د. محمد حبش: لماذا أنا ضد الحرب

د. محمد حبش:كلنا شركاء

يا لروعة الحروب القديمة… بتوحشها وهمجيتها وبربريتها… كانت صيالاً بالسيوف المطهمة في ساحات الوغى، يمضي إليها الراغبون في الانتصارات فينتصر سيف وينكسر سيف، ويدفن الخائبون في حتوفهم، ويرجع الظافر إلى المدينة مكللاً بشارات النصر، وتستفيق المدينة من جديد تستأنف حياتها على منطق مات الملك عاش الملك وتستمر الحياة…

أما الحرب الحديثة فليس فيها ساحة وغى، ولا مضمار قتال، ولا خطوط تماس، ولا منطقة عازلة ولا مناطق مستقرة، وكل سلاحها أعمى، ومن السوريين من نزحوا حتى الآن خمس مرات وأكثر، يفقدون في كل خيمة جديدة بعضاً من أطرافهم وبعضاً من أبنائهم، يهربون من موت إلى موت ولا يستطيع إله الحرب ان يرسم لهم درب نجاة من الموت، فكل خرائطه كاذبة، وكل مواعيده مكر، وكل حروبه فاجرة كافرة وقودها الناس والحجارة.

لماذا أنا ضد الحرب؟

لأنها لا تؤمن بالإنسان، وتستخدم الإنسان نفسه وقوداً لأهداف السياسة، تمجد الشهداء فتسوقهم إلى المقابر، ويعود السياسيون بسياراتهم الفارهة ليعقدوا من جديد مؤتمراتهم الصحفية التي تتحدث عن الانتصارات والإنجازات، وعلى الرغم من بؤس القهر في وجه أم الشهيد وأيتامه وأرملته ولكن السياسيون يظلون يزعمون أن دماء الشهيد تظل عن الثأر تستفهم، وتريد مزيداً من القتل والموت والعناء والخراب.

الجيش السوري المعادي للثورة خاض حربه على أساس الدفاع عن سيادة الوطن وأمنه واستقراره ولكنه عاد بعد ست سنين على أنقاض وطن دمر فيه كل شيء ولشد ما يهينك ويؤلمك أن دمار هذا الوطن بواقع ثمانين بالمائة تم على يد جنوده البواسل الذين يباهي قادتهم الميدانيون بقدرتهم التامة على إبادة مدن عن بكرة أبيها.

الثوار المعادون للجيش السوري الذين قدموا أنفسهم ضحية في مقابل الجلاد، رفعوا السلاح الأعمى نفسه، وقاموا بالدعس والفعس في حق كثير من المجندين البائسين الذين وضعوا في بوز المدفع، نفس المظالم والمآثم، ومارسوا قذائف الهاون التي لم تصب شياطين الحقد والمكر المتحصنين في مخابئهم ولكنها سقطت حيث يشاء لها الموت الأسود تقتل من يكتبه حظه العاثر سائراً أو عابراً في الحارات المنكوبة، ولا مبالغة أبداً إذا قلنا إن الحرب المجنونة قد استخدمت أكثر من عشرين ألف قذيفة هاون يعتبرها كثير من الثوار جهاداً وتضحية ونبلاً.

الجيوش المعادية للثورة والمؤيدة للنظام من روس وإيرانيين وفصائل طائفية لم تتوقف أبداً عن ارتكاب الجرائم ولم تحقق إي إنجاز إلا على ركام من المآسي، وفي سجل غاراتها وقصفها مدن دمرت بالكامل ومشافي ومدارس وبلدات هجر أهلها بالكامل، ولا يزال التاريخ شاهدأً على مراكب الموت اللئيمة وهل هناك أصدق شهادة من حلب المنكوبة حصاد القصف الروسي اللئيم.

الجيوش الأخرى المؤيدة للثورة لم تستطع أن تقدم نموذجاً للحرب النظيفة، وحين انجلى النصر التركي عن رحيل داعش من الباب كنا أمام مدينة محطمة بالكامل، لا تختلف في شيء عن داريا والرستن وبابا عمرو، وفي الأسابيع الأخيرة للحصار تم نعي المئات من ابناء الباب وخيرة شبابها ورجالها ونسائها، وظل الثوار يرون ذلك انتصاراً ومجداً ولا يرون في الشهداء والمنكوبين إلا بعض أضرار هامشية لا بد منها لتسجيل الانتصارات الخالدة.

قوات سوريا الديمقراطية لم تستطع أن تقدم نموذجاً للحرب النظيفة، وفي سجل انتصاراتها اليوم مآسي تعد بالآلاف يحصيها عليهم العرب والكرد، وهناك حالة اصطفاف قومي موتور لا يرجى بعده بارقة أمل في العيش المشترك بعد ان تلطخت يد الجميع بالدماء الآثمة.

