Archived: مرح البقاعي: تحرير العروبة من الإرهابَيْن

مرح البقاعي: كلنا شركاء

ليس استثناءاً أن يتداعى باقة من المفكّرين من الدول العربية كافّة بهدف النبش العلمي والفكري في قضايا محورية هي في الجوهر من واقع العالم العربي يشتّى صنوف وتداعيات أحداثه المقلقة وقد شهدنا فصولها على امتداد أعوام خمسة خلت في غير بلد عربي؛ يل الاستثناء يكمن في جدية الطرح ومصداقية المنبر.

أما عن المنبر فهو مؤسسة الفكر العربي العريقة وقد أسّسها وأطلقها الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز، أمير مكّة، في بيروت بتاريخ 29 أيار للعام 2000، بمناسبة احتفالية بيروت عاصمة للثقافة العربية؛ وقد دعا الأمير خالد الفيصل في خطابه حينها إلى مبادرة تضامنية بين الفكر والمال، تتبنّاها مؤسّسة أهلية عربية، يكون مكمن  رسالتها سعياً لتحقيق التضامن الثقافي العربي وتعزيز هويته الحضارية، وذلك موازاةً مع انفتاح إيجابي على ثقافات العالم.

أما عن أطروحات المؤسسة لمؤتمرها السنوي العام، فكر 14، الذي سيلتئم عقده في شهر كانون الأول 2015 في القاهرة بالشراكة مع الجامعة العربية بمناسبة عيد تأسيسها السبعين، فقد اتُفق أَن تتمّ مناقشاتها معمّقاً قبيل المؤتمر ضمن سلسلة من حلقات بحث رتّب لها وأعدها الدكتور هنري العَويط، المدير العام للمؤسسة، إلى جانب فريق عمل تنظيمي عالي المهنيّة. وكان لي غبطة المشاركة في واحدة من حلقات البحث الست، وهي التي شكّلت القاسم المشترك الأعظم بين الحلقات كافّة كونها تؤسّس بحثاً معرفياً ناقداً لكيمياء الهوية العربية وإشكالاتها.

من نافلة القول أن الحاجة إلى حركة ثقافية فكرية جامعة تواكب الحراك الشعبي والسياسي، الذي شهده غير بلد عربي بحثاً عن مستقبل جديد لشعوب المنطقة، قد تعاظمت في وطأة ما رافق ونتج عن ذاك الحراك من ظروف غير مسبوقة؛ ما نظمته مؤخراً مؤسسة الفكر العربي من حلقات عصف ذهني سيكون نواة لهذا الحراك الثقافي الملزِم. فمؤتمر فكر14 يلتئم قريباً، والعالم العربي بأجمعه، ومعه الانتماء الوجداني والوطني لشعوبه، بحالة رجّة ثورية غير مسبوقة اتخذت في غير بلد صوراً من  صور العنف المدقع والموت المجّاني الشرس، شكّل مخرج النجاة الأوحد منه مشهداً لنهايات تراجيدية هو الأقرب إلى حالة هيستيريا من النزوح الجماعي عن الأرض الأم.

إنّ التأسيس لطاولة بحث تجريبي دورية، كالتي حدثت في متوالية حلقات بحث فكر 14 الست، تضع البذرة لاستثمار فكري، على المستويين الأفقي والعمودي، في شغل عربي جمعي منتِج يتولّى إعادة صياغة المصطلحات المتعلقة بالهوية، والعلاقة بينها وبين اللغة والثقافة من جهة، والعقيدة والإسلام من أخرى، بحيث ترتكز تلك المهام البحثية على طرح الأسئلة المسكوت عنها، تلك الأسئلة التي انفجرت بجرعة واحدة على هيئة ثورات شعبية عارمة في غير بلد عربي، وكذا في تفاقم حركات تطرّف عنفية بمسار عكسي مضاد لتلك الثورات؛ حركات ليست بوليدة اللحظة على أية حال، بل هي ذات جذور عميقة وتراكمات سياسية وتاريخية معقّدة، ومواجهتها لن تتمّ عبر فوهات البنادق وحمّى العسكرة، بل بأدوات معرفية تؤسّس لحالة فكرية عربية إسلامية اعتدالية تناهض هذا الجنوح العنفي بأشكاله وتنظيماته كافّة وتنبش في دواعيه وتداعياته.

