on
د. وليد البني: حريات عامة وقضاء مستقل هو ماتحتاجه شعوبنا
د. وليد البني: كلنا شركاء
أصدر الرئيس الامريكي وفي الاسبوع الاول لتسلمه السلطة أوامر تنفيذية متتابعة قصد منها ايصال رسالة الى الامريكيين الذين انتخبوه ان خطبه المثيرة للجدل اثناء الحملة الانتخابية لم تكن مجرد وعود انتخابية , بل هي قناعاته الراسخة التي سيفعل ما في وسعه لينفذها.
لكن القرار التنفيذي الاكثر اثارة للاشمئزاز والفزع كان قرارا يقضي بمنع دخول مواطني سبعة دول اسلامية الى الولايات المتحدة لمدة ثلاثة اشهر,و شمل القرار حتى اولئك الاشخاص الذين حصلوا على تأشيرات دخول نظامية الى الولايات المتحدة وتم منعهم من الصعود الى الطائرات المتوجهة اليها , بينما تم منع اولئك الذين كانوا في الطائرات عند صدور القرار ووصلوا الى الأراضي الامريكية من الدخول وتم احتجازهم في المطارات.
لقد اثار هذا القرار ردود فعل قوية جدا من قبل المجتمع الامريكي والاوربي ومنظمات المجتمع المدني الغربية بشكل عام , لما يحمله من نزعة تمييزية واضحة وغير مسبوقة منذ عقود ضد مواطنين كل ذنبهم انهم ولدوا في دول معينة وينتمون لديانة محددة, وهو ما يتناقض مع الدستور الامريكي والقيم التي بني على اساسها المجتمع الامريكي المتكون اصلاً من مهاجرين متنوعي الاعراق والديانات والطوائف.
لقد عمت المظاهرات المدن الامريكية وقام المتظاهرون بمحاصرة المطارات للتضامن مع المحتجزين وخرج امريكيون واوربيون من مختلف الديانات والاعراق يعلنون تضامنهم مع المسلمين الذين استهدفهم الامر التنفيذي للرئيس ترامب ويرفعون شعارات ترحب بالمسلمين واللاجئين , كما اعلنت شخصيات امريكية معروفة انها ستجل نفسها مسلمة فيما لو اصر الرئيس ترامب في امر تنفيذي آخر على تسجيل المسلمين كما وعد اثناء حملته الانتخابية. كان المشهد مؤثراً ويؤشر الى حيوية هذه المجتمعات وقدرتها على ردع انحرافات قادتها حتى ولو كانوا منتخبين, كما ُيظهر لشعوبنا العربية والمسلمة أن قوة هذه الدول نابعة من الحرية التي ناضلت شعوبها طويلاً لترسيخها في بلادها و من قدرة مجتمعاتها على الاحتجاج وتقويم سلوك حكامها وتمسكها بالقيم الانسانية والحضارية واستعدادها للدفاع عنها.
لكن كل تلك الاحتجاجات والتظاهرات لم تمنع السلطات التنفيذية الامريكية من الاستمرار في تنفيذ مدرجات امر ترامب, فقد استمرت سلطات الجمارك ووزارة الداخلية بمنع القادمين من الدخول, واستمرت وزارة الخارجية برفض اعطاء التاشيرات لمواطني الدول المذكورة في امر ترامب, مما اضطر المدعين العامين في الولايات الى التحرك ورفع دعوى مستعجلة امام القضاء الأمريكي الذي اصدر أمرا يوقف العمل بأمر ترامب التنفيذي ويأمر وزارتي الداخلية والخارجية بمتابعة اعطاء التأشيرات والسماح لمواطني الدول المذكورة الحاصلين على التاشيرات بالدخول الا الولايات المتحدة ريثما يصدر حكم قضائي يلغي اوامر ترامب وهذا ما حصل فعلاً.
إن انتصار الصوت الحر للمجتمع الامريكي , وقدرة القضاء الامريكي المستقل على وقف امر رئيس الولايات المتحدة الامريكية , وخضوع المؤسسات الامريكية لامر القضاء رغم امر الرئيس, هو دليل آخرعلى أن فصل السلطات واستقلال القضاء في الدول الديمقراطية هم ما يجعلها في المقدمة و يجعل مجتمعاتها قادرة على حماية دولها وأفرادها من القرارات التعسفية التي ممكن ان يتخذها حتى قادتها المنتخبين. إنه أيضا فرصة بالغة الأهمية لشعوب منطقتنا لتدرك بان القضاء على الاستبداد بكل صوره سواء كان مافيويا عائلياً يلغي الحريات ويستبد بالمجتمع باسم القومية او المقاومة والممانعة ومحاربة الاستعمار , أو باسم الدين واحتكار تمثيل الله سبحانه وتعالى على الارض, هو الممر الاجباري لانشاء دول قوية ومجتمعات متماسكة و مستقرة قادرة على التكيف مع متطلبات العصر واللحاق بركب الحضار الانسانية التي تأخرنا كثيراًفي اللحاق بها.
إن التضحيات الكبيرة التي تدفعها شعوبنا اليوم على طريق الخلاص من مستبديها وانتزاع حريتها وقدرتها على تقرير مصيرها ليست مجانية , بل هي تضحيات سبقتنا شعوب العالم الحر المتقدمة في دفعها , وقد كلفها ذلك الكثير من الدماء والالام وعقود من عدم الاستقرار حتى توصلت في النهاية الى ان الحريات العامة وفصل السلطات واستقلال القضاء والدساتير التي لا تميز بين افراد المجتمع بسبب اديانهم او معتقداتهما أو اعراقهم ,هي المبادئ الاساسية لبناء دول مستقرة وقابلة للحاق بركب الحضارة الانسانية.
ستتوصل شعوبنا ال نفس النتيجة عاجلاً أو آجلاً ومهمة نخبنا الوطنية السياسية والثقافية هي تقصير درب الامنا ما أمكن من خلال عدم مهادنة الاستبداد بكل انواعه , وامتلاك الجراة لقول الحقائق كما هي .
Tags: سلايد