on
د. محمد أبو الفرج صادق: الأزمة السورية بين رسائل (توماهوك ترامب) وكيماوي النظام
د. محمد أبو الفرج صادق: كلنا شركاء
تتسارع الأحداث في المنطقة العربية عموماً وعلى الساحة السورية على وجه الخصوص، خاصة بعد مجزرة استهداف المدنيين بالكيماوي من قبل طائرة مقاتلة من طراز سوخوي 22 وحيث تبين بالوثائق أن من نفذ الطلعة الكيماوية هو الطيار العميد محمد يوسف الحاصوري، من مرتبات مطار الشعيرات بمنطقة “الفرقلس” بمحافظة حمص ويسكن في حمص، وهو من الطائفة العلوية.
ورغم مخادعة النظام السوري و وسائل إعلامه في فبركة الروايات والأقاويل التي لا تستند إلى أدنى منطق أو عقل، ويدحضها ما تملكه كل من الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وروسيا وإسرائيل من أقمار عسكرية ترصد كامل الأجواء والأراضي السورية، ولديها كامل الحقيقة التي ليس من مصلحة أي منهم أن يدين نفسه للسكوت والخذلان على مدار الست سنوات الماضية، رغم التدخل الروسي المشين إلى جانب القاتل بشار الأسد الذي استجمع كل الميليشيات والمرتزقة الطائفية “الشيعة” من إيران والعراق ولبنان واليمن أفغانستان وتشكيل ميليشيات علوية وشيعية سورية لتكون في الميادين لترتكب من المجازر ما تشاء، في الوقت الذي لم تشهد الميادين السورية غرفة عمليات عسكرية للنظام تدير كما حال الجيوش المعارك، أو تصدر إيجازات صحفية عن سير المعارك، فكان زعماء العصابات كلٌ ينفذ ما يشاء دون الرجوع إلى أي مرجعيات أو غرف عمليات كما هو معروف بالعلم العسكري والاستراتيجيات التي تتبعها الجيوش.
منذ الأيام الأولى لدخول الإيرانيين إلى سوريا من خلال مشاركة الحرس الثوري الإيراني والمرتزقة والمحكومين والمجرمين من الجنسية الأفغانية في السجون الإيرانية إلى جانب الأسد كانت اليد العليا في الميادين وإدارة الهجمات للإيرانيين دون الرجوع إلى أي مرجعيات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ميليشيات حزب الله، وحتى مجيء الروس بحضورهم العسكري واستخدامهم أحدث ترسانة فتاكة و وقوفهم إلى جانب بشار الأسد في مواجهة شعبه، وإعلانهم زوراً وبهتاناً أنهم يحاربون الإرهاب في الوقت الذي لم تسجل الوقائع أي هجمات للروس على المناطق التي يستولي عليها الدواعش أو النصرة وكان اكثر الطلعات الجوية التي نفذتها الطائرات الروسية هي على الأهداف والتجمعات المدنية لمجرد انها من المدن التي خرجت عن طوع منظومة الأسد وعصاباته، فكان استهدافهم للمستشفيات والمدراس والمجمعات السكنية الأسواق التجارية بشكل يومي راح ضحاياه عشرا الآلاف من السوريين ولم يستهدف يوماً تجمعاً أو قافلة لداعش خلال عبورها من تدمر في طريق صحراوي مكشوف للأعمى وبطول طريق بري يتيم إلى الرقة يتجاوز 450 كيلو متر.