طيران التحالف الدولي الذي يقدم نفسه صديقاً للثورة لم يستطع أن يقدم نموذجاً للحرب النظيفة، وهو يصول ويجول ويعربد في سماء الشرق السوري والغرب العراقي لا ينازعه في سمائها شيء قام بدوره بقصف المدارس المشافي، وحين كانت ترده الأخبار بوجود داعشي ما في مدرسة أو مسجد او سوق فإنه لم يكن يتردد في قصف المكان كله، وآخر جرائمه مائتان وسبعون بريئاً معظمهم اطفال في قصف مدرستين بالرقة قبل أيام.

بالتأكيد لن يترك لي هذا المقال أي صاحب من أصدقائي الانفعاليين على الضفتين، وقد قطعت نهائياً مع كل خط عنيف، وهذا خياري وقدري وعقيدتي، ولن أزال أصرخ في برية الموت هذه أن الحرب جنون، وأن أشرف ما تفعله في هذه الحروب العمياء هو الفرار من الزحف، والنضال السياسي وكلمة الحق وأرض الله واسعة.

كيف تكتب ضد الحرب؟ هل هو موقف ضد الجهاد؟ وكيف يسوغ أن تكتب بروح كهذه وأنت تؤمن بان الجهاد سنام الدين وأن واجب الأمة هو النفير خفافاً وثقالاً.

أحترم حروب النبي الكريم الدفاعية وهي واضحة تماماً ومفهومة تماماً في الجغرافيا التي وقعت فيها فكلها كانت في إطار حكمه الجغرافي وفي أمارة المدينة تحديداً، وكلها كانت في مواجهة جيوش غازية، وكلها كانت بعد قيام الدولة، ولم يكن لها أي علاقة بتأسيس الدولة في المدينة التي أقيمت عبر كفاح سلمي ديمقراطي مثالي لم ترق فيها قطرة دم واحدة.

وفي هجوم قريش عليه في بدر وأحد والخندق واجه خصومه على تخوم مدينته المحاصرة، وقد سار خصومه إليه أكثر من 400 كم، قاصدين الحرب عازمين على استئصاله، وكان دوماً يختار التحصن في مدينته ويخندق حولها، ويهرب من الحرب إلى السلام.

وفي هجومه المثلث على قريش يوم الحديبية وعمرة القضاء وفتح مكة نجح تماماً في تحويل المواجهة إلى وئام، ومنع خلالها أن تراق قطرة دم واحدة.

ومعاركه صوب الشام لم تكن حروبا عسكرية وقد قاد بنفسه ثلاثين ألف مقاتل يوم تبوك ولكنه لم يستل منها سيفاً واحدأً وقد أقام أربعين يوماً على تخوم دولته الشمالية وعاد بدون قتال بعد أن أنجز سلسلة تحالفات ومعاهدات حقق فيها الأمان التام للحدود الشمالية لدولته.

ولا أشك أن برنامجه للمستقبل كان على نسق غزوة تبوك التي كانت مهرجاناً احتفالياً وكرنفالاً سياسياً أكثر مما كانت حرباً وطعاناً ودماء.

وأعترف أنني بحاجة إلى فهم أعمق لمعركة خيبر ضد اليهود التي تبدو نسبيا خارج هذا السياق.

وأما كل حرب وقعت بعد رحيله فهي حرب سياسية بكل تأكيد، قد تكون لها أهداف نبيلة وقد تكون لها أهداف لئيمة، ولست معنياً بالدفاع عن أي منها، وهي سياق التاريخ وعادته وحكمه، ولا بأس ان يكون لنا في كل منها راي مختلف فهذه طبيعة الحياة وسنة التاريخ.

هل تكفي هذه الصرخة لوقف الحرب، سيقرؤها مسلحون كثير، وكثير منهم يؤمن بها أكثر من إيماني بها، ولكنها أقدارهم ومصائرهم وحتوفهم، ولا اشك أبداً أن عشرات الآلاف من المتورطين بالحرب يبحثون عن خلاص، تختلط دماؤهم بدموعهم، فقد تعب الجميع، وتساقطت بشكل مريع أوهام الحرية عبر البندقية، وفجور السيادة والاستقرار بالبراميل السوداء، واستفاق الإنسان أمام قدر رهيب ترسمه يداه الملطختان بالدماء، واكتشف أنه قتل من أهله أكثر مما قتل من عدوه، وحان الوقت لنقول كفى….

ولأنني مؤمن بان السلام ليس أحلاماً وأماني، إنه إرادة ويقين، فإنني أحترم تماماً فريق التفاوض في جنيف من المعارضة السياسية وسائر الذين يعملون لتحويل الحرب إلى اتفاق سياسي ينهي عناء الناس ويستأنف بناء الحياة.

أيها السوريون المجتمعون في جنيف… اكسروا السيوف والعنوا الحرب…. وستكون هذه أكبر خدمة تقدمونها لسوريا وأكبر وفاء لأرواح الشهداء…..





Tags: سلايد