on
اللا دينيون يعلنون عن انفسهم في سوريا
كلنا شركاء: فينكس
طوبى لمن لم تتلطخ يداه دماً هنيئاً له وأهلاً به في المعبد
“نقش أرامي تدمري”
سماحة الدكتور أحمد بدر الدين حسون المحترم
رسالة مختصرة…
تحية وسلام…
يدرك المتابع لخطاب سماحتكم الديني السياسي الانقلابي قبل الأزمة السورية أهمية الخطاب وضرورته لمقاربة مشاكل المنطقة ومجتمعاتها برؤية جديدة استكشافية وربما استراتيجية, وأهمها علاقة المخلوق بالخالق وعلاقة المخلوق بالحكم… حيث حاكى هذا الخطاب التغيرات السياسية القادمة على مستوى المنطقة والعالم… وهو ما فتح نافذة حق المواطن “الإنسان” بالتفكير في الخالق دون الرجوع إلى مرجعيات فقهية ودينية، فأثمر في بعض المناحي وإن كان بشكل متواضع وخجول… كان بالمقابل خطاب الإفتاء خلال الأزمة السورية مقبولاً من فئات واسعة من السوريين وليس فقط المسلمين، إلى أن تجاوز الحدث السوري الكبير هذا الخطاب، بعد ما خلفه من ألم وجراح إنسانية وسياسية، وما لعبه بعض المنتمين إلى الدين الإسلامي في تعميق ذلك الألم عبر قدرتهم على تجييش العامة للهجوم على المواطنة والدولة السورية، ودورهم في إضعاف وإنهاك قطاعاتها بتجميع قواهم واستخدامها كمرتكز لفعل التدمير… رافعين شعارات دينية عنيفة وأسماء دينية لكتائبهم وألويتهم عنواناً واضحاً ودليلاً ساطعاً على دور الدين في هذا الفعل.
فكانت ردات فعل من المسلمين أنفسهم التبرء من الأفعال وبعضهم من الدين نفسه “ليس هذا دين الإسلام، الإسلام دين محبة وتسامح.”؛ وبدأت تتبلور في الوقت نفسه رؤية عامة جديدة بين هؤلاء وعند فئات أخرى واسعة لتجنيب الدين التدخل في شؤون العامة والدولة…ومنهم “اللادينيين والمرتدين والملحدين وغيرهم” من الذين ساهموا بفاعلية في الحفاظ على ما تبقى من بنى الدولة السورية… وأصبحوا قوة ناشئة لها جمهورها في مواجهة تلك القوى الظلامية المتسترة بستار الدين.
هذا المرور السريع على الواقع لابد منه لمحاولة توصيف الحالة الراهنة والتدقيق في النتائج السوداوية المدمرة التي وقعت خلال عقود من الصراع والصراع المضاد، الذي كان الدين ومازال أحد أهم مفاصله في حياتنا والمحدد لمصيرنا ومصير الأوطان.
سماحة المفتي إن إنذاركم حول انتشار الإلحاد بين الأجيال القادمة في مؤتمر الوحدة الإسلامية الثلاثون في العاصمة الإيرانية طهران بتاريخ 17/12/2016،وظهوركم على شاشة الميادين في 13/12/2016حول حلب، ما هو إلا فرصة حية لنا جميعاً لادينيين ومؤمنين وغيرهم منأبناء سوريا، لنطرح على الملأ آلامنا، وقضايا الوطن من وجه نظر خارجة عما اعتدنا عليه وخبرناه من انسداد الأفق وتولدِ نتائج مخيبة من ذلك. رغم ما أصابنا من إنذاركم من دهشة وصدمة إلا أن رحابة قلوبنا السورية تسمح بتجاوزه لنضع الخلافات والاختلافات قبله وبعده في حيز الطرح للنقاش والتساؤلات التي نرجو أن تتسع لها رحابة صدركم ورجاحة فكركم: أولاً- حول الإنذار من انتشار الإلحاد بين الأجيال القادمة الذي ورد على لسان سماحتكم في مؤتمر الوحدة الاسلامية في طهران مؤخراً: سماحة المفتي.. أنتم تعلمون, وكثيرون أيضاً, أن الإلحاد في بلادنا المشرقية هو ردة فعل وخيار على عدم قدرة الدين على التعامل مع عقل الإنسان المعاصر، إضافة إلى ما تسبب به الدين عامة من مجازر دموية حلت بنا وتكررت كل بضعة عقود. إن الإلحاد ليس كفراً بالله في كثير من جوانبه بل بحماته على الأرض. هو كفرٌ بأفعال الناس ورفض تمسكهم بقشور الدين. هو اعتراض على التعامل مع أمور الدنيا. هو صرخة في وجه كثير من رجال الدين المسيحيين والمسلمين المتحكمين بأرزاق الناس، الممسكين بمفاتيح الجنة والنار. هو وقفة في مواجهة هؤلاء بعد أن وظفوا الله وتعاليمه في خدمة مصالحهم على حساب مصالح المواطن والوطن، حتى ضاعت الموطنة وإنسانيتها..
