Archived: فواز تللو: سوريا إلى أين؟

فواز تللو: كلنا شركاء

سأضيئ على النقاط الرئيسية لما يجري ودوافعها وإمكانيتها دون الدخول في التحليل الطويل حيث لا يسمح الحيز المحدود:

هناك محوران فيما يتعلق بسوريا لابد من تحديدهما، الأول محور داعم للنظام الأسدي العلوي، ويتمثل هؤلاء بأسياده الروسي والإيراني الذين يتحركون باستراتيجية “سياسية عسكرية دبلوماسية إعلامية” واحدة يتوافق معهم فيها ضمناً وأحيانا بالاتفاق المباشر “غير المعلن” ضمن هذا المحور داعمي النظام غير المباشرين ممثلين بالأمريكي ومن خلفه الإسرائيلي بينما يقف الأوروبي تابعاً متخبطاً أمام قضيته الرئيسية “تسونامي اللاجئين”، كما يتراكض بعض العرب في نفس هذا المحور كل لأسبابه الداخلية، كما يقف في هذا المحور وعلى الهامش الميليشيات الكردية السورية الانفصالية متعددة الأسياد “الأسدي الإيراني الروسي الأمريكي”، والتابعة عمليا لحزب العمال الكردي المصنف إرهابياً مع أن من صنفوه كذلك يفضلون التعامل معه على التعامل مع تركيا التي تقاتله.

المحور الثاني المقابل الداعم للثورة السورية ويتمثل بالمحور “السعودي التركي القطري” الذي تقف فيه عملياً المعارضة العسكرية بتلويناتها ومسمياتها المختلفة “جيش حر معتدل وإسلامية”، وتقف فيه ضمناً (ومرحلياً) ودون تنسيق مباشر جبهة النصرة.

يستفيد تنظيم داعش من التناقضات بين هذين المحورين مدركاً حاجة المحور الأول “الذرائعية” لوجوده مرحلياً في تواطؤ ضمني تلتقي فيه مصالح الطرفين “المرحلية” دون تنسيق مباشر بينهما، مع إدراك داعش لأهميته ودوره “كمسمار جحا” لهذا المحور والاستخدام “الذرائعي” له في هذا الإطار كبعبع من أجل إعادة تأهيل النظام العلوي أي سيطرة الأقلية العلوية على الدولة السورية خاصة ومؤسساته الأمنية العسكرية كشريك أساسي في محاربة “مسمار جحا” المحور الأول متمثلاً  “بالإرهاب”.

يمثل الرحيل المعلن لـبشار أسد “مسمار جحا” ورأس جبل الجليد التي يقول به المحور الثاني “السعودي التركي القطري” للتخلص من كامل النظام الأسدي، مدركاً أن المحور الأول يتمسك به ولو لفترة كل لأسبابه، فالأمريكي يخشى من انهيار النظام الطائفي العلوي إن ضغط سياسياً على الرأس باعتباره النظام الأسدي هرماً مقلوباً، كما يتمسك به الإيراني والروسي لاعتباره “شخصيا” من أعطاهم امتياز احتلال سوريا وكان وسيكون الضامن الأساسي لشرعية وترسيخ وجودهم المباشر عسكرياً وسياسياً في سوريا في المرحلة القادمة إن استطاعوا تمرير حلهم السياسي.

بالإضافة إلى شرط رحيل بشار أسد “عسكرياً او سياسياً”، أضاف السعودي في اجتماع فيينا الثاني شرطا “بسيطا” تمثل بضرورة رحيل ما سماه “قوات الاحتلال الإيراني وباقي المحتلين” في إشارة للروس، فاستبدال بشار أسد بآخر مع بقاء الإيرانيين والروس سيعني انتصار مشروع الهيمنة الإيرانية على المنطقة، وهو المشكلة الأساس للمحور الثاني.

نستنتج أن لا توافق ولو بالحد الأدنى بين المحورين في فيينا وما صدر لا يعدو وثيقة عامة تتحاشى نقاط الخلاف ومن هنا فإن ما سيجري عملياً ليس إيجاد حل في سوريا بل استخدام مخرجات ما يجري لتسعير الحرب وشرعنتها من قبل المحور الأول على الثورة السورية بالتركيز على مسمار جحاهم “الإرهاب” وشيطنة المعارضة مسلحة العسكرية المعترضة وتصنيفها كإرهابية، وتصنيف من يدعمها من المحور الثاني بداعم للإرهاب.

