on
في (عين الشرق) بعد (يوميات يهودي من دمشق): الروائي السوري ابراهيم الجبين يكسر الجدار العالي بين العرب واليهود
كلنا شركاء: يوسي نيشر– متابعات
صدرت في بيروت وعمّان مؤخرًا رواية الكاتب السوري المقيم في ألمانيا إبراهيم الجبين “عين الشرق” عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. “عين الشرق” هي الرواية الثانية للجبين الذي كان قد أصدر قبل عشر سنوات روايته المثيرة للجدل “يوميات يهودي من دمشق” والتي تناولت ملف يهود الشرق، وحياتهم في حارات دمشق القديمة. قبل أن يجبروا على الهجرة بعد التضييق الكبير الذي مارسه عليهم نظام حافظ الأسد ومن بعده نظام بشار الأسد.
دارت أحداث “يوميات يهودي من دمشق” عبر حقب زمنية مختلفة، كان المؤلف شاهداً عليها وبطلاً من أبطالها كل مرة. يشاركها صديقه اليهودي “إخاد” الذي يرمز اسمه الى الرقم واحد والعزلة والفرادة. ويشارك كذلك في صناعة الحدث واحدٌ من أهم الشخصيات الحقيقية السورية، التي التقاها إبراهيم الجبين ونشأت بينه وبينها علاقة وثيقة. إنه أبو القعقاع السوري، مؤسس الدولة الإسلامية في الشام والعراق، بالتنسيق مع المخابرات السورية بدءاً من العام 2004. والمسؤول الأول عن تصدير “المجاهدين” إلى العراق من كافة أنحاء العالم مروراً بالحدود السورية العراقية.
يرسم الجبين شخصية أبو القعقاع ويرصد قلقه من الاغتيال، وخوفه من أن تتخلى عنه المخابرات السورية التي وظفته لأداء هذه المهمة. وهو ما حدث بالفعل، فقد تم اغتيال محمود قول أغاسي (أبو القعقاع) بعد ستة أشهر فقط من صدور رواية الجبين “يوميات يهودي من دمشق” في مدينة حلب أثناء خروجه من الجامع الذي كان يلقي فيه خطبه.
اعتبر النقاد العرب والأوروبيون رواية إبراهيم الجبين “يوميات يهودي من دمشق” عملاً مهماً في مسيرة تناول الشخصية اليهودية في الأعمال الأدبية العربية. ودرس الرواية المؤرخ البروفيسور دان دينر في ألمانيا، وكذلك البروفيسور عمر كامل المتخصص في وعي العرب بالهولوكوست، وقام تدريسها لطلابه في قسم الشرق أوسطيات في جامعة لايبزع الألمانية. وتقوم المترجمة التونسية كوثر التابعي بترجمتها اليوم إلى الألمانية. الدكتور عاطف بطرس ساهم في دارسة رواية الجبين “يوميات يهودي من دمشق” أيضاً، وقدم حولها محاضرات في جامعة ماربورغ الألمانية، بطرس حاصل على درجة الماجستير في الأدب الألماني من جامعة هاينرش هاينه بألمانيا عن رسالته “ما هو يهودي في أعمال كافكا”. وفي العام 2006 حصل على درجة الدكتوراة من جامعة لايبزيغ عن رسالته التي تناولت كافكا في الأدب العربي.
مُنعت “يوميات يهودي من دمشق” من التوزيع في سوريا، وتمت مصادرة نسخها التي تم تهريبها سرّاً للقراء. لتأتي رواية الجبين الجديدة “عين الشرق” طارحة المزيد من الجدل والتشويق. فشخصية إخاد اليهودي الدمشقي لا تواصل وحدها الحضور في “عين الشرق” بل ترافقها شخصيات عديدة من أصل يهودي، مثل الدمشقي الآخر الياهو كوهين الذي كان مناضلاً قومياً عربياً، حتى احتل الفرنسيون سوريا، وخلعوا الملك فيصل، وأطاحوا باتفاقه مع الزعيم الإسرائيلي حاييم وايزمان بالعيش المشترك في المشرق. متسببين مع حلفائهم، بتدمير العلاقة ما بين العرب واليهود ونشوء ما يعرف بالصراع العربي الإسرائيلي رغماً عن إرادة الطرفين.
من أبطال “عين الشرق” كذلك الأديب الإسرائيلي عراقي الأصل شموئيل موريه، الذي يصف الجبين الصداقة التي جمعته به، منتقلاً إلى ظروف هجرة موريه الذي كان يعرف في العراق باسم “سامي المعلم” ابن صاحب المطابع التي كانت تطبع القرآن الكريم في بغداد.
أما الشخصية اليهودية الأكثر إثارة للجدل في رواية الجبين الجديدة، فهي يشخصية إلياهو كوهين، الذي يعرفه العرب بالجاسوس، بينما يصفه الإسرائيليون بالبطل القومي. يروي الجبين تفاصيل حصوله على ملف التحقيق مع كوهين بعد إلقاء القبض من قبل أًصدقائه من الضباط البعثيين في دمشق، والدقائق الأخيرة التي قضاها كوهين واثقاً من أن حكم الإعدام الذي أصدروه بحقه لن ينفّذ.
“عين الشرق” رواية تتخذ من التقنيات السينمائية في الكتابة والسرد أسلوبية مشوقة. وقد ذكرت الإذاعة الثقافية الألمانية في تقرير مطوّل أن الرواية تعتبر سجلاً حافلاً بأسرار مدينة دمشق والعوالم الخفية فيها. سيما حين يتناول الجبين أحد أبطالها عن كثب، وهو من كان يعرف بـ “صائد اليهود” الويس برونر الضابط النازي المسؤول عن قتل أكثر من مئة ألف يهودي أوروبي في قطار الموت، والذي فرّ من ألمانيا، بعد سقوط برلين، قبل أن يلجأ إلى دمشق، ويعيش فيها متخفياً بشخصية الدكتور جورج فيشر، بحماية الضباط العسكريين البعثيين، ويعيّنه حافظ الأسد مستشاراً أمنياً خاصاً، ويرفض تسليمه إلى الحكومة الإسرائيلية التي كانت تبحث عنه لمحاكمته أسوة ببقية المجرمين النازيين. استمر برونر في الحياة في دمشق وتقديم خدماته لكل من حافظ الأسد ثم ابنه بشار الأسد. حتى مات في العام 2010 في قلب العاصمة دمشق، في المكان الذي يصفه إبراهيم الجبين في روايته “عين الشرق”.