العميد الركن أحمد رحال: من يقود الثورة السورية؟؟؟

العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

مركب بلا ربان هو مركب غارق لا محالة, تلك هي قاعدة أثبتت صحتها عبر التاريخ, ومع انطلاقة الثورة السورية المباركة تم تنصيب المجلس الوطني كقائد للحراك السلمي للشعب السوري الذي غمر شوارع المدن والبلدات والقرى السورية بمظاهرات وانتفاضة شعبية طالبت بإسقاط نظام “الأسد”, ثم تم استبدال المجلس الوطني بالائتلاف الوطني لقوى الثورة, ثم تم اختزال الجميع بالهيئة العليا للمفاوضات.

بتفصيل تلك القيادات وجدنا المجلس الوطني يختلف على مدة رئاسة المجلس واختزالها بثلاثة أشهر بدلاً من ستة خوفاً أن يسقط نظام “الأسد” بسرعة ويكون “برهان غليون” رئيساً للبلاد باعتباره رئيس المجلس الوطني, تلك النظرة التي تنم عن غباء سياسي وعن قصور بتقدير الموقف وجهل بالقراءة الموضوعية الصحيحة للأحداث والظروف الدولية, وتنم أيضاً عن ثقة مطلقة وعمياء بوعود بعض الدول ومنها الولايات المتحدة الأمريكية, تلك الوعود التي فضحها وكشف زيفها أصغر ثائر سوري لكنها عششت في رؤوس قادة المعارضة وأصبحت مسلمات غير قابلة للجدل.

مع تهتك المجلس الوطني نهاية عام (2012) تم الإسراع بإنتاج الائتلاف الوطني لقوى الثورة ومن رحم المجلس الوطني ومن ضمن نفس الكتل وضمن نفس قوى النفوذ, وما كان يعاني منه المجلس الوطني أصبح عاهة الائتلاف الجديد, وعدنا لصراعات بدأت ولم تنته عبر شخص رئيس الائتلاف وتناحر ما بين أقطاب الدول الإقليمية الراغبة باحتكار هذا المنصب لجماعاتها, ووجدنا أن جميع رؤساء الائتلاف تم انتخابهم بمعظم طاقمهم لفترة رئاسية ثانية كما تنص اللائحة الداخلية بأحقية الترشح لولايتين ولم يتركوا المنصب إلا مرغمين ومنهم من حاول تمديد فترة الرئاسة لعامين كي يتربع لأربع سنوات على قمة الائتلاف لكن التصويت خذله بفارق بسيط.

مع اهتزاز ثقة المجتمع الدولي بعبثيات الائتلاف وصراعاته الداخلية تم التوافق على اختصار التمثيل السياسي للثورة السورية بهيئة تفاوضية تعمل ضمن توافقات الكتل المشكلة لها والتي تضم معظم أطياف المعارضة السورية واكتسبت شرعيتها من انضمام أكثر من (110) فصائل أعطتها الموافقة بأن تكون ممثلة الشعب السوري الحر بأي استحقاقات تفاوضية تختص بمستقبل الثورة السورية والشعب السوري, لكن البدايات الخاطئة تودي إلى خواتيم خاطئة, فقد تم تشكيل ما يسمى “اللجنة العسكرية” التي تتبع للهيئة التفاوضية وتمثل الفصائل المسلحة في الثورة وتم اختيار عناصرها وفقاً لتفاهمات وتوافقات إقليمية بعيداً عن حقيقة قوام تلك الفصائل وبعيداً عن أجنداتها وبعيداً عن فعاليتها في ساحات القتال, حتى أن رئيس اللجنة العسكرية في الهيئة التفاوضية لم يطلق عناصر فصيله طلقة واحدة باتجاه نظام “الأسد” وحلفائه (يبلغ عدد عناصر فصيل رئيس اللجة العسكرية بالهيئة التفاوضية 265 مقاتل فقط تم تدريبهم بالأردن على يد القوات الأمريكية والبريطانية لقتال تنظيم داعش فقط, والآن تم إلغاء هذا البرنامج وتم استبعادهم ولا يٌعرف لهم مكان), بل أكثر من ذلك وفي “فيديو” إعلان تشكيل لم يعتبر هذا الفصيل أن نظام “الأسد” أو “إيران” أو حزب الله” من ضمن أعداء الشعب السوري الحر الواجب قتالهم, فكيف تم ذلك وكيف تم وضعه على رأس اللجنة العسكرية للهيئة التفاوضية العليا؟؟؟

في الميادين السياسية وفي الاستحقاقات التفاوضية عدنا لنقع في فخ التصريحات الممجوجة والمصطنعة لوفود التفاوض والائتلاف, وعادوا لرفع أسقف التصريحات التي تهدف لكسب شعبية لصاحبها بعيداً عن أي موضوعية وبعيداً عن أي واقعية لتلك الطروحات, بالتأكيد تلك المطالب هي من أبسط الحقوق وأبسط مطالب الثورة السورية لكن طرحها واشتراط تنفيذها يتطلب الثبات عليها, ما كان يحصل أن يخرج علينا أحد الناطقين باسم الهيئة التفاوضية أو الائتلاف (وما أكثرهم) ليعطي بعض الثوابت والحدود والاشتراطات التي لا يمكن تجاوزها وفي اليوم الثاني نجده أول من يتربع على رأس طاولة المفاوضات بعد أن تنازل عن كل ما قاله بالأمس!!!!!

