فؤاد عزام: بين حيي الميدان الدمشقي و جامايكا الأمريكي

فؤاد عزام: كلنا شركاء

صورة منيرة الأحمد الشابة الأمريكية الجنسية والبنغالية الأصل , أصبحت إيقونة للمعارضة الأمريكية , بعد أن التقطها لها مصور سوري في موقع برجي التجارة العالمي في نيويورك , حيث وقعت أحداث 11 أيلول , وحولها الفنان الأميركي سيبارد فيري ملصقا على لافتة , سار خلفها الآلاف في مظاهرة , جرت مؤخرا للتنديد بالرئيس الجديد .

الشرطة الأمريكية لم تطلق النار على منيرة , كذلك لم تجر أية عملية اعتقال في صفوف المتظاهرين الأمريكيين , ليس بسبب الشعار الرئيس وهو فقط ” نحن الشعب ” ولم يكمل أنه يريد اسقاط النظام , أو يريد إسقاط الرئيس ترمب , وليس أيضا بسبب عدم وجود ” مندسين ” في المظاهرة , رغم أن فكرة المندسين تعود براءة اختراعها للشرطة الأمريكية التي دست بقوة مال صاحب العمل أحد عناصرها في إضراب عمالي في شيكاغو عام 1886 , وأطلق قنبلة باتجاه عناصر الشرطة , كانت مبررا لهم لأن يفتحوا النار على العمال, ويفضوا الإضراب .

ربما كانت الشرطة الأمريكية مطمئنة إلى أن تلك المظاهرة لن تستطيع تغيير نتائج الانتخابات التي حملت ترمب إلى البيت الأبيض , ولن تخرج عن إطار حرية التعبير , وبالتالي لم يقم الرئيس الأمريكي بتدمير الحي الذي تسكنه منيرة الأحمد ولا أحياء المسلمين في نيويورك واتهامهم بالتعاطف مع منفذي أحداث أيلول أو بالإرهاب , وهذه المظاهرة سارت على أثرها عشرات المظاهرات في أماكن مختلفة من الولايات المتحدة تندد بعنصرية ترمب ومن بينها إجراءاته بمنع دخول اللاجئين من سبع دول بينها سورية الى بلاده .

هذا الاطمئنان البوليسي لم يكن على سبيل المقاربة متوفرا لدى ” الشرطة السورية ” إن صح تسميتها بهذا الاسم حين هاجمت مظاهرة قام بها مثقفون في منطقة الميدان بدمشق في تموز عام 2011 حملت فقط أقلاما وأطلقت شعارات تنادي بالحرية وأيضا في إطار حق التعبير في إطار شرعة حقوق الإنسان , واعتقلت فيها الفنانة مي سكاف وعددا آخر , وهي واحدة من بين آلاف المظاهرات السلمية التي استمرت على مدى شهور طويلة , وتم بعدها وعلى مدى سنوات تدمير بيوت غالبية السوريين على رؤوس ساكنيها , بعد اتهامهم بأنهم إرهابيون .

كرامة الإنسان هي التقاطع القيمي بين المتظاهرين في كل من حي جامايكا وحي الميدان فلم تخرج المظاهرتان من أجل رفع مستوى الدخل , بل من أجل الدفاع عن إنسانية المواطن المنتهكة بدافع المال والاقتصاد من قبل مؤسسات وشركات تتشابه بمصالحها وتختلف في معالجتها , ففي حين تتيح الديمقراطية للأمريكيين حرية التظاهر فإن خروج السوريين إلى الشارع للتعبير عن رأيهم يعني خروج لهم الموت .

