on
Archived: هل نحن أقرب إلى حل سياسي حقيقي في سورية اليوم ؟
نشمي عربي: كلنا شركاء
لتوخي الإجابة المنطقية على هذا التساؤل لابد من قراءة عميقة وحصيفة لجملة من المواقف الدولية التي لايمكن إهمالها أو التغاضي عما تحمله من دلالات بعضها علني مباشر، والبعض الآخر موارب ويحتمل عدة تأويلات، والبعض الآخر ذو دلالات مستترة ولكنها لن تخفى عن عين القاريء الذكي للأحداث.
إصرار بوتين ولافروف (تحت يافطة الشعب السوري فقط يقرر من يحكمه) هو إصرار علني واضح على أن النظام بتركيبته الحالية لايزال الخيار الأول للروس، مع إحتمال طفيف بإحداث تغييرات طفيفة في هذا الموقف بمايتناسب طرداً مع قدرة الروس على تحقيق الأهداف السياسية لعمليتهم العسكرية في سوريا.
( طبعاً هذا يتم بالإيحاءات والإيماءات ودون أية ضمانات أو إلتزامات من طرف الروس).
إصرار بشار الأسد ( حتى عندما يتم حشره بالزاوية ربما من طرف الروس بغرض إعطاء ولو إشارات إيجابية للأطراف الدولية ) على أن الأولوية هي لهزيمة الإرهاب أولاً، ثم فقط بعد ذلك يمكن التفكير في عملية سياسية ( النظام لم يستخدم ولو مرة واحدة تعبير تغيير سياسي أو عملية إنتقال سياسي )، كل هذا يدل على أن النظام لايزال يسعى لبسط سياسة الأمر الواقع مستبشراً بما تقدمه العملية العسكرية الروسبة من دعم لوجيستي وعملياتي لقواته.
إصرار الأمريكان على أن هدفهم الرئيسي لايزال يتمحور حول محاربة داعش، في سوريا ، أو في العراق، في الوقت الذي يستمتعون فيه برؤية الدب الروسي يغرق أكثر وأكثر في المستنقع السوري ، يدل على أنهم ليسوا في عجلة من أمرهم للدفع باتجاه حل سياسي حقيقي في سورية، أو أنهم لايملكون روافع عملية لهذا الحل المرتجى، أو ببساطة لا يَرَوْن أنفسهم مضطرين للقيام بذلك ، على الأقل ليس حالاً.
السعوديون والقطريون والأتراك ، ومن وراءهم القطاعات الأكبر من الشعب السوري لايزالون يؤكدون ( على الأقل علناً ) أنهم لا يمكن أن يقبلوا بأي دور للأسد في أية عملية تغيير سياسي حقيقي في سورية، أو على الأقل لايقبلون به كنتيجة تفرضها عملية تغيير سياسي ربما يضطرون للمساعدة على إطلاقها بالقبول بالأسد كشريك مرحلي في مرحلة إنتقالية مبهمة، غير متفق عليها، لايزال النظام يرفضها والروس يناورون حولها دون إعطاء أية ضمانات بشأنها.
في الطرف الآخر فمجموعة الدول الداعمة للنظام لم تتوانى لحظة واحدة عن تكثيف كل أشكال دعمها العسكري والبشري والإقتصادي والدبلوماسي للنظام، مع دخول أعضاء جدد في هذا النادي، نادي داعمي النظام، ومامقاذيف الذخائر التي يقصف بها الشعب السوري والتي تم عرضها على شاشات الفضائيات وعليها شعار ( هيئة التصنيع العربية ) إلا بتأكيد واضح وصريح على دخول مصر وبقوة نادي داعمي النظام السوري، بما يؤكد أن تصريحات سامح شكري في القاهرة منذ أيام حول تطابق وجهات النظر مع السعودية بعد لقائه الوزير الجبير هي حفظ ماء وجه دبلوماسي لايستطيع أن يغطي على تناقض صارخ في المواقف بين البلدين على الأقل في الملف السوري.
ماذا إذاً هو كل هذا الضجيج والحراك الدبلوماسي المتواصل من موسكو إلى مسقط إلى باريس وفيينا ؟
أنا أرى أن مجموع هذا الحراك لايمكن الحكم عليه من منظار واحد بسبب التفاوت الواضح في الغايات والأهداف والأهم المقدرات على تحقيقها عند كل الأطراف المختلفة المعنية.
بالنسبة للطرف الفاعل الأول على الأرض السورية ( اليوم ) وهو الروس، فإن المعادلة التي ذكرتها في مقالة سابقة لاتزال قائمة، وهي الدفع باتجاه تثبيت النظام بما يضمن مصالح روسيا في سوريا، وبقاء روسيا كمرجع وحيد ومتحكم بمآلات الوضع السوري، ومحج لدبلوماسيي وسياسي المنطقة والعالم ، على أمل إحداث تغيير في الموقف الروسي ( مكانةً استحلاها القيصر وافتقدتها روسيا لسنين ولن يفرط بها طواعيةً ) وبانتظار أن تحقق هذه الحملة أهدافها على الأرض فلاضير من الإنخراط في عملية سياسية مبهمة ، غير واضحة المعالم، لا تحمل أية ضمانة أو إلتزام من قبل الروس، وبنفس الوقت تعطيهم حيزاً للمناورة في حال فشل العملية العسكرية في تحقيق أهدافها على الأرض، ضمن الإطار المعقول الذي يسمح به الإقتصاد الروسي المنهك والروبل المتهاوي أصلاً.
