د. حبيب حداد: الخطوة الأولى المنتظرة نحو وضع حد للمحنة السورية

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

اكثر من ست سنوات انقضت حتى الآن على الانتفاضة الشعبية السورية من اجل طَي  صفحة نظام الاستبداد والقهر والفساد  ، والإنتقال الى الحياة الديمقراطية الطبيعية شأن بقية شعوب العالم المتحضرة . وكان ما ميز هذه الانتفاضة عن غيرها من الانتفاضات  ،التي جاءت في سياق ماسمي بالربيع العربي ، هو نوعية وشراسة التحديات التي واجهتها على كافة الأصعدة الذاتية والمحلية والإقليمية والدولية . هذا الواقع الذي تعيشه سورية الْيَوْمَ ، واقع المأساة الوجودية جعل ابناءها ، وكذلك جميع المراقبين والسياسيين الذين تعنيهم القضية الوطنية السورية ،يتساءلون دوما عن الأسباب التي أدت الى ان تكون حصيلة تضحيات الشعب السوري ،التي لم يقدمها اي شعب آخر طوال نصف القرن الماضي ، من اجل الحرية والكرامة والعدالة على هذه الحال التي نحن عليها الْيَوْمَ والتي لم تكن متوقعة بالنسبة حتى لأكثر المتشائمين ؟ .

فلقد انتفض الشعب السوري قبل ست سنوات من اجل بناء مستقبل أفضل لأجيال الحاضر والغد ومواكبة مسار العصر ، انتفض هذا الشعب ليستعيد امتلاك ارادته الحرة ودوره التاريخي الحضاري الإنساني ، الذي عرف به منذ آلاف السنين . كانت تطلعات الشعب السوري إذن ان يتجاوز واقع التخلف والفوات التاريخي الذي كان ضحيته طوال العقود الماضية بسبب تعطل تطور المجتمع السوري الطبيعي نتيجة تعاقب الأنظمة الشمولية ،تلك الأوضاع التي أدت الى الإخفاق في بناء دولة المواطنة المتساوية . واليوم اذ نستعيد نحن السوريين حصيلة هذه السنوات الست الماضية فإننا لا بد  ، بوعينا العقلاني وبحسنا الوطني العفوي  ، ان ندرك فداحة المأساة التي تحيق بوطننا حيث أضحى تقرير مصيره مسألة محورية في الوضع الإقليمي المضطرب والعدد بكل الاحتمالات الكارثية ، كما اضحى محكوما بنتاىج  صراع الاستراتيجيات الدولية في هذه المنطقة من العالم . 

كانت الانتفاضة تعبيرا عن إرادة شعبنا في التحرر والتقدم ومواكبة مسار العصر فانتهى الامر بمجتمعنا بعد هذه السنوات ان يواجه تحدي البقاء والوجود بعد ان أجهض حراكه الشعبي السلمي منذ أشهره الاولى نتيجة عسكرة هذا الحراك وتطييفه وتدويله    ، وتحوله الى حرب أهلية مذهبية طاحنة بأبعادها الإقليمية والدولية ، التي جعلت من بلادنا ساحة مستباحة لكل التدخلات الدولية ولكل المجموعات الطائفية والإرهابية التي جاءت من كل حدب وصوب  والتي لا علاقة لها من قريب او بعيد بقيم شعبنا  واهدافه ولا بالمبادىء والقيم الانسانية المشتركة ،وكانت الحصيلة التراجيدية لهذا الصراع ان سورية الْيَوْمَ تواجه امتحان المصير ، اي ان تكون او لا تكون ، ان تتمزق وتندثر ،او ان تستعيد ذاتها ووحدتها الوطنية  المتينة وهويتها الوطنية الجامعة ، فيما اذا توفرت لها المبادرة الوطنية التي طال انتظارها والتي نضجت الى حد كبير ظروفها وضرورتها ، المبادرة التي تعبر عن إرادة الشعب السوري المغيب وترفع صوته في خضم دوامةالجهود الدولية والإقليمية التي  تتدافع في مابينهما ووفق مصالحها لتقرير مستقبل بلادنا  .