استغل الروس سنوات الضعف والهوان لإدارة الرئيس الأمريكي السباق أوباما وخذلان الإدارة الأمريكية وتقاعس الغرب عن الوقوف وقفة حازمة فيما عدا التصريحات الخجولة والفارغة، مما أغرى بوتين إلى المسارعة للتدخل وبقوة واستطاع منذ دخوله سورية في 30 سبتمبر 2015م إقامة قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية “مركز تزويد النظام بأتباعه من طائفته” وتعزيز تواجده في قاعدة طرطوس البحرية واستجلاب حاملة الطائرات اليتيمة التي يتعبرونها فخر ترسانة الروس وقام الروس باستخدام أكثر الأسلحة الفتاكة من الصواريخ العابرة والتي أطلقت من البحر الأسود وأخرى من قواع إيرانية علاوة على استخدامه لأحدث طائرات السوخوي والأسلحة المحرمة دولياً من النابالم والفوسفور الحارق إلى جانب توفير التغطية الأممية للنظام لاستخدامه السلاح الكيماوي في أغسطس عام 2014 في الغوطة الشرقية في ريف دمشق، والتوصل مع الأمريكان إلى نزع وتسليم ترسانة النظام السوري من المخزون الكيماوي الذي قدرته الوكالة الدولية لحظر الأسلحة الكيماوية بأنها الأكبر على مستوى العالم، واستغرقت عملية نزع السلاح الكيماوي أكثر من عام وشهرين، وخلال تلك الفترة لم يتوانى النظام عن استخدام الغازات المحرمة في استهداف المدنيين وكان أكثرها استخداماً هو غاز الكلور وبكميات كبيرة واستهدف معظم المدن والبلدان السورية ولم يتحرك العالم سوى بعض التصريحات الخجولة والتعبير عن القلق الإدانة والشجب ….والتي اعتبرها النظام الأسدي المجرم تصريحاً ,تخويلاً بمواصلة جرائمه بحق السوريين، حتى موعد انصراف إدارة اوباما، وانشغال أمريكا بالانتخابات الرئاسية.
استأثر النظام السوري بأكثر كم عرفه مجلس الأمن الدولي من التصويت بالفيتو من قبل الروس والصينين على اي مشروع لإدانة النظام السوري تم تداوله في المجلس منذ اندلاع الثورة السورية، ما مثل أكبر انتكاسة في تاريخ المجلس والذي اعتبره النظام والايرانيون تصريحاً أممياً لارتكاب المزيد من جرائم الإبادة الجماعية بحق السوريين، حيث توقف عداد تسجيل الضحايا عند 450 ألف ضحية قبل عام 2014م في حين تجاوز الرقم من واقع المتابعات اليومية للناشطين على الأرض والبيانات الكاملة للضحايا أكثر من 850 ألف ضحية ومثلها من المصابين إصابات بليغة “عاهات دائمة” وإصابات أخرى متفاوتة، علاوة على انعدام البنى التحتية للقطاع الصحي الذي واضب النظام السوري والروس الإيرانيين وميليشيات حزب الله على استهدافه والذي أدى إلى انتشار الأمراض الوبائية بشكل كبير في كل أنحاء المدن الثائرة في وجه النظام، في حين ركز النظام ومن خلال رأس الحربة ميليشيات حزب الله على خنق المدن السورية في أكثر من قطاع جغرافي وحصار أهلها وقطع المياه والغذاء وسبل الحياة كما وقع منذ اكثر من 3 سنوات في حصار منطقة حوض الزبداني ومدنه المترامية وتهجير أهله واستبدالهم بالشيعة من أنحاء سورية أو شيعة لبنانيين او عراقيين او أفغان وغيرهم في أكبر عملية تغيير ديموغرافي وقحة يعرفها التاريخ الحديث.
جاء تصريح مندوبة أمريكا في مجلس الأمن على أن اولوية أمريكا الخلاص من داعش أنه لا نية للإدارة الأمريكية لمواجهة الأسد وطبل النظام وزمر ونفذ هجوم الكيماوي على مدينة “خان شيخون” في محافظة إدلب “شمالي سورية” على أنها اختبار للإرادة الدولية وإدارة ترمب، ومحاولات الروس والنظام في إنكار علاقة اي منهما والتناقض في التصريحات الأولية حول الواقعة كان يدلل بما لا يدع مجال للشك بأن النظام السوري هو من قام بتنفيذ الهجوم الكيماوي، عندما صرح الروس لأول مرة أن طائراتهم لم تنفذ أي طلعة جوية في ذلك التوقيت، حتى عاود الروس في اختلاق الروايات والتصريحات، وكان ومنذ اللحظات الأولى وبناء على المعطيات المؤكدة الاستخباراتية والتقنية والتجسسية لدى الأمريكان أن النظام السوري هو من نفذ الهجوم، وطالب الأمريكان والبريطانيون والفرنسيون طلب جلسة عاجلة لمجلس الأمن لبحث الهجمة الكيماوية على مدينة “خان شيخون” الإدلبية، وما شهدته قاعة مجلس الأمن من مراوغات الروس وبعض الدول وامتناع آخرون، والحنق الذي أصاب إدارة ترمب والفرنسيون والبريطانيون الجدل الذي شهدته الجلسة، وعجر مجلس الأمن لطرح مسودة المشروع للتصويت والخلاف مع الروس حول بنود المسودة، بادر الرئيس الأمريكي إلى إعطاء الأوامر لقوات بلاده لتنفيذ ضربة جوية بصواريخ التوماهوك استهدفت مطار “الشعيرات” الذي انطلقت منه الطائرة المقاتلة “سوخوي 22” لتقصف الكيماوي والذي أدى إلى تحييد المطار ومكابرة النظام ومن خلفه الروس إلى الإعلان عن معاودة تأهيل المطار من خلال إقلاع طائرة مقاتلة من المطار بإخفاء الأضرار الحقيقية التي لحقت بالمطار والطائرات الجاثمة في الحضائر والمرافق الخاصة بالمطار في إطار مناورات رخيصة مكشوفة، وإعلان الروس الإيرانيون بإمكانية الرد على محاولة أمريكية للهجوم على أي أهداف داخل سورية ما يمثل انعطافه جديدة في مسار الأحداث في الأزمة السورية.
