on
د. محمد حبش: مصارحات … بعد صمت المدافع
د. محمد حبش: كلنا شركاء
لا يبدو الحديث عن السلام في غمرة الحرب الهائجة عملاً محموداً، ويعتبره من يحبك تغريداً خارج السرب، أما من يرتاب فيك فسيراه على الفور فاتورة استخذاء وإقعاء وبيع لجهاد المجاهدين في سوق الاستعطاف والتسول والتوسل، وسيعتبره آخرون تنكراً لدماء الشهداء، الذين قضوا وهم يواجهون إرادات الشر الباغية من الجبت والطاغوت.
ولكن توقف طبول الحرب لأيام وانطلاق عملية تفاوض يرعاها المجتمع الدولي، دفع بي إلى استباق اللحظة بالحديث عن رفض الحرب وكراهية السلاح، خاصة أنه تحول في الأسابيع الأخيرة إلى سلاح اقتتال أسود بين فصائل من أبناء البلد الواحد والمذهب الواحد والفكر الواحد، ولم يعد بوسع أحد أن يباهي بهذا اللون من الدم المسفوك الذي لا يمكن أن يكون ثمناً لأي حرية ولا لأي كرامة ولا لأي مشهد حضاري.
إنها محاولة أقدمها للقارئ الكريم ورسالتي واضحة وهي أننا أخطأنا درب الثورة حين فرحنا بقعقعة السلاح، فقد كان سلاح هذه الثورة الحناجر والكلمة والتمرد، وهو ما سقط تماماً يوم اغتالته البندقية لتحول الصورة إلى حرب ضارية، وفرحنا بسذاجة بالمشروع الجهادي القادم على منطق القاعدة ليحمل الناس على الدخول في دين الله في حرب رهيبة استدعت تلقائياً كل جند الجبت والطاغوت في الأرض إلى هرمجدون متوحش وملحمة رهيبة وقودها الناس والحجارة.
ومنذ أسابيع تحول السلاح إلى مأساة أخرى حيث صار أداة تصفية ومحاسبة ودخلنا فيما أخبر عنه المعصوم عليه صلاة الله وسلامه لا يدري المقتول لم قتل والقاتل لم يقتل!!.
فهل خاض رسول الله رسالته في العالم على أساس قداسة السلاح وعبادته؟ وسحق الخصوم بالغلبة والقهر، وهل كان مشروعه يشبه مشاريع الجهاديين اليوم الذين يرفعون البندقية لإعلاء كلمة الله وقتال الناس حتى يخضغوا للدين الحق؟
لا تخطئ العين في كل متابعة للسيرة النبوية موقف النبي الكريم الكاره للحرب، وحرصه المستمر على تجنب الحرب وأسبابها، فقد أمضى أكثر من نصف عمر الرسالة يواجه أشد أشكال الصدود والأذى من خصومه في قريش، ولكنه اختار أن يتعامل معهم بسلام ودبلوماسية، ويلتزم ما رسمه له القرآن الكريم من مبدأ الموادعة والسلام: فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (الزخرف 89)، وهو ما نقرأه أيضاً في قول الله تعالى: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله (الجاثية 14).
وتطور الصدود إلى أعمال عدائية مباشرة اشتملت على تعذيب عدد من الصحابة وقتل بعضهم، ولاسيما العبيد والأرقاء، كما جرى مع سمية بنت خياط وياسر بن مالك وزنيرة وخباب بن الأرت وبلال بن رباح.
ونتيجة الاضطهاد، أجبرت عشرات الأسر المؤمنة على مغادرة الأرض والرحيل صوب الحبشة، مع ما يعنيه ذلك من ركوب البحار والانتقال إلى بلاد بعيدة غير معتادة، تختلف في اللغة والعرق والدين. وهو ما يعكس حجم الأذى الذي تعرضوا له حتى فروا إلى قارة أخرى، وواجهوا نمطاُ من الحياة يختلف اختلافاً كلياً عما تعودوه. وكان ذلك يشكل رهقاً كبيراً مضنياً، ولكن النبي الكريم أصر على الخيار السلمي في مواجهة قريش على الرغم مما فرضه ذلك على الأصحاب من هجرة وشتات.