من الصعب أن تؤثر مظاهرة أو أكثر على سلطة المؤسسات والشركات الأمريكية المحمية بقوة القانون فهي ليست بحاجة لاستخدام العنف البدائي المتوحش الذي استخدمه النظام السوري الذي تحول في سنوات ما قبل الثورة إلى نظام “ما فيأوي بوليسي ” بالمطلق في ظل اقتصاد أصبح

ليبراليا من خلال تبني ما أطلق عليه اقتصاد السوق الاجتماعي, وقد حقق متطلبات صندوق النقد الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وشركاتها الكبرى , وبات بيد رجال أعمال من العائلة الحاكمة وبعض المقربين , في حين إن صفة الإمبريالية هي موجودة بشكل أو بآخر في النظام السوري فهو استمر لعقود من الزمن مسيطرا على القرار السياسي والاقتصادي في لبنان , لكن تلك الصفة لا تشبه سوى الإمبريالية الروسية والإيرانية في همجيتها إزاء تعاملها مع شعبها , في حين تلتقي جميعها في المصالح مع الولايات المتحدة وقد تتصارع أحيانا فيما بينها من أجل الاستحواذ على سوق لها في مكان ما , وسورية الآن تخضع لتلاقي تلك القوى , وهي تتقاطع الآن حول هدف شكلي أكثر منه جوهري وهو محاربة الإرهاب الذي ساهمت هي بصناعته وغزته لتخويف الشعوب وسهولة قمعها والسيطرة عليها .

الشركات الأمريكية العابرة للقارات تبدو مع الملياردير دونالد ترمب أكثر تصميما على الإمساك بالقرار السياسي في مختلف المناطق في العالم , وهي راكمت ثرواتها من خلال دول العالم الثالث خصوصا ومصادر الطاقة , ولم يغتصب ترمب السلطة ولم يرثها عن أبيه لكنه ورث رؤية مؤسسات تصيغ استراتيجيتها عناوين عليه القيام بتنفيذها ضمن القانون الذي يفرض عليه أيضا إقرارا ماليا عن ثروته التي من بينها شركات يبلغ عددها 144 شركة أو مصلحة بقطاع الأعمال 8 شركات منها في المملكة العربية السعودية , و مشروعات ممتدة في 25 دولة حول العالم من كندا إلى أميركا الجنوبية وأوروبا والشرق الأوسط وصولا إلى آسيا وبعض شركاته كان مدرجا في مركز التجارة العالمي في نيويورك الذي تعرض للتدمير في على يد راديكاليين اسلاميين في 11 أيلول .

وبحسب مجلة فورب الأمريكية فإن بشار الأسد يعد في المرتبة السابعة في قائمة الأغنياء بين الحكام العرب، وقالت ثروته المالية وصلت إلى 1,5 مليار دولار أمريكي، فيما قال موقع أنفستوبيديا إنه إضافة للأصول الثابتة، والأموال المسجلة بأسماء مقربة من الأسد، فإن ثروته تبلغ مبلغ 122 مليار دولار أمريكي , ومع تاريخ هذه العائلة منذ نهب رفعت الأسد ثروات البلد باتت قيمة الدولار مقابل الليرة السورية مقياسا لانحدار الاقتصاد بشكل لم تصل إليه أية دولة أخرى .

مصالح الشركات والمؤسسات الأمريكية تتقاطع مع بقاء النظام الذي أسس ثروته على حساب التنمية في البلاد ومن قوت أبنائها , ما جعل ترمب يقول أن الأسد ليس هو الأولوية بل يجب استخدامه لمحاربة الإرهاب , ويستخدم الجانبان أي وسيلة للحفاظ على مصالحهم الاقتصادية , فليس النظام وحده يقتل الناس ويعترف رئيسه بأنها جراحة يسيل منها دماء . بل أيضا ترمب فهو يقول في لقاء مع فوكس نيوز بأن بلاده ليست بريئة من القتل حين دافع عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووصفه بالزعيم والمساعد الكبير في الحرب ضد “الإسلام الإرهابي “على حد وصفه” بينما قال له المذيع إن بوتين قاتل ورد عليه ترمب : القتلة كثر هل أمريكا بريئة ، هل نحن أبرياء .

