هو سليل الأسرة الدمشقية الارستقراطية. بالطبع، فإن هذا التفسير قد فاجأ البعض، لكي يكشف عن جهلهم بذواتهم وبأفكارهم. فهم يرفعون شعار حرية الرأي، لكنهم لا يحسنون سوى انتهاكها. وهذه واحدة من وظائف العقل الأيديولوجي، فصاحبه لا يقبل الرأي الآخر، لأنه لا يتماهى إلا مع من يفكر على شاكلته، لذا فهو يعمل كما يعمل النموذج الأصولي، فيحيل حسنات خصمه إلى سيئات، وبالعكس.

كان صادق جلال العظم، حقاً، فريداً بين الكتاب والفلاسفة. وأنا لا أستخدم كلمة الفرادة هنا بمعناها المعرفي أو الادبي، على غرار ما يقال أن هذا الشاعر أو ذلك المفكر هو وحيد عصره أو فريد في مجاله. أولاً لأن كلّ مبدع في حقله يتمتع بالفرادة والأصالة. والأهم لأن العظم كان استثناء من حيث علاقته بالأنداد والنظراء.

صحيح أنه كان ناقداً شرساً على المستوى الفكري، لكنه كان يفصل بين النص والشخص، بين النقد والمسلك، ولا يلجأ إلى التجريح أو التهشيم. فكان بذلك تنويرياً بالمعنيين: على مستوى الفكرة، وعلى مستوى الممارسة، مخالفاً بذلك لغة الحروب الأيديولوجية السائدة، اليوم، على الساحة الثقافية، حيث الكلمات الجارحة تبدو أحياناً أقسى من الرصاصات القاتلة. الأمر الذي يجعلنا نستحضر عصر محمد عبده وفرح أنطون اللذين قدّما، في مناظرتهما الشهيرة، مثلاً على المناقشة التنويرية الراقية، من حيث نبل المقصد وجميل المخالفة وعقلانية الحجّة.

وكان العظم إلى ذلك الأقل نرجسية بيننا. فأكثرنا كان يحركه في ما يكتب ليس حب الحقيقة، بل جوع عتيق إلى الشهرة والمنصب، أو إلى الجائزة التي باتت تشكل هاجساً لدى كثيرين من العاملين في القطاع الثقافي. على هذا المستوى، كم نفتقر إلى صادق جلال العظم كمثال للتواضع الفكري والخلقي.

الجرأة والجدة

في ما يخص المساهمة الفكرية للعظم، يكفي في هذه الكلمة، التي هي بمثابة تحية له بعد غيابه، أن أقول أن العظم كان من الذين افتتحوا عصر النقد الفلسفي، في طوره الجديد، الذي كان امتداداً وتطويراً لعصر النهضة والتنوير، سواء على المستوى السياسي. كما في كتابه: «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، أو على المستوى الفلسفي، كما في كتابه «نقد الفكر الديني».

بالطبع، فقد مارس العظم نشاطه النقدي بوجهيه: الأول هو الجرأة الفكرية على قول ما يُمنع قوله من جانب السلطة الدينية أو السلطة السياسية المتواطئة معها. هذه الجرأة هي التي قادته إلى السجن لأيام قليلة، كما اضطرّته إلى ترك التدريس في الجامعة الأميركية ببيروت عام 1968. ولا مبالغة في القول أن العظم كان الأجرأ، بعد طه حسين، على نقد التراث الديني بمؤسساته وسلطاته.

أما الوجه الآخر للنقد فهو تفكيك ما يمتنع عن القول أو يُستعصى على الفهم، وذلك بإخضاع العقليات والعقائد الدينية لعمل الدرس والتحليل، للكشف عما تنطوي عليه من آليات الحجب أو ألاعيب السلطة أو أشكال المصادرة. هنا يبدو العظم على عكس ما كان في مرافعته عن الماركسية، بمعنى أن ما كان يحرّكه هو إرادة المعرفة لا إرادة العقيدة.

ومع أن العظم تبنّى الماركسية كمشروع خلاص، فإنه لم يكن من أصحاب المشاريع الفكرية العريضة التي تشمل تراثاً أو عصراً أو ثقافة، كما نجد لدى محمد أركون أو محمد عابد الجابري أو حسن حنفي… فباستثناء كتابه «نقد الفكر الديني» كان العظم يتناول بالدرس قضية أو مقولة أو ظاهرة أو حدثاً…

هنا أيضاً، كان العظم يتحلى بالتواضع العلمي، فالمشاريع الكبيرة تقع في فخ التبسيط بقدر ما تنطوي على مقدار من الادعاء. لذا، فهي تحتاج لإيفائها حقها من الدرس والمعالجة إلى فرق عمل أو إلى مراكز للبحث. ولا يعني ذلك أن ما كتبه أصحاب المشاريع لا قيمة له أو لا فائدة منه. بالعكس، فهم أثاروا قضايا جديدة، وفتحوا ملفات مغلقة، واستخدموا أدوات منهجية خصبة وفعّالة، وقدّموا عناوين للدراسة والمقاربة. وما أنجزوه، بالطول والعرض، يمكن الانطلاق منه واستثماره، في دراسات تذهب في العمق، على سبيل الحفر والتنقيب، لإثارة قضايا جديدة، أو تسليط الضوء على جوانب أو مناطق بقيت في دائرة العتمة.

الخروج على المدرسية

في ما يخصّ ما كتبته عن العظم، فإني وإن كنت من نقّاده، فقد قرأته وأفدت من أعماله في طور أول، ثم خرجت عليه، كما خرجت على نفسي وعلى ثقافتي الحداثية بالمراجعة النقدية.