كما تطور الاضطهاد من جانب آخر إلى حصار مرير طال النبي نفسه ومن ناصره من بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب بمكة. وقد كتب المشركون وثيقة الحصار في جوف الكعبة، ليقطعوا كل طريق للتعاطف مع الرسول الكريم أو مع أصحابه، واستمر الحصار ثمانية وعشرين شهراً منعت فيه قريش كل أشكالالتواصل والعون مع المحاصرين بما في ذلك الطعام والشراب، وقد أدى الحصار إلى وهن خديجة وأبي طالب، وبعد فك الحصار بأسابيع ماتت خديحة ومات أبو طالب من الأذى الذي خلفه الحصار الخانق.
وعلى الرغم من ذلك كله، فلم يرد في أي رواية لا من طريق المحدثين ولا حتى من طريق المستشرقين أن الرسول الكريم لجأ إلى أي من أساليب العنف ليفرض مشروعه على الناس، ولم تظهر على الإطلاق أي خيارات عنيفة في ردود أفعال الرسول، ولم يحصل أبداً أن تم اغتيال أحد من أشرار قريش أو خطف أحد من أولاده أو ارتكاب أي عمل عنيف ضدهم على الرغم من خطورة ما أقدموا عليه من العمل العنيف الظالم.
واختار النبي الكريم بدلاً من ذلك الهجرة، على الرغم من أن رسالته مرتبطة تماماً بالكعبة المشرفة، وعلى الرغم أنه ابن مكة وأن أهم أصحابه هم أبناء مكة المكرمة، ورسالته تقتضي أن ينجح في مكة تحديداً، ولكنه اختار مع ذلك طريق الدبلوماسية بدل الحرب، وحاول أن يوفر أرض هجرة يأوي إليها برسالته متجنباً المواجهة الدامية مع قريش.
كان خياره الأول في الهجرة هو الحبشة، وكانت الحبشة أرضاً إثيوبية، وكانت أكسوم هي مقر ملك النجاشي. وهي مدينة تقع اليوم على الحدود الارتيرية الأثيوبية، وتبعد عن مكة 800 كم بين بر وبحر، ومن العسير تماماً أن تغدو محطة انطلاق رئيسة للإسلام. ولكن الرسول مع ذلك حاول، وكان يتابع أخبار أصحابه في الحبشة، ولكن التقارير كانت تؤكد له أن الحبشة يمكن أن تقوم بدور إغاثي لمساعدة المستضعفين، ولكنها لن تستطيع القيام بدور أكبر من هذا، فهي بلاد غير عربية ولا يروج فيها لسان العرب، وفي الحبشة دين مستقر وكهنة وبطارك ورهبان، ويمكن الاستفادة منهم دبلوماسياً دون أن يكون للحبش دور مباشر في احتضان الرسالة.
ثم اختار الهجرة الى الطائف ولكن الطائف تعاملت بوحشية لا نظير لها وقام زعمائها بممارسة الهزء والسخرية بالرسول الكريم وأطلقوا سفهاءهم وأرذالهم على الرسول الكريم يرمونه بالحجارة حتى سال الدم من رأسه إلى أخمص قدميه، ولم يستفق إلا بقرن الثعالب.
وأما المحاولة الرابعة فكانت إلى الحيرة وبعد حوارات متعاقبة لم يتم مشروع الهجرة الى الحيرة واعتذر الزعماء الثلاثة المثنى بن حارثة والمفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة عن احتضان الرسالة.
أما المحاولة الخامسة فهي في المدينة وقد استغرق الإعداد لها ثلاث سنوات متتالية وقد كللت في النهاية بالنجاح وغنت نساء المدينة طلع البدر علينا من ثنيات الوداع.
