د. وليد البني: هل يمكن لرجل واحد ان يهدم حضارة؟؟

د. وليد البني: كلنا شركاء

 يخشى الكثيرون  في العالم  واوربا ، بل وفي الولايات المتحدة نفسها من أن يكون وصول رجل بمواصفات دونالد ترامب الى رئاسة الولايات المتحدة الامريكية بداية لمرحلة مضطربة قد لا تخلو من الخطورة  ليس فقط على مستوى الولايات المتحدة الامريكية وبنيتها الاجتماعية والإثنية المتنوعة  ، بل على الصعيد الدولي والاوربي والعربي ، فالولايات المتحدة الامريكية ليست دولة صغيرة كالنمسا او هولندا اللتان مرتا بتجربة مماثلة بعد ان افرزت الانتخابات فيهما حكومات مغرقة في انغلاقها وكراهيتها للأجانب وتمكنتا من تجاوز تلك المرحلة دون اثار جانبية تذكر،لأن الولايات المتحدة هي الدولة الأكثر تأثيرا على مجريات الاحداث في العالم وهي اكبر اقتصاد وأقوى جيش ومن اكثر دول العالم انتاجاً للمعرفة والتكنولوجيا،  وبالتالي فإن اضطراباً بهذه الخطورة  في آلية عمل إدارتها  سيؤثر على تطورات الاحداث في العالم وخاصة في الشرق الاوسط الملتهب واوربا المضطربة اجتماعيا نتيجة موجة اللجوء التي وصلت اليها،  وإقتصاديا  بسبب تعثر اقتصادات الكثير من دولها ، ناهيك عن امريكا اللاتينية وافريقيا اللتان لاتزال الكثير من شعوبهما ترزخ تحت نير الفقر والحروب الأهلية.

ولكن هل يمكن لشخص واحد حتى ولو كان منتخبا ان يؤثر في قيم مجتمع بتنوع وغنى المجتمع الامريكي ويغير مسار دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أكبر ديمقراطية في العالم وأكثرها رسوخاً وقد عُرف شعبها بانفتاحه وتقبله  للآخر لأنه اصلاً شعب يتكون من مهاجرين من شتى الاديان والاعراق  ؟؟؟، 

يقول البعض أن هتلر كان منتخبا ايضاً ، وان انتخابه تم بناءً على طروحاته القومية المتعصبة الشبيهة بطروحات ترامب ضد المسلمين  لكن الضحية وقتها كانت اليهود  والتي لم تخلوا من تعصب وكراهية للآخر ، لكنه استطاع ان يأخذ المانيا واوربا والعالم الى حرب تسببت بموت عشرات الملايين حيث تمكن بالتحالف مع نظامين حملا نفس القيم النازية ( موسوليني في ايطاليا ، وامبراطور اليابان) من توريط العالم في أكبر مذبحة انسانية على مر التاريخ ، فلماذا نستبعد حالة مشابهة، و خاصة وأن نظام بوتين جاهز لتلقف يد ترامب والغزل قائم بين الرجلين حتى قبل وصول ترامب الى السلطة ، كما ان اوربا  مقدمة على انتخابات قد تقود بعض الشخصيات الشبيهة بترامب الى مركز القرار( مارين لوبين والجبهة الوطنية  في فرنسا ، وبول ناتول وحزب الاستقلال في بريطانيا، وحزب البديل الالماني  )  .  

لكن ما حصل  في منتصف القرن الماضي لم يكن ليحصل إلّا بعد إن استطاع هتلر قمع الحريات وإسكات الصحافة وتأسيس حكم فردي كان من القسوة بحيث أخرس جميع الأصوات  المعارضة واستطاع قيادة الألمان والعالم الى الكارثة التي سميت الحرب العالمية الثانية ، وهذا ما لا أعتقد أن  المجتمع الامريكي المتعدد الثقافات والمتمتع بحريات واسعة ومؤسسة قضائية قوية ومستقلة  سيسمح  بحصوله بالتأكيد.

لقد كان درس النازية وهتلر مؤلما لدرجة أنه من الصعب ان تسمح البشرية بتكراره مرة ثانية، لذلك من المتوقع ان نشهد تعاوناً وثيقاً بين دعاة الحرية والتسامح ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية حول العالم وبين السياسيين الغربيين المدركين لخطورة تنامي الافكار العنصرية وبث الكراهية ضد بشر محددين  بسبب  انتماءات عرقية أو دينية  لم يختاروها بانفسهم  بل ولدوا ووجدوا انفسهم ينتمون اليها . 

إن تنامي التطرف والعنصرية  في العالم سيخلق تحديا خطيراً جديدا امام الحضارة الانسانية لابد من تضافر جهود جميع الخييرين في العالم على اختلاف اعراقهم واديانهم لمواجهته، ففي الوقت الذي على جميع العرب والمسلمين ان ينبذوا ودون تردد الافكار الدينية المتطرفة الداعية الى كراهية الآخر المختلف وتكفيره وايذاءه والمتمثلة بداعش والقاعدة وجميع الاحزاب والتنظيمات الشبيهة التي لا تقبل علناً ودون مواربة بتعددية مجتمعاتهم الدينية والعرقية وتعلن عن قبولها بتساوي جميع مواطني دولها أمام القوانين والدساتير التي تحكم حياتهم دون ادنى تمييز على اساس ديني او طائفي او عرقي ، فإن على الشعوب الغربية وقادة الرأي وصناع القرار  سواءً في اوربا او امريكا الشمالية أن ترفض اي ممارسات من قبل متطرفيها أو حكوماتها تهدف الى التمييز بين البشر على اسس دينية او عرقية او مناطقية . 

قد تكون الظاهرة الترامبية هي جرس الأنذار الأقوى حتى الآن  الذي من الواجب على عقلاء العالم عدم تجاهله والبدء بعمل جدي  على مستوى دولي لمكافحة التطرف بكل اشكاله ومحاولة دراسة هذه الظواهر وايجاد الحلول المناسبة الكفيلة بعدم تفاقمها. 





Tags: سلايد