ومن المأمول أن تُنتِج حلقات العصف الفكري الاستهلالية، وعلى إثرها الندوات المرتقبة لمؤتمر فكر 14 للعام 2015، حركة فكرية ثقافية جامعة مقصدها إعادة تأهيل مفاهيم الانتماء والأصالة والهوية العربية في إطار الهويات المتعدِّدة التي تشكّل لبّ المزاييك الاجتماعي في خارطة المشهد العربي. كما أن سياسات مؤسسة الفكر العربي تجنّح باتجاه الجاليات العربية المغتربة ومعظمها ما زال ينتمي بوازع الوجدان واللغة – على أقل تقدير- إلى الحالة العربية؛ هذا الإنتماء التي ظهر بأبدع صوره  في دول الاغتراب مع اندلاع حركات تحرّر الشباب العربي والتغيير الوطني منذ العام 2011، والذي تبدَّى في نشاط دولي نصير مارسته الجاليات في دول انتشارها من أجل دعم التغيير السلمي في البلد الأم، وتمكين سيادة القانون، وتأصيل الحالة المدنية التعددية في المجتمع والدولة واستدعاء تلك الحالة في ناظم المواطنة حقاً وواجباً. والجدير يالذكر أن “تفعيل التواصل مع العقول والمؤسّسات العربية المهاجرة، والاستفادة من خبراتها” هو من الأهداف الركيزة في مؤسسة الفكر العربي منذ انطلاقتها الأولى العام 2000 ضمن فعاليات بيروت عاصمة للثقافة.

يقول الدكتور زيادة في معرض ورقته الغتية والمغنِية التي تقدّم بها خلال حلقة البحث وحملت عنوان تجديد الفكرة العربية: “المهمّة اليوم ملقاة على عاتق رجال الفكر والعلماء لصياغة عروبة معاصرة متحرّرة من أيديولوجيا القومية العربية. وإذا كانت العروبة قد اقترنت في عصر النهضة بفكرة الحرية، فإنها اليوم تبنى على الحرية، والمساواة، ومبادىء الديمقراطية، والأهم على نبذ الاستبداد الذي خلّفته الأنظمة الأحادية”.

يكاد التحرّر من العقائدية السياسية أن يكون الخطوة الاستراتيجية على صراط استعادة العافية العربية ببهاء ثقافتها واتزان علاقتها بالإسلام من طرف والعالم غير المسلم من طرف آخر. ولإن كانت اللغة هي الجامع المنطوق للشعوب العربية فإن لغات القوميات الأخرى التي تشكّل اللُحمة من سِدى النسيج العربي إنما هي بهار هذا المنطوق ومنعكسه الجمالي من لغات كردية وشركسية وأيزيدية وآشورية وآرامية ــ والأخيرة هي لغة السيد المسيح التي مازال أهل معلولا في محيط دمشق يتحدّثون بها حتى اللحظة. فالاعتراف بالتعدّد الثقافي والإثني، بل توطينه وإبرازه وتلميع صورته، ما هو إلا خلاص للعروبة من شوائب تاريخية صدئة من جهة، وإدانة مباشرة للفكر الأحادي الفهري المولّد لإرهاب الدولة أو (الاستبداد باسم القومية) متزامناً مع إرهاب التطرّف أو( الاستبداد باسم الدين) من جهة أخرى.

لم تكن حلقة البحث تلك مجرد عصف ذهني وحسب، بل قارب ذاك التوغّلُ في الجذور تخوم النوستالجيا بأعلى حالاتها في حالتي، أنا المغادرة لبلد المولد سوريا منذ ما يقارب الربع قرن، وأنا التي لم أنفكّ يوماً عن انشدادي إلى حبل دمشق السرّي المديد، دمشق التي غادرتها يوماً ولم تغادرني أبداّ.





Tags: مميز