د. كمال اللبواني: ما أغفله الدستور الروسي 2- (الشريعة الاسلامية)

د. كمال اللبواني: كلنا شركاء

لا يمكن الانتقال بسوريا لحالة السلم الإجتماعي التعاقدي )بعد كل ما جرى) بالقفز فوق المسائل الإشكالية المتراكمة التي يجب التفكير فيها وابداع حلول لها ، لكي يصبح بالإمكان صياغة هذا العقد الوطني الجديد بالتوافق بين مكونات الشعب الذي ثار وحطم كل شيء ، لأنه يريد بناء وطنه الجديد على أسس سليمة لا تنهار فوق رأسه مرة أخرى، لذلك فإن إغفال الدستور الروسي للتطرق إليها ، أو التهرب من مناقشتها، سوف يكرس العراقيل أمام هذا المسار بدل أن يسهله …

فبالرغم من تطرق الدستور الروسي للمحاصصة الطائفية وبشكل خاص نواب رئيس مجلس الوزراء ، فقد أنكر تماما دين رئيس الدولة ، فكيف تكون حصة الأقليات في مناصب ثابتة ، بينما حصة الأغلبية غير واضحة ؟ وطالما أن لرئيس الدولة صفة تمثيل الأمة فيجب بداهة أن يعبر عن هويتها التي هي هوية الأغلبية فيها … حتى لو وضعت معايير ملزمة بذلك أو لم توضع ، فهذه واجباته حكما وبداهة، والتي تزداد حدة وحساسية خاصة مع اقرار نظام المحاصصة الطائفية والفيدرالية الثقافية بعد الحرب الأهلية الطاحنة التي تمر بها سوريا .

أما عن علاقة الدين بالدولة فلم يذكر ذلك الدستور العلمانية تصريحا ، بل استخدم مصطلح المدنية الملتبس ، فهي دولة مدنية ؟ دون أن يحدد ما هو مفهوم الدولة المدنية هذا وبماذا يتميز ؟ … لأنه بديهيا كل دولة هي دولة مدنية ، والدول هي نتاج المدنيات وليس البداوة والهمجية … وبذلك لم يوفَق الدستور الروسي ، كما لم توفَق المعارضة السورية قبله في تحديد ما علاقة الدولة بالدين ، هل ستخضع هذه الدولة لسلطة المفتي ورقابته ؟ هل سيشَكل مجلس وصاية شرعي عليها ، لكي يجري فحصا شرعيا للمرشحين والحاكمين والأحكام؟ … أم أن الحاكم سيستمد شرعيته من الشعب الحر الذي هو صاحب السيادة العليا ، وهو من يقرر من الحاكم وما نظام الحكم وهو من يحاسبه … هل هذه السيادة العليا ملك للشعب أم للمشايخ ؟

هنا تطرح بقوة ووضوح مسألة العلمانية. هل سيحتاج المواطن لمرجعية دينية توجهه كي يحدد خياره الانتخابي كما في ايران ؟  هل رجال الدين فوق الدولة ، أم يخضعون للدولة كبقية أبناء المجتمع … ؟؟ كل ذلك يجرى التعتيم عليه بالخلط بين العلمانية والإلحاد ، وكأن حرمان رجال الدين من لعب دور وصاية  يعني محاربة الإيمان الذي لا يصح بدون وصايتهم ، و ويعني إلغاء دور رجال الدين كأهل علم بين الجماهير ، فقط لأنه لا يعطيهم دستوريا سيادة فوق سيادة الشعب ؟ … لذلك نرى أنه لا يجوز عدم البت بهذه النقطة الدستورية ( هل هي دولة علمانية ، أم ذات مرجعية دينية ؟ ) ونرى أنه لن تحل تلك الاشكالية باستخدام مصطلح ملتبس مخادع لا معنى له هو ( الدولة المدنية ) .