عادة لا يمكن الخروج من استعصاء سياسي مشابه بهذا الحجم دون حرب تحدد نتائجها شروط التفاوض النهائي، لذلك وبينما يستمر العمل على حل سياسي مستحيل، تجري على الأرض محاولة رسم ملامحه  بانفلات عسكري غير مسبوق لآلة القتل والتدمير الروسية الإيرانية الأسدية.

“الوحش الروسي” الهائج (يسمونه دبا) حقق نصرا باحتلاله الأجواء السورية وسبق المحور الثاني “التركي السعودي القطري” الذي انساق وراء مماطلات الأمريكي لتعطيل قيام منطقة آمنة لقتال داعش في الشمال كان الهدف توسيعها تدريجياً، وبات أي صدام اليوم يعني مواجهة مباشرة مع هذا الوحش الروسي المافيوي الهائج ويتطلب الأمر خطوة جريئة تركية بدعم سعودي، خطوة ممكنة لأن ينظر للكانتون الكردي كأمن قومي مصيري ساعياً لبعض الدعم من الناتو الذي بات جلياً خذلانه المتعمد للتركي.

سوريا (وهذا قدر مع الأسف بحجم تأثيرها الزلزالي المتوقع) باتت ساحة الصراع الإقليمي والعالمي الرئيسية من يربحها يربح كل شيء، ولأن مخرجات فيينا إن طُبقت سترسخ الوجود الإيراني الروسي بما يعني عملياً انتصاراً استراتيجياً للمشروع الإيراني الصفوي الطائفي الفارسي منذراً بنهاية أنظمة الخليج خاصة وتفكيك تركيا، وأمام صعوبة دخول المحور الثاني بمواجهة مباشرة مع الوحش الروسي في سوريا، لن يبقى أمامه إلا تسليح المعارضة السورية بكل تلويناتها (باستثناء داعش والنصرة) لهزيمة الإيراني والروسي  والنظام الأسدي استلحاقاً، لكن هذا التسليح يتطلب التمرد على الفيتو الأمريكي ومنطق الأمور يقول أنهم سيتمردون فالأمر مصيري بالنسبة للمحور الثاني وانتصار المشروع الإيراني يعني لهم خطراً وجودياً.

ما يجري اليوم عسكرياً هو الانتقال للخطة ب في حال فشل المحاولة الأخيرة “الحل السياسي في فيينا” لتنفيذ الخطة أ المتمثلة بالحفاظ على سيطرة العلويين على سوريا، فتدخل الروس لرسم حدود التقسيم على الأرض مع الإيراني بموافقة أمريكية، حل يحلمون به على الطريقة البوسنية بسوريا الفيدرالية الموحدة نظرياً المقسمة عملياً حسب الأمر الواقع عسكرياً على الأرض.

الكانتون العلوي المسيحي الساحلي مع دمشق والقلمون (إن استطاعوا الاحتفاظ بدمشق)، والكردي الشمالي، ستسعى للاستيلاء على كل الموارد الطبيعية والزراعية والمياه والنفط وسد الفرات لحصر السنة داخليا بلا موارد ولا منافذ بحرية منشغلين بقتال داعش، بالإضافة لكانتون درزي لم يطلبه الدروز الذين كانوا الأقلية الوحيدة التي لم تندفع خلف هذا المخطط التقسيمي وكانوا (إلى جانب الإسماعيليين) الأصدقً بين الأقليات في الوقوف على الحياد وعدم مواجهة الثورة واستعدادهم للعيش في سوريا قوية موحدة غير فيدرالية بغض النظر عن من يحكمها إن كانت ديموقراطية مدنية.

السؤال وماذا سيحصل: لن أناقش الحل السياسي المطروح فقد بينت أنه “طبخة بحص”  تمثل مؤامرة على الثورة للمحور الأول ومناورة سياسية اضطراريةً للمحور الثاني، ولنتذكر أنه بعد خمس سنوات لم تستطع قوة في الأرض الإبقاء على سيطرة العلويين الذين باتوا كراكوزات للروسي والإيراني بعد أن كانت دورية مخابرات منهم “بتسكر بلد”، ولن تستطيع بالتالي قوة في العالم تنفيذ سيناريو التقسيم السابق لكن الثمن الذي سيدفعه كل السوريين من كل الأطراف سيكون في كل الأحوال باهظاً جداً.

