عبد الرحمن صلاح الدين: الخاسر الأكبر في سوريا

عبد الرحمن صلاح الدين: شبكة INPplus

ليس لإيران ما تملكه في سوريا بعد رحيل بشار، فهي لا تمسك بحدود كما تركيا، ولا أتباع دينيين كالتأثير الديني الذي ستحظى به كل من تركيا والسعودية، ولا طائفة تتحالف معها فالعلويون ذاهبون إلى روسيا، ولا علاقات اقتصادية متينة فهي في الاقتصاد لا مكان لها، ولن تملك بطبيعة الحال النفوذ في المؤسسات العسكرية والأمنية السورية، فهذه حصة روسيا وهي التي تتولى إعادة بنائها.

ما تملكه إيران في سوريا هو شخص بشار الأسد، الذي أطاح بالتوازن الذي أقامه والده في علاقته بضفتي الخليج، وتملك أيضا ميليشيات كثيرة العدد مدربة ومطيعة، لكن من دون حاضنة شعبية، وقد يتساءل متسائل هنا عن كون العلويين حاضنة شعبية لمشروع إيران في المنطقة، تساؤل قد يطرحه من لا يعرف سوريا من الداخل، فالعلويون وإن كان مذهبهم هو أحد فرعي الاثني عشرية، غير أن تجربتهم التاريخية جعلت منهم أبعد ما يكونون عن الفكر “السياسي الديني”، وولاء الفرد عندهم للطائفة هو كالولاء للقبيلة وليس ولاء لعقيدة سياسية دينية ذات مشروع، من هنا فإن العلويين لا يقلون تذمرا من ولاية الفقيه عن خوفهم من الإسلام السياسي السني، لذا فالأرجح أن يكونوا أكثر قربا من روسيا في مستقبل سوريا، ويجدون عندها الملجأ من إيران، وفي أحسن الحالات بالنسبة لإيران فإنهم سيعقدون معها علاقة ندية (هذا في حال فشل السوريون في العبور إلى دولة غير طائفية).

في المحصلة فإن الحل السياسي سيفقد إيران ورقتيها في سوريا، أي الأسد والميليشيات، وبينما سيجلس اللاعبون على الطاولة لترتيب مصالحهم في مسيرة الحل السوري، لن يكون لإيران ما تبيعه، ولا ما تشتريه، وستحظى بخسارة مدوية في سوريا، فكل التكاليف التي دفعت لم تؤد إلا ثمنا واحدا، إطالة عمر الأسد سياسيا.

وفي السياسة الدولية، كما في العلاقات الشخصية، لكل دولة شخصيتها وطريقة عملها، ولأنها بلد غير مكتمل أركان الدولة، لا تتقن إيران التعامل مع الدول مكتملة المؤسسات ولا تستطيع أن تشارك في بناء دول مكتملة، فهي مع جيش مغيب ومهمل، ومع ميليشيا (حرس ثوري) حاضرة وحاكمة، تشكل نموذجا لما تريد أن يكون عليه جيرانها. ومع كونها جمهورية شكلا (الجمهورية الإسلامية)  وملكية ثيوقراطية المضمون (ولاية الفقيه) تشكل إيران نموذجا دوليا لشخصية رجل عصابات كاره للمؤسسات، لكنه يرتدي بزة رسمية، على الرغم من قدرته على إدارة فريقه، لا يقدر على العمل المؤسسي، ينطلق أسلوبه من أنه لا يريد لأتباعه أن يشعروا بالراحة كما لا يريدها لخصومه، يندفع إلى الإمام لبسط سيطرته عند أبسط فرصة، وإذا تم حصره في مكان ما، فإنه سيبحث بشكل حثيث عن مكان ينتقم فيه ويورط من يحاربونه.

خسارة سوريا ليست مجرد جولة بالنسبة لإيران، فلسوريا تأثير كبير يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي والاقتصادي في عدد من ملفات المنطقة، ولولا أن هذا المقال غير مراد له الإطالة لفصلنا عن تأثير سوريا في دعم كل من المقاومة العراقية والجهاديين بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، عدا عن نفوذها القوي على ملفات القضية الفسلطينية ولبنان والمسألة الكردية وغيرها، لذا فإن هلال طهران يفقد نصفه الغربي دون دمشق، ولا يبقى منه إلا نصفه الشرقي بين طهران وبغداد.

أمام الشخصية السياسية لإيران وأمام المسار السوري، تبرز لطهران عدة خيارات، أحلاها مر، مع تغير التبدلات الدولية وتزلزل اتفاقها النووي مع الدول الكبرى، رجل العصابات لن يقبل أن يحشر بالزاوية وسيبحث عن مكان يفتح فيه كوة في الجدار، والاحتمالات الواردة كثيرة أبرزها:

– انتشار فجائي وسريع لميليشيات قتل طائفي في مناطق سيطرة النظام السوري.

– تسعير حرب طائفية في العراق، لإعادة تجربة 2006 التي أجبرت الأمريكيين على الرضوخ لإيران وتسليمها الملف العراقي إلى حين.

– تحمية الأجواء اللبنانية الإسرائيلية، عبر تحرش حزب الله بإسرائيل، وتمدد نار حربهما إلى سوريا لإحراج روسيا، وهو خيار فعله صدام حسين سابقا عندما أطلق صورايخ سكود على تل أبيب ردا على عاصفة الصحراء، لإحراج العرب الداعمين للعملية.

هذه ليست كل الخيارات الإيرانية، فإمكانية اندلاع نزاع إقليمي أوسع واردة جدا، سواء عبر الخليج العربي، أو عبر الجزء الشمالي من جبال زاغروس، في المنطقة الفاصلة بين إيران وتركيا أي كردستان.