فهل نكتفي نحن السوريين الْيَوْمَ وبعد هذه السنوات العجاف والمريرة ،  بان يقتصر موقفنا على تحديد مسؤولية كل طرف من الأطراف التي عملت  على اغتيال إرادة الشعب السوري والوصول الى المأساة التي يعيشها الآن ، وكفى الله المؤمنين بعدها شر القتال ، حيث لم يبق بعد ذلك أمامنا الا ان ننتظر توافقات المجتمع الدولي بشأن تقرير مصير بلادنا ؟ هل نكتفي  مثلا بتحديد مسؤولية النظام الذي واجه منذ البداية مطالب الشعب السلمية بأسلوب القمع الأمني الوحشي ؟ وهل نكتفي بالحديث عن العوامل الذاتية التي لم تتوفر لتلك الانتفاضة الشعبية عند انطلاقتها ، ونعني بذلك على وجه الخصوص فقدان هذه الانتفاضة وحدة الرؤية وبرنامج الانتقال والقيادة الواعية المجربة ؟ وهل نكتفي بالحديث عن دور الدول الإقليمية والخارجية في تكوين وتصدير

المجموعات المسلحة الإرهابية وإمدادها بكل الامكانات اللوجيستية والمالية ، سواء منها تلك المجموعات التي وقفت الى جانب النظام  ،او تلك التي  مثلت البديل الأسوأ له وحاربته تحت واجهات او اسماء مختلفة لا تمت الى الحقايق بصلة ،لانها تتناقض بخطابها وكل أفعالها وممارساتها الوحشية اللا إنسانية على ارض الواقع مع تاريخنا وقيمنا ومستقبل اجيالنا ؟ وأخيرا وليس آخرا وهذا ما يعنينا بصورة أساسية فهل نكتفي بالحديث عن الدور السلبي الخطير الذي لعبته تشكيلات المعارضة الخارجية التي انحرفت عن مسار المشروع الوطني الديمقراطي وتسابقت مع النظام في تجاوز كل الخطوط الحمر عندما أضحت أدوات طيعة في خدمة سياسات الدول الإقليمية التي تسيرها ، وارتكبت في مواقفها وممارساتها أبشع الخطايا فلم تتورع في عدائها للنظام  عن تأييد كل عدوان على الوطن ومؤسسات الدولة وبناها التحتية حتى ولو كانت اسرائيل وراءه  ، وقد فعلت ذلك مرارا ،وما موقفها الأخير المخزي والشاين في تأييدها للعدوان المجرم الذي شنته ادارة ترامب على مطار الشعيرات الا أوضح دليل على مدى انحراف هذه المجموعات عن الخط الوطني ومدى استهتارها بمصالح شعبنا الحيوية الذي استمرت طوال السنوات الماضية تدعي لنفسها شرعية تمثيله والنطق باسمه ؟

هكذا إذن تشاء الظروف ويحكم مكر التاريخ أن يقف  شعبنا في هذه المرحلة  أمام مفترق طرق  ، شعبنا الذي لا بد انه استوعب جيدا دروس السنوات الماضية وأدرك أسباب شراسة وفادحة تلك التحديات والخطوب التي لم يواجهها اي من شعوب المنطقة الأخرى ، كما ادرك مدى وبواعث الحقد الدفين الذي يوجه مواقف الدول الإقليمية التي تستخدم المنظمات الإرهابية للإمعان في تدمير سورية وانهاء دورها التاريخي كقاعدة للتحرر والتقدم والنهضة وما كان يمثله هذا الدور بالنسبة لتلك الانظمة المتخلفة التي ماتزال تحكمها أنظمة ماقبل القرون الوسطى . فلقد كانت مهمة تلك الانظمة  على الدوام ان تكون أدوات منفذة في استراتيجيات الدول المعادية لنهضة مجتمعاتنا العربية والتي استهدفت قواعدها الأساسية الثلاث : سورية ومصر والعراق .