السيناريو الأول “المنطقي” الذي أرجحه بشدة، سيقوم المحور الثاني حتى لا يشهد نهايته على يد التحالف الأمريكي الإيراني الروسي، سيقوم بتقديم السلاح للثوار كماً ونوعاً (مضادات دروع وطائرات وصواريخ لقصف المطارات وذخيرة كافية) لاستنزاف الروس والإيرانيين الذين سيدخل عشرات الآلاف من حرسهم الثوري المعركة بشكل مباشر وسط صمت الرضى الدولي المتآمر، تسليح الثوار سيؤدي بعد فترة لن تطول إلى هزيمة عسكرية محققة للنظام وحلفائه وانهيار للجبهات (ليأتي دور الكانتون الكردي بعده)، وهذا الانهيار العسكري وهو ما قد يجبر الأمريكي على التحرك الجدي قبل الانهيار الكامل (وهو أمر وارد وعاقبته وخيمة على كل العلويين)، لكن هذا التحرك ممكناً فقط إن جاء انهيار جبهات النظام بعد مغادرة أوباما للبيت الأبيض (إلى مزبلة التاريخ) عام 2017 فالأمريكي سيغير سياسته عند الانهيار ويوجه رسائل قوية للروسي والإيراني المستنزفين لتأمين خروج إجباري “غير مشرف” غالباً لهما من سوريا، وتوجيه رسائله للعلويين بعكس تطمينات اوباما والغرب لهم التي شجعتهم على المضي في جرائمهم، بأن عليهم القبول بتسليم السلطة  والمشاركة بها بقدر حجمهم السكاني لبناء سوريا جديدة غير فيدرالية مدنية ديموقراطية بجيش وأمن ومؤسسات جديدة، كما سيضطر الأمريكي لقتل أو إخراج بشار أسد وكبار حاشيته رغماً عنهم من سوريا، وبعدها فقط يمكن بدء الحديث عن تفاوض وحل سياسي قابل للتطبيق يحفظ وجود العلويين في سوريا بعد أن يتم تقديم المئات وربما الآلاف منهم للعدالة ونزع احتلالهم للدولة السورية ومؤسساتها.

السيناريو الأخر هو تلكؤ المحور الثاني في تقديم السلاح للثوار وعندها ستطول فترة الصراع، سيُستنزف الروسي والإيراني وكذلك المدنيين السوريين في المناطق المحررة، والأقليات المؤيدة للنظام ستبدأ معاناتها الكبيرة وهجرة بلا عودة، الأوروبيين سيدفعون ثمن خضوعهم للأمريكي بمليون أو اثنين من اللاجئين السوريين الإضافيين، لبنان بمعادلته السياسية الهشة سينفجر والسنة سيتمردون، الأردن سينهار، المسلمون الغاضبون سينقلون معاركهم لروسيا ومناطق الشعوب التي تحتلها، وسيدفع الغرب الثمن إرهاباً يقلق سكينته السياسية واقتصاده لعقود، ، وأنظمة المنطقة من المحيط إلى الخليج ستبدأ بالترنح أمام تغول الوحش الإيراني وضغط الغاضبين الذين سيسمونهم “إرهابيين”، وستولد داعش بنسخ جديدة، أما في سوريا فسيتحول كثير من القوى العسكرية إلى غاضبين بأسماء مختلفة، سيسمونهم “إرهابيين” مع أنهم لن يبايعوا تنظيم القاعدة ولا الظواهري ولا داعش ولن يكونوا مهتمين بشكل الدولة القادمة بقدر اهتمامهم “بتنظيفها من الروسي والإيراني ومؤيدي النظام”، سينجحون في ذلك وسينتهي النظام وتسقط الكانتونات ويهاجر سكانها من الأقليات ولن يستطيع أحد التأثير على ما يجري يومها ليُترك للزمن معالجة الفوضى لفترة في سوريا والمنطقة قبل ولادة سوريا الجديدة.

في النهاية ستولد سوريا الجديدة وتتبعها كل المنطقة في ولادة بدأت قبل قرن من الزمان تدخل فيها الجراح الغربي المتوحش بألف طريقة وهو يستذكر حروبه الخاسرة مع الشرق منذ أربعة عشر قرناً مما جعلها ولادة عسيرة مكلفة للجميع كأي ولادة لأمة وحضارة جديدة في التاريخ، وما تاريخ الجار الأوروبي الدامي ببعيد.

فواز تللو – سياسي وكاتب سوري

برلين – ألمانيا  4/12/2015





Tags: مميز