الهيئة العليا للمفاوضات اشترطت الذهاب لجنيف3 في جولتها الأخيرة (2016) وجهزت لـ”ديمستورا” حزمة من الثوابت التي اتفقت عليها، (فهدف العملية السياسية تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة، والانتقال بسوريا من دولة أمنية إلى دولة مدنية، أي أن جنيف واحد هو المرجعية وليس فيينا، وإلا فإنه لا داعي لتضييع الوقت و تكرار تجربة جنيف 2 الفاشلة، أما جنيف القادم فلن يكون إن لم يطلق النظام سراح المعتقلين ويرفع الحصار عن بعض المناطق، وأما من يحدد وفد المعارضة فإن الهيئة العليا أغلقت الباب في وجه “ديمستورا” وعلقت عليه عبارة بالخط العريض “أنت وسيط دولي… ولست وصياً” على الشعب السوري), لكن ومع بدء اجتماع جنيف وجدنا أعضاء الهيئة التفاوضية عبر الوفد المفاوض يتواجدون في أروقة الاجتماعات وفي كل اللقاءات والابتسامة تغزو ملامحهم رغم أن أياً من شروطهم لم تتحقق ولم يتم الالتزام بها, وما فعلته الهيئة التفاوضية سبقهم إليه الائتلاف الوطني عبر اشتراطات وأسقف كناطحات سحاب لكنهم جميعاً ذهبوا وفق أوامر أتت من مصادر القرار وبالتأكيد تلك المصادر ليست سورية, وفي اجتماعات أنقرة الأخيرة عدنا لنعيش نفس التجربة مع وفد فصائل المعارضة المسلحة التي وضعت أربع شروط لقبولها الذهاب لاجتماع “أستانة” في كازاخستان وكانت تنص على:

(1- تحقيق وقف إطلاق النار الشامل في سوريا, 2- تسلم المعارضة أسماء الوفد المفاوض بعد مرور ثمانية وأربعين ساعة على التزام النظام بوقف إطلاق النار ووقف التحشيد في هذه المناطق, 3- نشر مراقبين على خطوط التماس في المناطق المهددة بعد (10) أيام من الآن لمراقبة التزام النظام وميليشياته بوقف إطلاق النار حيث يتوجه وفد المعارضة إلى الأستانة فور نشر المراقبين, 4- موافقة الضامنين على هذه الآلية يجب أن تكون بتصريح رسمي يتضمن النص على شمول الهدنة للمناطق المحددة).

ومع ذلك تم التنازل عن كل تلك الشروط وتمت الموافقة على الذهاب للقاء “أستانة”, وأكثر من ذلك أن بند تثبيت وقف إطلاق النار وهو البند الرئيس الذي بٌني عليه لقاء “أستانة” والذي تم رفضه كشرط وجعله من قبل “الرعاة” بنداً يتحقق على طاولة المفاوضات, وجدنا أنه لم يتم تبنيه واستعيض عنه بعبارة “تخفيض خروقات” وقف إطلاق النار, ووفق هؤلاء تحولت روسيا من عدو إلى طرف محايد رغم أن طيرانها ما زال يٌدمي قلوب السوريين, وأمريكا التي ما فتئت تفعل كل ما يمكنها لإحباط الثورة ومع ذلك ما زال يٌنظر لها كصديق.

من حيث المبدأ كل الشروط التي وضعتها مختلف وفود الثورة هي طلبات محقة ومطالب شعبية تحظى بموافقة حاضنة الثورة, لكن الذي يقلق ويشغل بال المواطن السوري هو السؤال عن كيفية التعامل مع أهداف ومطالب الثورة؟؟؟

إن كنتم تعتقدون أنها مطالب صحيحة ويجب تنفيذها ورفعتموها عالياً في وجه العابثين بأهداف الثورة فعليكم الثبات عندها والتمترس خلفها وعدم الانصياع لأي من الضغوط التي تٌمارس عليكم وإلا فإنكم تفرطون بحقوق الثورة, لكن من المؤكد أن تلك القرارات وتلك الاشتراطات يجب أن تخضع لقراءة سياسية وعسكرية موضوعية ودقيقة يمكن من خلالها فرض تلك الاشتراطات المستندة لدراسة جدوى وإمكانية التطبيق والتنفيذ.

ختاماً نقول: أن تٌصبح منصات الإعلام غايتنا, وأن تكون الأسقف المرتفعة بالمطالب هي وسيلة للكسب الجماهيري, وأن يكون ما نقوله للشعب عبر الإعلام يتناقض تماماً مع ما نقوله خلف الأبواب المغلقة, فهذا أمر خطير ولا يٌبشر بالخير.

الواقعية مطلب, والقراءة الحقيقية للواقع الدولي وتطلعاته يجب معرفته, ويجب أيضاً مراعاة الواقع الإقليمي ومصالحه المتقاطعة مع أهداف الثورة, ويجب عدم البعد عن الحضن العربي والتزاماته, لكن تبقى مصلحة وأهداف وتطلعات الثورة هي خط أحمر يٌمنع تجاوزه.

أمام تلك المعطيات, وأمام تلك القيادات, وأمام هذا التمثيل اللامرضي واللاموفق, وأمام معرفتنا بالقدرات والإمكانيات والخبرات السورية المهمشة والمبعدة … يبقى سؤال الشعب السوري الحر:

من يقود الثورة؟؟؟

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي





Tags: سلايد