سماحة المفتي
لكم الحق أن تعبر عن مخاوفك, ولكن لنا الحق بأن نطرح تساؤلات قابلة للنقاش مع سماحتكم – ممثلاً لرجال الدين الإسلامي في بلادي- حول أسباب ومبررات مخاوفك من الملحدين، وهم الذين لم تتلطخ أيديهم بالدم أو القتل باسم إلحادهم، لم يهدموا جسراً أو كنيسة أو جامعاً أو معبداً تدمرياً نقش فوق جدرانه “طوبى لمن لم تقترف يداه دماً وأهلاً به في المعبد”، ولم يلغّموا مئذنة جامع أو أساسات مدينة قديمة أو منشأة عامة… لم يذبحو على الهوية باسم إلحادهم. بل إن المتابع لمواقف الملحديين واللادينيين في الأزمة السورية يرى أنها كانت إنسانية وطنية بامتياز، حيث تجاوزوا آلامهم متخطين الظلاميةَ والبربريةَ وجحافل الشر “كما أسميتها سماحتك” حفاظاً على وحدة الجغرافيا وتنوعها الثقافي البشري، دفاعاً عما أصاب كثير من مناطق الصراع السورية التي سيطرت عليها كتائب وألوية وجيوش تزعم أنّها إسلامية… هم, أي اللادينيون والمحلدون بكل ذلك كانوا أقرب إلى الله من مؤمنين كثر، هم بهذا الإنذار, رغم الألم, يطرحون محتواه للتساؤل والنقاش بنقاط موجزة من زاويتهم:
أولها: إن إنذاركم من خطر الإلحاد هو بأحد جوانبه غض الطرف عن الخطر الحقيقي الذي يهدد الوطن من جهل وتجهيل من تدين أعمى وتزمت قاتل تمت منهجته عبر عقود.
ثانيها: إن الإسلام بهذا الإنذار مازال يحمل روح التفوق على المعتقدات الأخرى، التي لا تتماشى ولا تتوافق مع طروحاته، فيظهر الرغبة بإزاحتها من طريقه، وهو ما يتناقض مع روح الإسلام المعلن في مناسبات عديدة من قبلكم “دين محبة وسلام”.
ثالثها: إن الإلحاد والخيار اللاديني هو خيارٌ إنسانيٌ فرديٌ واعيٌ لا يتناقض مع جوهر المحبة والتسامح المعلن في الدين الإسلامي، له طريقته واتجاهه في التطبيق، والذي يدافع في الوقت ذاته عن الدولة، ويحفظ إنسانية المواطن.
رابعها: يحمل هذا الإنذار بين ثناياه خوفاً على الإسلام في مواجهة القادم من تطورات بشرية وإنسانية.
خامسها: وهو الأهم هنا… حيث أن الملحدين واللادينيين لم ينذروا يوماً من انتشار الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي، لإيمانهم بالإنسان الحر الواعي وحقه في الاختيار.