جاءت الهجمة الأمريكية السريعة دون انتظار نتائج عرض مسودة القرار الذي قدمه البريطانيون للتصويت ليمثل أوضح رسالة للروس ولإيران ولنظام الأسد، بأن الإدارة الأمريكية الحالية لن تتهاون في وضع حد للمجزرة في سورية، وأعلن الإدارة الأمريكية وعلى لسان أكثر من مسؤول عال المستوى أن الأسد مجرم خطير لا بد من التخلص منه، وأوضحت مندوبة أمريكا في مجلس الأمن أن التخلص من الأسد هي في سياق مسار يتزامن مع التخلص من داعش ولا يمكن للعالم المتحضر السكوت على مجرم العصر.
وفي الختام لا بد من التأكيد على أن الروس الإيرانيين وكل المرتزقة الشيعة الذين وقفوا إلى جانب النظام السوري كان هدفها الأوحد والأسمى هو إرجاع السوريون إلى حظيرة الأسد وتناسي أنهار الدماء وإعطاء المخطط الفارسي الضوء الأخضر للتمدد في المنطقة العربية وتعزيز الوجود الروسي في المنطقة أيضاً وإرجاع سورية قروناً إلى الوراء، في حين فشلت كل تلك القوى في إطفاء جذوة ثورة حق قادها السوريون وبلا أي تشدد أو شعارات إلا الوطن والتخلص من الاستبداد، ودون ما نجح النظام الإيرانيون والروس إلى شيطنة الثورة السورية واستجماع كل العناصر الإرهابية وتخليق الفصائل الشبيهة والتي اندمجت في قيادة تلك الفصائل والتشكيلات وهي من مخابرات النظام الأسدي أو من الذين أفرج عنهم المالكي من سجون العراق وكذلك المجرمون الذين أطلق سراحهم النظام السوري من سجونه وليقدم للعالم أن ما تشهده سورية هو فصائل وتنظيمات إرهابية وداعشية وأخرى، لإزاحة سكة الثورة السورية عن طريقها.
وشهدت الثورة السورية ومنذ انطلاقتها امتدادها الطبيعي رغم محاولات النظام والعالم على وصفها بالإرهاب وفشلت كل تلك القوى العالمية وترسانات دول مثل روسيا وايران والعراق الطائفي من القضاء عليها، ليستدير الروس إلى اللعب على الحصول على المكاسب التي فشل في الحصول عليها في الميادين بواسطة المفاوضات التي انكفأ عنها الأمريكان الأوروبيون واستفراد الروس، وكان تمسك وفود التفاوض بالثوابت والقرارات الأممية الصادرة منذ جنيف الأول 2012م الدور الكبير في إفشال مخططات الروس ومراوغات النظام رغم محاولاتهم إختلاق المنصات لتشتيت المعارضة والحاق أدوات النظام والروس لإفشال الدور التفاوضي والحلول السياسية التي يدعي الروس رعايتها.
هنا يمكن القول أن المرحلة الحالية تمثل انعطافه جديدة بعد إعلان الإدارة الأمريكية الدخول مباشرة لمعاقبة النظام من خلال رسائل التوماهوك وإصدار الكونغرس الأمريكي تخويلات جديدة لترامب لإمكانية تزويد المعارضة السورية بالصواريخ المحمولة على الكتف المضادة للطائرات، واعتبار الأسد مجرم حرب وضرورة العمل على معاقبة المجرم والوصول إلى إنهاء الأزمة السورية بالتخلص من بشار الأسد.
الأستاذ الدكتور محمد أبو الفرج صادق
أكاديمي وباحث سوري