فداء عيتاني لـ (كلنا شركاء): الثورة قُضي عليها و(الآستانة) مراسم تأبين

مضر الزعبي: كلنا شركاء

تتسارع وتيرة التطورات على الساحة السورية منذ مطلع شهر كانون الثاني/يناير الجاري، فمنذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في العاصمة التركية (أنقرة) نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، شهدت الساحة السورية مجموعة من الأحداث، كان أربزها مؤتمر (الآستانة)، الذي جلس فيه ممثلون عن النظام وقوى الثورة وجهاً لوجه للمرة الأولى، بالإضافة لظهور التباين في الموقفين الروسي والإيراني للعلن، وتركيز التحالف الدولي غاراته على جبهة فتح الشام، وصولاً إلى الاقتتال في الشمال السوري.

وللحديث عن مجمل التطورات على الساحة السورية خلال الأسابيع الماضية، أجرت “كلنا شركاء” مع الصحفي اللبناني المختص بالشأن السوري “فداء عيتاني” الحوار الآتي:

من وجهة نظرك ماهي حظوظ تثبيت وقف إطلاق النار؟

من اليوم وصاعداً سيسير وقف إطلاق النار على هدي التوافقات السياسية الكبرى، ووفق منهجية ستضعها روسيا بشكل رئيسي، وإلى جانبها تركيا. طبعاً سيتعرض وقف إطلاق النار لخروقات كبيرة، والخروقات ستكون من جانب القوى الإيرانية وتلك التابعة لها، كحزب الله والميليشيات العراقية والنظام السوري، إلا أنها لن تكون خارج الاستراتيجية الروسية التي رسمت حدود سوريا الجديدة سياسيا، وتركت الأعمال القذرة التي يتطلبها ترسيم الحدود للإيرانيين وأتباعهم من قوى احتلال مختلفة، إضافة إلى جزء من التركيبة العسكرية السياسية للنظام السوري.

أما من ناحية القوى الأخرى، التي باتت تقبل تسمية نفسها معارضة مسلحة، فإن الخروقات لن تكون باتجاه النظام بعد الآن. ستكون كما نشهد في الشمال السوري هذه الأيام تجاه مكونات أخرى مختلفة من “المعارضة المسلحة”، بغية تصفية حسابات وحسم صراعات ما بين مشروعين تنازعا على سوريا طويلا، ومن أجل تكريس القوى الكبرى لحصتها في المحاصصة السياسية المقبلة بعد استباب الأمور.

وكمراقب ومتابع كيف رأيت مؤتمر الآستانة؟

اعتذر سلفاً من كل الأصدقاء السوريين، ولكن طالما طرحت السؤال وأصرّيت على الحصول على وجهة نظري، فاسمحوا لي أن أقول التالي:

إن مجريات مؤتمر الآستانة، كما الأحداث التي سبقته، والاتصالات السرية منها والمعلنة، والمساومات، ودعوة عسكريين سوريين ثم إطلاق ورقة سياسية من قبل الدول الثلاث الراعية. إن كل ما سبق إضافة إلى العديد من المعطيات، يشير إلى أمر واحد، لقد احتكرت بعض الجهات السورية الثورة، التي هي أكبر من هذه الجهات، وأعمق وأخطر، واستسلمت في النهاية إلى إرادة دولية ساقتها للهزيمة الكاملة.

دعني أقول إن عشرات آلاف السوريين المقتولين تحت التعذيب، ومئات الآلاف من القتلى في الحرب، وجرائم لا تعد ولا تحصى حصلت في سوريا خاصة من قبل النظام، وضحايا الأسلحة الكيميائية، وملايين من النارحين واللاجئين، وعائلات فقدت منازلها، هي في ذهني وأنا وأتحدث عن هذه اللحظة في تاريخ الثورة. لقد عشت جزءاً من هذه الثورة في سوريا، وحضنني أهل الشمال السوري، وبعضهم أساء إلي، ولكن وأنا أتحدث عن مؤتمر الآستانة لا أرى إلا الحلم الكبير الذي عبر عنه السوريون يوم صرخوا مطالبين بالحرية ومؤكدين أن الشعب السوري واحد.

ثمة من قتل حلم الثورة، أو على الأقل حاول أن يقتله، لقد تم بيع الشعب السوري وآلامه وتضحياته، ولا فائدة كبيرة ترجى اليوم من مناقشة تفاصيل تقنية حول مؤتمر الآستانة والخطوات اللاحقة، ليس قبل أن نعترف أين أصبحنا وأي واقع نعيشه.