والسؤال الآن كيف نجح رسول الله في تحريم السلاح رغم المحاولات الخمسة التي حاولها، وعلى الرغم من أن مكة والطائف انتهت بعنف دموي باطش سقكت فيه دماء وشهداء، بل إن المحاولة الخامسة نفسها كادت تودي بحياة رسول الله وصاحبه حين احتشد أربعون سيفاً من قبائل العرب وكلهم حريص على قتل النبي الكريم ضربة يتفرق بها دمه بين القبائل.
كل المؤشرات تدل أنه كان مدفوعاً بقوة التاريخ إلى استعمال العنف ضد مخالفيه، فهو لم يقدم فلسفة قائمة على أخلاق العبيد، ولم يكن من شانه أن يدير خده الأيسر حين يضرب منه الأيمن ولم يكن ليعطي إزاره لمن أخذ منه رداءه…
وأمام عينيه سقط صحابة كرام تحت عنف التعذيب المتوحش ولكنه مع ذلك كله ظل رابط الجأش ورفض كل خيار عنيف.
كان يملك مثلاً أن يرسل بعض أصحابة الفدائيين فيغتال رؤوساً في الكفر قد أينعت وحان قطافها، وكان يمكنه أن يرسل بعض شباب الصحابة ليحرقوا محاصيل الطائف كلها جزاء وفاقا ونكالا عدلاً بما اقترفه زعماء الطائف من عدوان وبطش وتعذيب.
خلال المحاولات الخمسة لم يورد أي كاتب للسير النبوية من المسلمين ولا أي مراقب من أهل الكتاب ولا حتى أي مستشرق من المشترقين لاحقاً أنهم نجحوا في دفعه إلى العنف، لقد ظل صامتاً خلف عنائه وظل يقول لآل ياسر صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.
بدون أي تردد يمكننا القول إنه لم يستخدم كل هذه السنوات المريرة ولا حتى سكين مطبخ في مواجهة العنف والبطش الذي استخدمته قريش، وهذه هي رواية أتباعه وخصومه على السواء، وبذلك عزز مبادئه في السلم والكرامة التي جاء بها للناس، وبها دخلوا في دين الله أفواجاً.
فقط عندما نجح في نضاله السلمي الديمقراطي أن يحظى بثقة أغلبية مريحة في المدينة وأنجز وثيقة المدينة الحقوقية أصبخ من واجبه ان يقيم جيشاً وطنياً يحمي به الناس ويدافع عن كرامتهم.
بعبارة واحدة لقد جاءت الدولة بالجيش وليس الجيش هو الذي جاء بالدولة، وهي الحقيقة الحاسمة التي لا يمكن على الإطلاق أن يتنكر لها أي بحث تاريخي علمي سواء كان من الفقهاء أو من الناقدين أو المستشرقين.
لست أجهل أبداً ان السوري واجه جيشاً لا يؤمن بكرامته ولا إنسانيته ومارس إذلاله وإهانته واستعباده بعنوان الشرعية، ولكنني في الوقت نفسه أعتقد انه كان أمامنا خيارات كثيرة قبل أن نختار العنف جواباً على العنف..
نكتب للأيام التالية، ونتمسك بجهود قادة الوعي الذين اختاروا الذهاب إلى التفاوض، في حين بقيت بنادق أثيمة مشرعة تائهة في مناطق العلم الأخضر توشحه بالسواد وتريق دماء الثوار والمؤمنين تحت شعارات سوداء لا تتصل بهدي رسول الله ولا بمطالب هذا الشعب في الحرية والكرامة.
لست أدري كيف ستقع الكلمات في أسماعهم وهم يطلقون الرصاص في وجوه أهلهم وإخوانهم حيث لا روسي ولا إسرائيلي ولا إيراني ولا كتائب طغيان، وإنما رفاق الخندق والمحراب، ولكن الرصاص بلا دين ولا شرف.
إنهم يفهمون رسالة الإسلام بؤساً دموياً أسود، ويدركون أن وقف الحرب هو نهاية أحلامهم المريضة، وأن هدي رسول الله وسنة أصحابه هي لعن الحرب وليس عبادتها، وإطفاء نارها وليس إشعالها، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين.
Tags: سلايد