هل من إمكانية بعد امام بلادنا ، وامام المنطقة ، من تجاوز هذا المأزق الوجودي ؟ الم يتأكد للجميع ان عملية المحادثات التي تتابعت حلقاتها في جنيف والآستانة لم تضع حتى الآن الخطوة  العملية الأولى في مسار حل الأزمة السورية ؟  وان هذه المحادثات  بالمنهج الذي سارت فيه وطبيعة الوفود المشاركة كأطراف سورية  ،لم تكن حتى الآن اكثر من تحركات بدون جدوى  ، اما لاملاء الفراغ ،او للتدليل على استمرار  الجهود لادارة الأزمة لا حلها . أو  أنها كما نعتقد كانت نوعا من الحراك المطلوب ،وغير مضمون النتايج ، بانتظار توصل الدولتين اللتين تملكان امكانية تنفيذ هذا الحل الى التوافق على صيغة ما له ، والذي سيأتي من وجهة نظرنا ضمن مروحة من التوافقات التي تشمل مجمل المشاكل العالقة بين هاتين الدولتين . هل يمكن من خلال هذا الوضع ، الذي تعيشه سورية الْيَوْمَ والمنطقة كلها ، ان يتمكن الشعب السوري من التعبير عن ارادته في الحلول الدولية التي قد تطرح بشأن حاضره ومستقبله . اننا نؤمن ايمانا جازما بان هذا الأمر ممكن بالتأكيد وهو يتمثل بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القوى الوطنية الديمقراطية الحقيقية المستهدفة والمغيبة حتى الآن . ان الخلل الأكبر في مسار الحل السياسي الوطني للمسالة السورية وفق قرارات الشرعية الدولية يرجع  من وجهة نظرنا الى تجاوز القاعدة الأساس التي ينبغي ان يستند اليها هذا الحل ، عندما تم تغييب إرادة الشعب السوري وتجاهل مطالبه الحقيقية ، ذلك انه قد اصبح واضحا لكل من يملك الحد الأدنى من الوعي ومن تعز عليه القضية الوطنية ان استمرار تشكيلات المعارضة الخارجية الحالية بمن فيها ممثلو المجموعات المسلحة على الارض  ، في الدور الذي تقوم  به ، يمكن ان يعني الا المزيد من ضياع الوقت وتدمير ما تبقى من مقومات وطننا ووجودنا كشعب ودولة موحدة . وان الخطوة الاولى ، كما نادينا منذ سنوات ،التي يمكن ان تضع حدا للمحنة السورية وان ترسي الخطوة الاولى في طريق حلها بما يجسد تطلعات الشعب السوري ، ولو مرحليا ، تتمثل في الدعوة الى مؤتمر وطني سوري حقيقي يجمع كل مكونات الشعب السوري  تحت إشراف الامم المتحدة وذلك بعد توافق الدولتين الفاعلتين في الأزمة على المشروع الأولي لصيغة هذا الحل وهما روسيا والولايات المتحدة . ذلك ان هذا المؤتمر يمكن ان يشكل نقطة الانطلاق في عملية التحول والتغيير الديمقراطي واقرار برنامج المرحلة الانتقالية  وصلاحية مؤسساتها وفق قرارات الشرعية الدولية المعنية بذلك . 

من وجهة نظرنا نعتقد ان هذه هي المهمة المركزية التي ينبغي ان تتمحور حولها مواقف كل أطراف التيار الوطني الديمقراطي بغية إنجازها الْيَوْمَ قبل الغد ، وانه في سبيل تحقيقها لا بد من تقديم كل الجهود والتضحيات الممكنة .





Tags: محرر