on
هنادي زحلوط :القمع عبر الانترنت… سوريا بين الديكتاتورية المعلوماتية والثورة الرقمية
هنادي زحلوط :كلنا شركاء
تميز تعاطي السلطات السورية مع تقديم خدمة الانترنت للمواطنين السوريين بكثير من الكذب و الخديعة بداية، فمن جهة أعلنت السلطات السورية رغبتها بنشر المعلوماتية، ورفعت هذا الشعار للمرحلة الأولى من حكم بشار الأسد، ومن جهة أخرى كانت هنالك قائمة طويلة من المواقع المحظور على السوريين فتحها.
قسمت المواقع المحظورة بحسب السلطات السورية إلى مواقع إباحية ومواقع معادية، وبينما اتسع مصطلح مواقع معادية ليشمل مواقع إسرائيلية وإسلامية إلى جانب عدد كبير من المواقع الإخبارية التي تحظر فقط لتطرقها لأخبار سوريا بشكل لا يرضى النظام عنه، فيما لم يتم منع أي موقع إباحي في المقابل!
في المراحل اللاحقة أطبقت السلطات السورية حصارها بشكل كامل على الانترنت, فبالرغم من السماح بالكثير من المواقع التي كانت محظورة، ومنها مواقع البريد الالكتروني المجاني مثل ياهو و هوتميل، وبرامج المحادثة الفورية مثل سكايب، فقد تم السماح بها نتيجة لامتلاك السلطات السورية برامج متطورة تسمح بالرقابة على هذه المواقع مباشرة.
ضيقت السلطات السورية الخناق على رواد المقاهي الالكترونية وطلبت إلى أصحاب المقاهي تزويدها بالبيانات الشخصية الكاملة لكل مستخدم يرتادها، وتسجيل الصفحات التي قام بزيارتها، فيما التغاضي عن الدردشة ودخول المواقع الإباحية يصل حد التشجيع!
وبينما تم إنشاء أول جمعية للمدونين في سوريا سنة 2005 ضمت خمس مدونات فقط، فيما وصل عدد المدونات إلى 35 بداية العام 2006، ويعكس العدد الخوف والرهبة التي اعترت المواطنين في تلك الحقبة من التعبير والكتابة، وقد بدا واضحا أن ملاحقة النظام لصحفيين ومدونين لم يرتكبوا جرا سوى الكلمة لا هوادة فيها.
فيما عهدت السلطات لمقربين منها من صحفيين ورجال مال وأعمال بفتح مواقع الكترونية تدعي نشر أخبار سوريا، وتعتمد طريقة النظام وأجهزته الأمنية في نشر ما يريد والتخويف مما لا يريد، ناشرا بين حين وآخر فقاعات إخبارية اختبارية للناس والمجتمع.
لكن جميع ذلك لم يحبط من إرادة السوريين ورغبتهم النهمة بالاطلاع على الأخبار والتحليلات، فاستخدموا الكثير من البرامج الكاسرة للحظر وبدؤوا شيئا فشيئا يصبحون خبراء في مجال فك الحظر والبروكسي عن المواقع التي يرغبون في تصفحها، فيما لم توفر السلطات السورية جهدا في شراء برامج التجسس من دول كبرى عديدة.
ولم يكن اندلاع الثورة في سوريا سوى صفحة أخرى من صفحات مواجهة الشعب السوري لقمع السلطات واحتكار المعلومة، قمع يحمل شعار حماية مواطنيه، فيما هو يحرمهم أبسط حقوقهم.
ومع بداية الثورة في العام2011 قامت السلطات السورية وباستخدام أجهزة مراقبة أميركية ابتاعتها من شركة أمريكيّة تدعى , فيما نفت هذه الشركة علمها ببيع أجهزتها للنظام السوري الموجود على قائمة الحظر الأميركية.BlueCoat
بينما سجل نشطاء سوريون إلكترونيون أن هذه الأجهزة منعت وأحبطت محاولات السوريين في الوصول إلى مواقع إخبارية تنقل أخبار الثورة السورية منها موقع “كلنا شركاء في الوطن”.
لكن الانتهاك الأكثر سفورا لخصوصية المواطن السوري على صعيد المعلومة كان الطلب إليه في الأفرع الأمنية التي تعتقله التصريح عن بيانات بريده الالكتروني وصفحته الشخصية عبر الفيس بوك وحسابه على تويتر مع إرغامه على إعطاء كلمات المرور الخاصة بهذه البيانات الشخصية جميعها للضابط أو العنصر الذي يتولى التحقيق معه!
السلطات السورية التي اعتبرت أن من حقها تجريد المواطن السوري من ملابسه وتعذيبه عاريا رأت أنه من أبسط حقوقها تعرية بريده وحساباته ومحاسبته على كل كلمة كتبها وكل صديق تحدث معه، وكل نفس معارض للسلطة فكر أن يتنفسه!
ومع تقدم الثورة ظلت السلطات السورية تعتبر الكلمة الخطر الأكبر عليها، وربما أكثر بكثير من السلاح الذي حمله مسلحو الجيش الحر أو سواهم، فوضعت نشطاء الانترنت الذين جعلوا من رسالتهم وصول السوريين إلى مصادر المعلومة هدفا لنشاطهم في وجه قمع السلطات، وضعتهم في رأس قائمة المطلوبين لديها ونكلت بهم وعذبتهم أيما تعذيب.
ملفات عديدة بأشكال مختلفة زرعتها السلطات السورية على صفحات ومواقع معارضيها، فقد يأتيك الفيروس على شكل ملف “بي دي اف” أو على شكل نص، أو على شكل ملف مضغوط بعنوان “قائمة بأسماء المسلحين المطلوبين للنظام السوري” يأتيك عبر دردشة من صديق اخترقت صفحته، وقد لا يفلح برنامج الحماية من الفيروسات الذي تستخدمه في التخلص من الفيروس حتى بعد إبادته، لأن البرنامج المخترق ربما يستنسخ نفسه مؤديا إلى عطل مستديم في برنامج تشغيل جهازك ذاته!
أما اليوم وبعد ما يقارب على ست سنوات من الثورة السورية فإن النظام السوري قد تسلح بأدوات تجسس الكتروني إيرانية وروسية حديثة، فيما يتابع عناصر أفرعه الأمنية أساليبهم في التعذيب للحصول على معلومات البيانات الشخصية للمعتقل، سواء أكان مواطنا عاديا أم ناشطا على الشبكة العنكبوتية.
هي الحرب المستمرة من أجل ووصل حر إلى مصادر المعلومة، في وجه نظام من أعتى أنظمة الديكتاتورية في العالم!
وفيما تتولى دول كبرى دعم هذا النظام بأحدث الأجهزة والتقنيات للسيطرة على شعب يخوض ثورة ضده، يستمر السوريون في سعيهم المستمر لمعرفة المزيد والمزيد, ولمقاومة هذا النظام عبر برامج بسيطة يقوم بعضهم بتطويرها ذاتيا!