أما بالنسبة للإيرانيين فهم يتحلون بواقعية وبراغماتية تثير الإعجاب، هم يعلمون أن النفوذ الروسي المتصاعد في سوريا نتيجة العملية العسكرية كان وسيبقى على حسب نفوذهم الذي لم يعد مطلقاً في سوريا، وبانتظار أن يصل الروس إلى المرحلة التي سيقتنعون فيها أنهم بحاجة لقوات برية تستطيع أن تحصد ثمار قصفهم الجوي المركز وتثبت مواقع النظام وأنصاره على الأرض، وهم يعلمون ( الإيرانيين ) أن القوات النظامية المنهكة للنظام ليس باستطاعتها مليء هذا الفراغ على الأرض، ( خاصةً أن مستشاري الحرس الثوري في سوريا ساهموا بشكل هدام جداً في تقويض البنية التحتية للجيش السوري النظامي وتغليب كفة الميليشات الطائفية على حساب هذا الجيش ) فعندها تأتي فرصتهم ( الإيرانيين ) في إستعادة ما يمكن إستعادته من نفوذ أفقدتهم إياه العملية العسكرية الروسية في سوريا، وإلى أن يتحقق ذلك فما يضيرهم قبول دعوة ( مجانية ) من العم الطيب أوباما لدخول نادي أصحاب النوايا الطيبة ؟
( the good guys club )
أليس هذا أصلاً أحد أهداف الإتفاق النووي مع أمريكا؟
السعوديون والقطريون والأتراك تعودوا على خيبات الأمل من الحليف الأمريكي ، ويعلمون اليوم أن الواقعية السياسية تفرض عليهم الإقتناع بأن جل ما يمكن أن يتمنوه من الحليف الأمريكي ( اليوم ) لن يتجاوز بأي حال رفع القيود والتحفظات الأمريكية عن دعم سعودي قطري تركي لسلاح نوعي ( معين ) لفصائل سورية معارضة ( معينة ) ولفترة ( معينة ).
هذا الدعم يجب أن يكون كافياً لحرمان الروس من تحقيق هدفهم السياسي في سورية من عمليتهم العسكرية هناك، جر الروس إلى المستنقع السوري أكثر وأكثر ، ولكن لن يسمح لهذا الدعم بأن يكون قادراً على إحداث تغيير نوعي في موازين القوى ، على الأقل حالياً ( not a game changer ).
بانتظار تطور هذا الموقف الأمريكي فليس أمام نادي داعمي الثورة السورية إلا أن يشاركوا وبفاعلية في هذا الحراك الدبلوماسي ، ولكن دون رفع سقف التوقعات منه.
نادي داعمي ثورة الشعب السوري يجب أن لا يسمح لهذا الحراك السياسي والدبلوماسي المتواصل أن يكون أو يتحول لعملية خداع دولي منظمة ومتسارعة غايتها إقناع السعودية وقطر وتركيا بأن الحل السياسي ممكن ولاجدوى من تكثيف الدعم العسكري لفصائل المعارضة السورية ، وبالعكس تماماً فإن الإصرار على الحل السياسي للأزمة السورية لن يكون إلا بتكثيف هذا الدعم لخلق الأرضية الفعلية والحقيقية لأي عملية سياسية حقيقية في سوريا، وأن أي إخلال بالبوصلة عند هذه الدول سوف يحول هذه الحملة السياسية والدبلوماسية المتسارعة إلى عملية غش وتدليس كبرى ( big bluffing game ) غايتها الوحيدة إقناع السعودية وقطر وتركيا بوقف الدعم النوعي عن فصائل المعارضة السورية.
عملية التغيير السياسي الحقيقي في سوريا هي الغاية القصوى لكل الشعب السوري بكل أطيافه، ولكن الواقعية السياسية تفرض علينا أن نقتنع بأنها لن تكون منةً ، ولا مكرمةً ، ( ولا شرهةً ) تحاك خلف الأبواب المغلقة في فييننا أو باريس ، وحتماً لن تبدأ ولن تنتهي في مسقط. نعم مسقط بإرثها التفاوضي الذي لا يزال طعمه على ألسنتنا ……
مايثير الريبة أكثر في هذه العملية السياسية المتسارعة هو إصرار بعض الأطراف الدولية على أن تكون دول محددة بعينها طرفاً في هذه العملية، مثل إيران ومصر وعمان ، وهي دول يجمعها قاسم مشترك هو إما وقوفها العلني مع النظام أو توجسها الخفي من قوى المعارضة.
التجارب السياسية علمتنا أن التسويات السياسية الكبرى بحاجة إلى لاعبين كبار …. فهل نرى في أغلب الأطراف المعنية ( أو المحشورة ) في الشأن السوري لاعبين كبار ؟
مارأيكم أن نبدأ بأوباما وإدارته ؟
Tags: مميز