ثم ماذا عن علاقة الشريعة بالقانون المطبق ؟ هذه مسألة هي أيضا إشكالية جدا وبقيت مغفلة في الدستور الروسي :

حيث في الدولة التعاقدية الديمقراطية تضع الهيئة التشريعية المنتخبة من الشعب نص القانون المدني والجزائي ، فهو قانون وضعي يتوافق عليه ممثلوا المجتمع … وهذا لا يشترط من حيث الآلية ارتباطه بموافقة رجال الدين ، طالما أن الشعب سيد نفسه ، وليس تُبّعا للمشايخ الذين يوجهونه ، أي أن مفهوم الدولة التعاقدية الديمقراطية لا يتماشى إلا مع العلمانية والقانون الوضعي من حيث الشكل … وهو مختلف كمفهوم لدرجة التناقض مع مفهوم الدولة ذات المرجعية الدينية ، حيث العقد مكتوب مسبقا بأخوة الدين ، والسلطة محسومة مسبقا لصالح رجال الدين ، والشريعة القانونية مكتوبة منذ قرون … وما دون ذلك لا قيمة له تحت شعار ( لا حكم إلا لله ) وفق هذا المفهوم يتكرس الخالق في الأرض على هيئة فقهاء ومرجعيات، تكاد تحاكي الشرك  وتقارب الطاغوت لو فسدت . ولا ضمانة لعدم طغوتها وتجبرها وفسادها ، سوى الحرية وتداول السلطة وسيادة الشعب الكاملة على نفسه دون وصاية. عملا بمبدأ أمرهم ( السلطة ) شورى بينهم ، والذي يناقض المفهوم الأول تماما حيث يعتبر أن الله حاكم بواسطة القضاء والقدر ولا تنقصه أو تزيده سلطة الدولة التي هي أمر متروك كامتحان للبشر .

أما من حيث المضمون ( أقصد مضمون القانون ) فأي قانون وضعي من المفترض وبشكل طبيعي أن يتوافق مع ثقافة المجتمع والقيم الأخلاقية التي هي ثقافة المشرعين ، و هي قبل ذلك قاعدة السلم والحياة الاجتماعية ، تمارس قوتها كإيمان وضمير وعادات وتقاليد، قبل أن تتدخل سلطة القانون لصيانتها ، ولمنع تهديد السلم الإجتماعي، بواسطة أجهزة المراقبة والمعاقبة والإكراه التي تمتلكها الدولة التعاقدية القانونية …

فما هو عيب ومكروه وحرام دينا ليس بالضرورة موضوعا للقانون ( الذي يختص فقط في حفظ السلم الاجتماعي وليس نشر الفضيلة والأخلاق )، القانون لا يحاسب على الضمير والنوايا ، ولا يقدم الجزاء للمحسنين ، بل فقط يحظر النشاطات العدوانية الصريحة والمثبة بالفعل … فحدود سلطة الدولة الإكراهية القمعية محدودة جدا ، ومقيدة بظروف الدفاع المشروع عن النفس الذي توكلت به الدولة نيابة عن الأفراد ، لتقوم به مؤسسات السلطة الأمنية القضائية، التي تعمل بموجب مواد قانونية صارمة وواضحة، وليطبق من قبل سلطات منضبطة ومحاسبة بحدود تفويضها، الحساب الدنيوي لسلطات القضاء يختلف عن الحساب الأخروي على التدين أو الحسنات والسيئات . فالحساب على التدين والعبادات والحرام والعيب مرجأ حتما ليوم الدين . وليس من اختصاص السلطة القضائية ولا جهاز الحسبة ، كما يفعل الخوارج الذين لا يفرقون بين المرجأ حسابه والمعجل جزاؤه ، وصولا لإقامة الحد على المدخنين وزي المرأة .

فالنص الدستوري على أن القيم الأخلاقية الموجودة في الكتب المقدسة هي مصدر أساسي للتشريع ليس فيه ضرر للديموقراطية أو لكون القانون المعمول به وضعيا ، وليس فيه مخالفة للرسالة التي بعثت لتتمم مكاركم الأخلاق… أما القول أن الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع ، أو القول أن التشريع يجب ألّا يتناقض مع الشريعة ، فله معنى ومدلول مختلف ، لأن الشريعة الاسلامية بالشكل الذي توارثناه هي نظام جزائي يختلط به الحساب الأخروي بالقضائي الدنيوي (نار جهنم بسوط السياف) ، وقد طبق جزئيا من قبل السلطات وبدرجات متفاوتة بعد زمن الرسول  و الخلفاء الراشدين حيث كان المذهب الحنفي هو أول من استنبط أحكاما من القرآن وأوجد شريعة محددة منه، ودوّنها لتصبح قانونا يعمل به القضاة ، بدل أن يجتهد كل منهم لوحده .

