ولاء عساف: صاروخٌ يطفئ شمعة ميلادي ويهديني موت عائلتي

ولاء عساف: كلنا شركاء

اليوم هو عيد ميلادي العاشر، كانت أمي قد أعدت قالب حلوى صغير بمكونات بسيطة، فهي دائماً تقول “في كل عيد ميلاد لأحدكم سنقوم بإشعال شمعة لنطفئها معاً ونتمنى أمنية سعيدة”. حضّرت أمي شموعاً خاصة من مواد لا أعرفها، فنحن لم نرَ شمعة حقيقية منذ زمن، كانت كل العائلة تحتفل، أبي يرتب الطاولة وأمي تحضر الأطباق البسيطة، فلم يكن لدينا ذلك الدخل الكبير، وخاصة في ظل الثورة، فأبي مجاهدٌ لا نراه إلا قليلا، وأخواتي وأخي الصغير يغنون فرحاً وأنا أراقب الجميع سعيدة بهم.

كانت أمي على الدوام تردد “اللهم اجعل هذا اليوم يمر بسلام علي وعلى أسرتي”، وبعد ساعة تقريباً كان كل شيء جاهزا، وكان عليّ أن أُغلق عينيّ وأتمنى أمنية بينما يشعلون الشموع… قلت لهم أتمنى أن….

وسمعنا فجأة صوت الطائرة وهي تستعد لإطلاق الصاروخ، فقد بات صوتها يهز القلب خوفا، ضربت أول صاروخ فاهتز المنزل، رحنا نتراكض لأحضان أمي وأبي، ركضت أمي ووضعت الطاولة فوقنا، وضربت الطائرة صاروخها الثاني ليتهدم المنزل فوق رؤوسنا، غبت عن الوعي لأستيقظ بعد ذلك وفوقي أطنان من الإسمنت والحديد، والطاولة التي وضعتها أمي كانت قد تكسرت ولكنها حمتني من الموت، بدأت أصيح فلا يسمعني أحد، أمييي أبيييي. لا أحد يسمعني أو يرد علي.

رحت أبكي وأقول لهم “أين أنتم كنت أريد أن أتمنى”، وها هي الطائرة دفنت أمنيتي تحت الأنقاض، حاولت التحرك لكن الركام كان سينهار عليّ إن كررت فعلتي، فعدت إلى بكائي بصمت، بدأت أحس بعد قليل بالتعب، ولم أعد أستطيع أن آخذ نفسا، فالهواء بدأ يقل، راح العرق يتصبب من كل جسدي وبدأت ألهث بجهد باحثة عن هواء. صرخت كثيراً وحاولت طلب النجدة فلعله يسمعني أحد.

“لا أريد أن أموت يا أمي…أريد أن أعيش معكم…”، وفي تلك الأثناء سمعت صوت أقدام فوق الأنقاض. بدأت أصرخ: “ساعدوني أنا هناااا، أنقذوني… أرجوكم!!!”، لينكشف النور بعد دقائق ويخرجني رجال الحي لآخذ نفساً عميقاً وأتنهد. لم أكن أصدق أني لم أمت، ضحكت أول الأمر لأنني لم أتأذى، ورحت أنظر حولي لأبحث عن أمي وأبي، وسألت أحد جيراننا:
أين أبي..؟؟

هل أخرجتموهم..؟؟

أين أمي؟

قال لي مطأطئ الرأس: “يا ابنتي أخرجنا أمك وأبوك وأخيك، ولكن أختاك الصغيرتين مازالتا عالقتين”. رحت استرق النظر بين جمع الناس لأرى أغطية على الأرض وجثثاً ممددة، نظرت للرجل بتعجب! وركضت بسرعة وكشفت عن وجوههم، وكانت الصاعقة أكبر من أن أتحمل… أبي… أمي… جنّت دموعي وراحت تتساقط كالمطر، وجلست قرب رأس أمي أنظف وجهها الأبيض… كم أنت جميلة يا أمي!

ألم تقولي لي أن الله لن يؤذينا وأننا سنعيش بسلام فنحن لم نؤذي أحد؟! انظري يا أمي كيف لم يسمح لي الله أن أكمل أمنيتي، كنت سأتمنى أن نبقى معاً وسالمين دائما، ذهبتم وتركتموني وحدي…

لما لم تأخذيني معك؟ لماذا يا أمي؟!

ورأيت الدماء تسيل من جسد أبي، كان الدم ذو رائحة زكية، اختلط ضوء شمعتي التي لم أطفئها مع دمائكم يا أبي… لتنير دربكم إلى السماء… نعم يا أبي… شمعة عيد ميلادي ستنير دربكم إلى السماء…

ستنير دربكم إلى السماء.





Tags: محرر