إن النقاش التقني حول الآستانة والبيانات الصادرة والموقف من دستور اقترحته روسيا لسوريا، تفصيل أمام الصورة الأكبر، وعلى الرغم من نصيحة أحد أقرب الأصدقاء لي بأن نترك الشعب السوري لينعي فقيدته، إلا أننا لا بد أن نتحدث صراحة، أو لنمتنع عن الحديث، هذه الثورة قد قضي عليها بألف يد وألف خنجر. أما الآستانة فليست أكثر من مراسم التأبين.

وفي هذه اللحظة لا أعتقد أنه من المفيد تقاذف الاتهامات، لقد شهدت سوريا الثورة مشروعين عريضين، فشلا كلاهما، وأديا في المحصلة إلى حالة معقدة وكارثية، كما أن المعطيات الإقليمية والدولية كانت كلها ضد هذه الثورة، كما يفترض أن تكون، فلا أحد يحبذ رؤية ثورة جذرية تنتصر في بلد كسوريا.

النتيجة أننا الآن هنا، وعلينا أن نفكر بالمستقبل، كيف سيمكن تكريس حريات السوريين وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تضحياتهم، والمتابعة في حركة تغييرية عميقة لبلد تم تدميره بالكامل، وطردت شرائح واسعة من نخبته المتعلمة، لمنعه من التطور.

ماذا عن جبهة فتح الشام وقرارها خوض حرب ضد تشكيلات المعارضة في الوقت الراهن؟

فتح الشام تحاول تثبيت نفسها في الأرض السورية، والحصول على أكبر قدر من إمكانيات الحرب، هي في النهاية مشروع حرب دائمة، وهي تسعى للبقاء في سوريا ما سمح لها الداعمون الدوليون بذلك، وفي المقابل فإنها بغاية القلق من مجريات الأمور، ولا تنفع تطمينات بعض الدول الصديقة لفتح الشام من أن وجودها ودورها قائمان، فهي تحاول تصفية كل الأطراف خارج إطار الحاجة التركية في المرحلة المقبلة. في مقابلها فإن حركة أحرار الشام أيضاً تستوعب وتضم ما أمكنها من أطراف صغرى ومتوسطة. إن الحاجة لدى الأحرار مختلفة عن تلك لدى فتح الشام، هي تريد المزيد من النفوذ والتمثيل السياسي، للمرحلة التالية، لا فرق إن حضرت الأحرار مؤتمر الآستانة أم اكتفت بدعمه دون حضوره، فحركة الأحرار في النهاية، كما العديد من الفصائل الكبرى، وخاصة تلك المرتبطة بشكل أو بآخر بالمشروع الإسلامي في سوريا، تسعى إلى بيع جلد الدب السوري بأغلى سعر ممكن، ولكن لا أحد منها يمتلك الجلد بمفرده، وبالتالي كل منها تحاول الحصول على الجزء الأكبر منه.

كان ملاحظاً استهداف التحالف الدولي لفتح الشام خلال الشهر الجاري، فهل جاء ذلك عقب توافق إقليمي ودولي على استهدافها؟

لقد سلم الجانب التركي إحداثيات مواقع جبهة فتح الشام (جبهة النصرة) والقوى السورية في مناطق الشمال إلى القوات العسكرية الروسية، كان على التحالف الدولي الإسراع في تصفية العديد من الشخصيات المطلوبة أميركياً من تنظيم القاعدة العاملين تحت اسم فتح الشام، قبل أن يبدأ الطيران الروسي باستهداف مكثف لفتح الشام، وقبل أن تتمكن فتح الشام من تغيير مناطق تواجد القيادات الرئيسية المستهدفة.

ولكن ما يثير التساؤل هو حالة الاسترخاء التي تعيشها فتح الشام في معسكراتها، حتى يتم القضاء على ما يقارب مئة متدرب في موقع الدفاع الجوي ١١١ في ريف حلب الغربي قرب دارة عزة بغارة واحدة.

لا يزال من المبكر إعلان بداية نهاية فتح الشام في سوريا، لا زالت الحاجة السياسية لهذا الجسم لدى الدول – المعنية بالصراع في سوريا وعلى سوريا – قائمة، وأعتقد أن فتح الشام تماماً كحالة تنظيم (داعش) حاجة دعائية ومبرر للكثير من الأعمال الحربية، ويمكن اعتبار وجودهما محفزاً للكثير من الأعمال المقبلة، ولا يمكن القول الآن أن الوقت قد حان للقضاء عليهما، أو لطرد أحداهما أو كلتاهما من سوريا أو من بقع محددة فيها.





Tags: سلايد