الجميع يقتل في البلاد من أجل مصالحه واستثماراته ومشاريعه المغلفة بشعارات مختلفة فشركات الأسلحة والنفط التي تدير قطاعات واسعة توجه اهتمامات الناس من خلال وسائل الإعلام التي تسيطر عليها نحو هدف واحد وهو محاربة الإرهاب ، وتشير دراسات مختلفة إلى

أن صناعة الخوف والكراهية لدى الكثير من المجتمعات خاصة المجتمع الأمريكي التي بدأها جورج بوش بعد أحداث الحادي عشر من أيلول كانت من أسباب وصول شخصية عنصرية إلى البيت الأبيض مثل دونالد ترمب ، لمواصلة الحرب في أكثر من مكان والهدف هو تحقيق تلك المصالح .

غالبية الأمريكيين الذين أيدوا ترمب هم من البروليتاريا غير المدلجة , فيما مؤيدي النظام هم من “حثالة البروليتاريا” كما يسميهم ماركس , والاختلاف كبير فدعم تلك الشريحة للرئيس الأمريكي الذي لا يصلح إلا مهرجا في سيرك بحسب المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي , هو لأنهم “غاضبون ” من كل شئ بسبب اختلال التوازن بين مستوى دخلهم وبين حاجاتهم المتزايدة نتيجة التطور الاقتصادي العام , في حين أن مؤيدي بشار الأسد الذين يعانون من تدني مستوى دخلهم , هم ” حاقدون ” على كل شيء نتيجة البعد الإيديولوجي المضاف والذي لا يجد تربة خصبة له إلا في أوساط الرعاع الريفيين وحثالة المدن أو ما يعرفون في سورية بالشبحية .

لم يكن وصول ترمب الى البيت الأبيض إلا تكريسا لدور الشركات والطغمة المالية التي جعلت من موضوع الإرهاب مع بداية القرن الحالي مبررا للسيطرة على موارد وثروات بعض الدول كالعراق وأفغانستان , فيما تسارعت وتيرة نهب ولصوصية الشركات الكبرى بعد الأزمة المالية العالمية قبل نحو 8 سنوات وتمركزت ثروات نصف العالم بيد نحو مئة شخص من بينهم ترمب ومسؤولين عراقيين وإيرانيين ومن النظام السوري بالإضافة إلى بوتين الذي تضاعفت مبيعات بلاده من السلاح من خلال قتاله إلى جانب النظام عشرات المرات عما كانت عليه سابقا باعتراف وزير دفاعه .

تاريخيا لا يوجد تلازم بين مصالح الشركات العابرة للقارات أو المتعددة الجنسيات وعلى رأسها شركات ترمب وبين الديمقراطية , بل هي ترى أهمية وارتياحا في التعامل مع نظام قوي ولو كان استبدادياً , فهو يؤمن استقرارا خصوصا لاستثماراتها وتعاملاتها المصرفية وغيرها , وبالتالي تبعية تتقاسم الثروة خاصة مع اقتصاد ريعي غير منتج يتركز في العقارات والتجارة كما الاقتصاد السوري .

اذا كانت هذه القوى الإمبريالية استطاعت تخويف شعوب العالم ومن بينها الشعوب التي قامت بها ثورات أو مظاهرات للمطالبة بالديمقراطية والحرية والكرامة من الإرهاب فإن البروليتاريا وخاصة في الدول المتقدمة وأهمها الولايات المتحدة سوف تصاب بخيبة كبيرة من ترمب وشركاته وقد ينعكس ذلك على حثالة البروليتاريا التي ستجوع أكثر مع استبداد النظام على الصعيد الاقتصادي وفي ظل حربه التي يشنها على شعبه .

تبقى الثورات الديمقراطية مرتبطة بالتطور الاجتماعي خصوصا مع وجود طبقة وسطى متماسكة وهي ما بدأت ملامحها بالظهور قبيل الثورة السورية التي أكثر ما كان النظام يخشاها , حيث قتل واعتقل خيرة أبنائها من ناشطين مدنيين وأطباء وإعلاميين , وهؤلاء الضحايا يلتقون بالرؤية الفكرية التحررية مع المتظاهرين الأمريكيين الذين خرجوا للتنديد بعنصرية ترمب فهم جميعا لم يتظاهروا من أجل المال بل من أجل الحرية وكرامة الإنسان .