الشريعة كنظام عقوبات إذا ، هي اجتهاد مذهبي فقهي تناسب مع مستوى تطور المجتمع حينها . لكن مع تغير الظروف قد تتغير الأحكام  وتبقى المقاصد ، وعدم تغيير الأشكال قد يعرض تلك المقاصد للتهديد، فالكثير من مفاهيم الجريمة والعقاب وتوزيع المسؤوليات قد تغير جذريا في الزمن الحديث . وبالتالي أصبحت هذه الشريعة (بشكلها وليس في مقاصدها) نوعا من العودة لزمن الوحشية والهمجية كقطع الأيدي والرجم وقطع الرؤوس والجلد والتحريق والتعزير والتصليب وقلع العين وكسر السن والقصاص … كما أن الكثير جدا من المحرمات أصبحت تدخل ضمن المباح قانونيا ، نظرا لتناقص مستوى تهديدها للسلم الاجتماعي … خاصة تلك المتعلقة بشكل ولباس وطعام وسلوك المرء ونشاطاته الاجتماعية المختلفة بما فيها الجنسية ( والتي دخلت ضمن باب حقوقه الشخصية ) ولم تعد موضوعا للقانون أو لسلطة رجال الأمن .

وعليه فإن اشتراط تطبيق الشريعة الاسلامية بشكلها المتوارث ( وبعقوباتها الدنيوية والأخروية ) في دستور الدولة كشرط لصحة ايمان المسلمين من رعاياها ، هو شيء مدمر لمفهوم الدولة التعاقدية من أساسه ، وهو نتاج مدرسة فقهية لا تفرق بين المحكم والمتشابه عند قراءة النص المنزل ، فهي تَعتبر الشريعة بشكلها الذي طبق قبل 1400 سنة أنها من صلب العقيدة المحكمة المنزلة الواجبة التقليد والاتباع كما وردت حرفيا شكلا ومقصدا، وليست من المتشابه المقدم كمثال تؤخذ منه حكمته وغاياته ، والتي هي قابلة للتطبيق بأشكال مبدعة جديدة أكثر تناسبا مع الظروف، وتحقيقا للمقاصد ، تخضع للاجتهاد البشري المبدع والمسؤول …

بهذه الطريقة فقط نستطيع أن نجعل من القانون الوضعي الديمقراطي التعاقدي شكلا تطبيقا لمقاصد الشريعة وليس نقضا لها … ونتجنب القطيعة بين الديمقراطية والدين ، وبين الحداثة والتراث بشكل أعم . يمكننا فعل ذلك عندما نرى أن النظام الديموقراطي هو التطبيق العصري الأصح للإسلام في ظروف العصر ، و أن القانون الوضعي هو نتاج اجتهاد البشر في هدي القيم والمقاصد الخلقية للديانات ، وأن هذا كله مختلف جذريا عن النظام الثيوقراطي الذي يتحكم به رجال الدين، والذي كرس الاستبداد والانغلاق عبر قرون، وشاهدنا نماذج تطبيقية مرعبة له حديثا، فالثورة الديمقراطية هي أيضا ثورة فقهية داخل وعي واستهلاك الدين ، فتجربة الثورة السورية مع الإسلاميين والدولة الاسلامية فيها الكثير من الدروس والعبر يجب أخذها بعين الاعتبار.

هكذا نرى أن إصلاح العلاقة بين الديموقراطية وبين الإسلام يحتاج لجهد فقهي ثوري في صعيد العقل القارئ والمطبق للدين ، ويحتاج لاختيار نهائي وحاسم يتخذه من يلعبون على حبال الديمقراطية والدين معا ، فلا هم متدينون ولا هم ديمقراطيون ، بل مجرد طلاب سلطة ستتجه حتما نحو الفساد والاستبداد وتعيد انتاج التخلف باعتمادها على عقود خديعة يدبجونها للناس ، ويسمونها دساتيرا

يتبع …. 

3- (آلية المحاصصة الديموقراطية بين المكونات الأهلية) .

المقال السابق :

http://www.all4syria.info/Archive/384321