on
د.يحيى العريضي: عندما يصبح الهولوكوست روتيناَ
د.يحيى العريضي: كلنا شركاء
بعد مفاجأة النظام الأسدي بقتل شعبه الذي طالب بجرعة من الحرية، لم يعد هناك مفاجآت في القضية السورية. وتكاد القضية برمتها أن تصبح مضجرة ومملة. يرد الخبر السوري، والمتلقي يعرف أنه ورد قبل يوم أو شهر أو سنة.
وهذا أخطر مافيها، وهذا الأحب على قلب من يسعى إلى اخفاء الجريمة. لم تبق وسيلة إلا واستُخدمت في سبيل اغتيال الحق واخفاء الجريمة وتمرير الجمل من خرم الإبرة.
في عالم الجريمة تم تجاوز الهتلرية ولكن هناك من يسعى إلى ابقائها حية، أما الجرائم الأسدية فهناك من يسعى ليجعلها روتينية مملة، ولابد من طمسها وإعادة تكرير مرتكبها. تم استخدام السلاح الكيماوي، سُجلت الواقعة وكأنها ضد مجهول. سحب الغرب أداة الجريمة.
ضم المجرم إلى نادي الموقعين على الاتفاقية الكيماوية؛ تعهد بعدم استخدامه، استمر باستخدامه؛ تحول المُحرًّم إلى عمل روتيني. مجدداً قصفت حلب بالكيماوي ثمان مرات. عَبر الخبر وكأنه حادث سير ناتج عن تعطل كوابح سيارة.
يتم حصار وتجويع منطقة اثر أخرى في سورية، ثم يصار إلى اقتلاع أهلها منها، ليصبح منظر الباصات الخضراء كهبوب عاصفة غبار يزول أثرها بعد قليل. على مدار ست سنوات تجري الاعتقالات يومياً وكأنها اصطياد طيور يتم ذبحها في مسالخ أسدية خاصة. تخرج تقارير دولية توثق ماحدث، توضع على الرفوف ليتراكم الغبار فوقها وتذهب في غياهب النسيان ثم تُنسى وإن حدث وخرج تقرير جديد تعلكه وسائل الإعلام ثم يُطوى.
في مفاوضات مايسمى “الحل السلمي” بدأت القصة منذ حوالي اربعة أعوام في جنيف، وفي كل مرة يتم مسح الأولى والبدء برحلة قمعية جديدة وكأنها تبدأ من الصفر ولم تبق وسيلة خبيثة إلا واستخدمت في تمييع وتضييع القضية السورية ابتداءً من عبارة وليد المعلم “سنغرقكم بالتفاصيل” إلى أخر عبارة للجعفري بأن الورقة التي سلمه إياها ديمستورة فيها 258 نقطة لابد مراجعتها.
لاينفك نظام الأسد ومن يدعمه عن التحدث عن “الحل السلمي” وفي واقع الأمر لم يتوقف يوماً عن القتل والدمار والتشريد، وكل مرة يكون فيها إعلان عن جنيف يرتفع منسوب الجريمة حتى أضحت هذه العبارة ليس فقط منفرة وإنما روتينية مملة ومؤذية. وبتحكيم السليقة لايستقيم “حل سلمي” مع من اختار استراتيجية مبنية على الردع والقتل والتدمير في اخماد كل صوت يقول “لا”.
هناك من يسعى بجدية لاعطاء “الحل السلمي” فرصة وتتكبد الدول المهتمة بهذه المسألة معاناة هائلة في تحفيز محتويات القررات الدولية الداعية إلى حل سلمي، ولكن عبثاً.
يتحول من يشارك في هذا السرك الجنيفي إلى شاهد زور وميسر لعملية تحويل “الحل السلمي” إلى مسألة روتينية زائدة بل نشاز مكروه تعطي نظام الجريمة المزيد من الفرص لمتابعة مسلسل جرائمه التي بدورها تحولت إلى مايشبه الروتين الممل. وهنا يكون قول الرعاة والباحثين أو اللاهثين وراء “حل سلمي” إلى جملة من النصائح بأن على المعارضة أن تشبك النظام بالعملية السلمية بأي طريقة غافلة عن حقيقة مفادها أن النظام بدأ يتلذذ ويستفيد من ذلك الإصرار عبر تقديم نفسه للعالم وكأنه منخرط بالعملية السلمية، وهو في حقيقة الأمر ماتوقف لحظة عن ممارسة الإجرام حيث يستطيع في سورية. في الضفة المعارضة التي اختارت الحل السلمي يأتي السؤال من قبل الآخرين، “وما البديل؟” وهل تنفع المواجهة والمزيد من الدماء؟
الكل ينسى أو يتناسى أو يعمل بخبث تجاه استمرار هذه الحالة الروتينية والغاية إعادة تكرير الرماد السام الذي يسمونه “النظام”. والعمل الخبيث يكون بالتييئس لمن يقاوم المد الإجرامي للنظام، واستمرار الحريصين عليه بدعمه حتى لو ارتكبوا جرائم بحق شعب سورية، حيث اصبحت جرائم للمعارضة فتراه يمنع عنها سبل الدفاع عن النفس ولايمكن لأحد أن ينسى تلك العبارة الأمريكية “nonlethal weapons” “الأسلحة الفتاكة” والتي حُرم منها من يدافع عن نفسه تحت ذرائع واهية.
بانتظار أن تعود الصحوة والصدمة بتحوّل الجريمة إلى مسالة روتينية، وأن يصل العالم إلى قناعة بأن هذه الجريمة بحق سورية واهلها لاسابق لها في التاريخ البشري، ولن يكون مثلها. أمر غاية في الصعوبة والعبثية والإجرام الأخلاقي، أن تتحول الأخبار المأساوية في سورية، والتي يمكن توصيفها بالهولوكوست السوري؛إلى قضية روتينية مملة.
Tags: سلايد