د.يحيى العريضي: إيران في الميزان

د.يحيى العريضي: كلنا شركاء

لوغادر إنسان كوكبنا بعد الحرب العالمية الثانية إلى كوكب آخر، ولو كانت اهتماماته الأساسية القضايا السياسية والعلاقات الدولية والصراعات؛ ولو عاد هذه الأيام إلى كوكبنا؛ لاعتقد ان هتلر والنازية لا يزالا على قيد الحياة أو ان هناك عملية تقمص جرت عام تسعة وسبعين من القرن المنصرم، والهتلرية عادت بعمامة وجلباب بجمهورية جديدة إسمها  “الجمهورية الإسلامية” وبنظرية جديدة تريد /نشر الإسلام/ في العالم؛ فلا تمر نشرة أخبار على هذا الكوكب إلا وفيها كلمة “إيران”. يندر أن يكون الخبر عن إيران عادياً أو عابراً: الكل يتذمر من إيران، الكل يحذر من خطر إيران، الكل يدعوها إلى احترام جوارها، الكل يتحدث عن طموحاتها التوسعية وامتداداتها وسيطرتها على أربع عواصم في محيطها العربي، يتحدث عن  إرهابها أو استخدامها الارهاب لانجاز أهدافها. المتخصصون المطلّون على وضعها من الداخل يتحدثون عن ممارساتها القمعية لجزء من شعبها، عن ادعائها نشر الإسلام ومنع مجموعات مسلمة ليسوا من ملتها ممارسة شعائرهم الدينية او إقامة دور عبادة. يتحدثون عن الاعدامات اليومية في مدنها… ليس في الأفران على الطريقة النازية بل على أعواد المشانق وعلناً لإرعاب الآخرين.

آخر التهديدات تأتيها من إدارة أمريكية جديدة إثر تجربتها لصواريخ بالستية مخالفة اتفاقاً بينها وبين ست دول؛ وتجدها ترد على التهديد بمزيد من الغطرسة والتحدي. تعجز عن وضع اليد على سورية، فتدفع حاكم دمشق الطلب من روسيا للحماية، فيصطدم حلم سيطرتها على سورية بمنافس دولي يريد هو ذاته السيطرة. تهرب من الصراع الداخلي إلى حروب إقليمية؛ تفشل في الاقليمي لتخلق صراعاً دولياً اوسع؛ وهنا يستشعر صاحبنا الذي عاد الى كوكب الأرض وكأن الحرب العالمية الثانية على الأبواب ، فالفصول والمشاهد والحبكات متشابهة جداً مع ذلك السياق التاريخي، ولكن بأدوات وطرائق أكثر تعقيداً ودموية.

هذا هو الظاهر مسرحياً؛ ولكن ما درجة انطباق الظاهر مع الحقيقي في الذي يشاهده أو يسمعه هذا القادم بعد غياب؟ وهل إيران أساساً تعمل فعلياً على نصرة الإسلام أم أن المسألة سياسية بالمطلق، وأن آخر ما يفكر فيه ملالي طهران هو الإسلام ونشره او نصرته؟ من يريد نصرة الإسلام لا يساهم بتخريب أربعة أقطار عربية تغلب عليها الصفة الإسلامية، ولا يستخدم ميليشيات القتل تحت ذريعة حماية المقدسات، لأن الاسلام حرّم قتل النفس البشرية بلا حق؛ ولأن تلك المقامات الإسلامية كانت بخير لقرون من الزمن. من ينصر قضية فلسطين والقدس فعلاً، لن تسمح له اسرائيل بالتمدد نحو سورية جارة فلسطين، وإيران تحرص أن تكون في ذلك الجوار، لا للتهديد بل لمصالح معينة لا علاقة لها بنصرة القدس. وتلك الصواريخ التي تصل أوربا وتجربها، لم يُطلق منها واحد باتجاه إسرائيل يوماً. وإن قال الملالي إن أداتهم “حزب الله” أطلق مثلها، فذلك ثبُت تاريخياً أنه لعبة مُتَّفق عليها، فإسرائيل ذاتها لم تعكر على حزب الله دخوله سورية لقتل السوريين وحماية كرسي الدم في دمشق.

هناك ظاهر وباطن في إيران الملالي؛ وذلك منسجم مع مبدأ التقية، الذي يشكّل “الدينمو” الأساس لسياسة الملالي. حاخام إسرائيل الأساسي لا يقطع خيطاً دون التنسيق الكامل مع حاخام إيران. وطالما هذا هو الحال فكل ما يحدث في الظاهر ليس إلا لإخفاء الباطني أكثر. لقد كان اوباما منسجماً مع نفسه وأصدق في سياسة الطراوة مع إيران. ومن هنا قِيل بأنه ساعد في استباحة إيران لمحيطها وجعلها قوية بتسليمها مئة وخمسين مليار دولار إثر توقيع الاتفاق النووي. من هنا كان على الرئيس ترامب أن يذكّر بتدليل ونعومة سلفه لإيران؛ ومن هنا رفع العقيرة تجاهها الآن كي تكتمل مسرحية التقية؛ ومن هنا التهديدات التي نسمعها وتضعنا بأجواء حرب عالمية جديدة. كلها لإخفاء اللعبة العميقة التي ترسم خطوطها المحافل الأعلى. كل اولئك شراكات في لعبة أعلى وأوسع في استغلال موارد كوكبنا عبر خلق التوترات بأيد لاعبين ممثلين مهرة يجيدون أدوارهم. فلو أصبح الخليج في مأمن من إيران، فكيف لأمريكا والغرب أن يستمروا ببيع أدوات القتل للمنطقة وامتصاص مواردها وتوتير بشرها؟!

ليطمأن صاحبنا القادم بعد غياب بان الحرب العالمية الثانية لم تنته، وانما مستمرة بأدوات جديدة طيلة كل سنوات غيابه، ومن بينها مشهد 1979 عندما دخل الخميني إلى خشبة المسرح؛  وحرب حافظ الأسد على شعبه؛ وغزو إسرائيل للبنان وإنشاء خيمة حزب الله لحماية حدود اسرائيل الشمالية؛ وانهيار الاتحاد السوفييتي وجدار برلين؛ وحرب أمريكا على العراق؛ وحرب بشار الأسد على السوريين واستنزاف المنطقة…. وكل ذلك ليبقى ممثلوا المحفل الخماسي الأعلى المسيطرعلى مقدرات عالمنا المتمثلة بالتقانات والسلاح والنفط والإعلام والمال متحكمين برقاب مليارات مخاليق كوكبنا. الظاهر غير الباطن، ولن تشن أمريكا أو غيرها حرباً عالمية جديدة على إيران التي تملأ أخبارها السوداء الدنيا. إيران لاعب صغير منفذ لتلك الإرادة الخماسية الشيطانية. فقط تدخل الله هو الذي يعيد السلام والأمان إلى كوكب الأرض.





Tags: سلايد