ثانياً- حول ما ورد في لقاء سماحتكم بتاريخ 13/12/2016 على تلفزيون الميادين بعد إيقاف العمليات الحربية في ذلك اليوم في مدينة حلب السورية:
إن طروحات سماحتكم حول المحبة والسلام من حيث أنها جوهر الدين الإسلامي، وما تفضلتم به أن المسيحيين صلوا جنباً إلى جنب مع إخوانهم المسلمين في الجامع الأموي في حلب لسنوات طويلة حيث كان كنيسة وقبلها معبداً… يدفعنا لالتقاط ومضات الزمن النادرة لنطرح بروح وطنية مسؤولة عودة الصلاة بين المسلمين والمسيحيين في الجامع نفسه، خاصة وأن المسيحيين قاموا بمبادرتهم وقدموا هذا الجامع للمسلمين منذ قرون خلت. لماذا لا تترسخ ظاهرة رد الجميل في الدين وقد قدم المسيحيون للمسلمين الجامع الأموي في حلب، وجامع دوما الكبير الذي كان كاتدرائية، وجامع مبرك الناقة والجامع العمري في بصرى، وغيرها ليكون هذا الجامع نموذجاً حياً لرسالة الدين الإسلامي في المحبة والعطاء والإقدام على مبادرة التفاعل الإيجابي ويكون بذلك:
1- رسالة إلى الداخل وفاء للمسيحيين الذين قدموا دور عبادتهم يوماً لإخوانهم المسلمين، لتكون الرغبة هنا صادقة من الجميع بالعيش تحت سقف الوطن، وتحقيق المواطنة وإن كان من بوابة الدين.
2- رسالة إلى الخارج الغربي والإسلامي، لتكون هذه المبادرة الجريئة دليلاً قاطعاً جديداً على قدرة الإسلام السوري على العطاء والتفاعل مع محيطه الحضاري، وإكمال رسالته بالسلام والمحبة. ولتبقى كل من جوامع حماه وحمص ودرعا وبصرى وأهمها جامع الأموي بدمشق على حالها إلا اذا رغب الناس بعكس ذلك.
سماحة المفتي…
إن الدين الاسلامي على محك الأقوال المرتبطة بالأفعال، على محك الظاهر والجوهر، المعلن والمبطن، بعد هذا الارتباك الذي مر به في الأزمة السورية… فلم تعد الشاشات والمنابر كافية لإلهام الناس بالحب والعطاء والتسامح، ولقمةُ عيشهم ممزوجة بالدم والأمل الضائع. لم تعد هذه الخطابات كافية لتوضيح وجهة نظر أو للتقليل من نتائج فعل معتقد أو دين ما، لأن الميدان حسم كل وجهات النظر العقائدية والفكرية على تناقضها أحياناً، وصراعها أحياناً أخرى، وتوافقها النادر.. الميدان قال كلمته وبَيّن النتائج… وما حصدناه حتى الآن من الألم والدم فوق الأرض السورية هو دليل دامغ على الأفق المسدود، الذي يجب تحريره بخطاب سياسي ورؤية جديدة لا يتدخل الدين بها، بل يوسع دائرة المشاركة لتشمل الجميع متجاوزاً الطروحات التقليدية التي لم تعد تتماشى مع العصر ومتطلباته، ودائما من زاوية وطنية وحفاظاً على الدولة.
نقدم ختاماً بعضاً من جوانب رؤيتنا…
1- دستور جديد يستعيد المواطنة الكاملة لكثير من السوريين، لا يحدد فيه دين أو جنس رئيس الجمهورية ويعتبر مرتكزاً وأساساً لإعادة تماسك الدولة السورية، وبدايةً لإنطلاقها من جديد.
2- إعادة النظر بقانون الأحوال الشخصية الذي يفرض على الأولاد دين الإسلام وربما مذهب محدد في حالات الزواج المختلط. هو ما سيعيد تماسك البنى الاجتماعية والثقافية السورية بما يخدم ترسيخ الدولةُ السورية.
3- إعادة النظر بتعدد الزوجات وأخذ روح النص الإسلامي، إسوة بتونس الدولة الإسلامية وهو ما سيساهم باستقرار الأسرة والمجتمع، ويدفع نحو الإنتاج المادي والفكري بحده الأقصى المتاح.
4- وضع نص قانوني واضح بحق الرغبين بتغيير دينهم ومعتقدهم والعمل على حمايتهم اجتماعياً وأمنياً والتعامل معهم كمواطنين أحرار في تغير قناعاتهم ومعتقداتهم، تحت حماية القانون.
ننهي رسالتنا هذه بكثير من الأمل والمحبة السورية الخالصة لسماحتكم ولجميع المؤمنين والملحدين واللادينيين في بلادي والعالم…
يتبع…
سوري لا ديني