وكنت أودّ العودة إلى ما كتبته عنه في شأن مقالته السالفة الذكر: «دفاعاً عن المادية والتاريخ»، عندما نويت كتابة هذه الكلمة، لكني عدلت عن ذلك، لأنني لا أريد تكرار ما سبق أن قلته، ولأنني أعتبر أن ما كتبته أصبح ملك القرّاء والنقّاد. وكل استعادة له من جانبي، بالتعليق والشرح أو بالتعديل والتطوير، هو كلام جديد. هذا مع أن صادق جلال العظم على ما تابعت نتاجه في سنواته الأخيرة قد تغير، فخرج على ماركسيته المدرسية وتحرّر من شِباك منظومته الأيديولوجية، بالانفتاح على الثورات المعرفية والتحولات الفكرية على الساحة العالمية.

الهزيمة والثورة

أنهي هذه الكلمة عن صادق جلال العظم، الذي بدأ مسيرته الفكرية، بنقد «الهزيمة»، بنوع من العودة النقدية إلى «الثورة». وأنا أذكر أنني قرأت كلاماً له، بعد اندلاع الثورة السورية، كان بمثابة اعتراف مؤداه، إذا شئت استعادته بلغتي، أن المثقفين السوريين، العلمانيين والتقدميين، قد تقاعسوا أو تأخروا كثيراً في مقاومة نظام الرئيس حافظ الأسد، إذ كانوا يومذاك يخشون أن يثيروا مسألة طائفية النظام، كي لا يتهموا بالطائفية. هل كان ذلك بمثابة خطأ فادح دفع ثمنه الشعب السوري في ما بعد؟ أم إنه لم يكن بالإمكان سوى ما كان؟

أياً يكن، فإن الخطأ القاتل، وفي ما يخص الثورة، تمثّل برأيي في الاعتقاد بأن ما حصل من انتفاضات شعبية أدت إلى سقوط الأنظمة في غير بلد عربي، يمكن أن يتكرر في سورية، وكانت تلك قراءة مغلوطة للحدث السوري.

ولنقارن بين سورية وتونس في هذا الخصوص. فالنظام السوري صنع أو امتلك أسباب القوة التي مكنته من الصمود في وجه المعارضة والثورة، فهو استند أولاً إلى عصبية طائفية، وكانت له من جهة ثانية تحالفاته الاستراتيجية مع قوى وأنظمة إقليمية ودولية (إيران وروسيا). وكان من جهة ثالثة يستمد مشروعيته العليا من منظومة أيديولوجية اعتاش عليها طويلاً، برفع شعارات العروبة والمقاومة والممانعة. إضافة إلى ذلك عامل رابع هو أن النظام السوري مثال لنظام شمولي عمل منذ البداية على تطويع الأفراد وقولبتهم ضمن أطر ومؤسسات حزبية أو نقابية، بهدف إعلان الولاء المُطلق للرئيس بصفته الزعيم الأوحد والبطل المنقذ. ومن يعارض أو لا يذعن يُستبعد أو يُهمّش أو يلاحق ويعتقل.

أما النظام التونسي، فكان عارياً من مرتكزات القوة المادية والرمزية: فلا عصبية ولا حصانة أيديولوجية، كما لا تحالفات استراتيجية. لذا، فقد تهاوى سريعاً ولم يصمد. ولعله من حسن حظ تونس أن لم يتحكم بها نظام شمولي عقائدي، يساري أو قومي أو إسلامي.

هكذا، فقد صمد النظام السوري. ليس هذا وحسب، بل إنه نجح في شق المعارضة التي غرقت فصائلها وتنظيماتها في نزاعات ومعارك على السلطة والمشروعية، لم تكن طفيلية كما كتب البعض، بل كانت حرباً أهلية موازية لا تقل خطراً عن الحرب بينها وبين النظام. وتلك هي الكارثة.

فهل قدرُ العقل السياسي العربي أن ينتقل من النكبة إلى النكسة، ومن الهزيمة إلى الكارثة؟! تلك هي الحصيلة المدمرة والبربرية للانتقال من عقلية القبيلة والغنيمة إلى الاشتغال بعقلية الطائفة والجماعة أو المافيا والميليشيا، كما جسدها أمراء الجهاد ونجوم الإرهاب، فضلاً عن العقل الأمني الاستخباري، التجسسي، الذي جسدته أنظمة الاستبداد والفساد.

إذا شئنا المراجعة والمحاسبة، لاستخلاص الدرس، لا مهرب من إعادة النظر في ما طرح من شعارات وبرامج. ليس هذا فحسب، بل أيضاً إعادة النظر في ما تدار به الشعارات والقضايا والهويات من طرق وأساليب وخطط. وآية ذلك أن الشعار ليس ما نطرحه ونسعى إلى تطبيقه بحرفيته، لكي ننتهكه أو ندوس عليه، إذا لم ننجح في تحويله على نحو مثمر وبناء، وعلى ما تشهد التجارب المريرة والمآلات البائسة للشعارات والمشاريع.

هكذا ليس الشعار، أكان إصلاحاً أم ثورةً، ما نقبض به على حقيقة الواقع، بل قدرتنا على تغيير الواقع بخلق واقع جديد، في هذا المجال أو ذاك، وعلى نحو يتيح لنا التدخل والتوسط للتأثير في المجريات، كما يتيح لنا ممارسة حيويتنا الوجودية على سبيل الإبداع والفتح والتجديد والتطور.

وتلك هي اللعبة والرهان: مجابهة ما يقع ويفاجئ، بخلق وقائع جديدة تسفر عن تغيير الخرائط والمعادلات وسط المشهد وعلى المسرح. وتلك هي قضية «ما بعد الحقيقة» التي فيها يتجادلون اليوم ومنها يفزعون.